تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (190)

صالحا : ولدا سوياً تام الخلقة .

. . ونالا ما طلبا ، لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة ، وتقربا إليها بالشكر ، والله وحده هو المستحق لذلك فتعالى اللهُ يُشِركون .

وهناك بعض الروايات المأخوذة من الإسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء وهذا خلط وتخريف .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (190)

{ فَلَمَّا ءاتاهما صالحا } وهو ما سألاه أصالة من النسل أو ما طلباه أصالة واستتباعاً من الولد وولد الولد ما تناسلوا { جَعَلاَ } أي النسل الصالح السوي ، وثنى الضمير باعتبار أن ذلك النسل صنفان ذكر وأنثى وقد جاء أن حواء كانت تلد في كل بطن كذلك { لَهُ } أي لله سبحانه وتعالى { شُرَكَاء } من الأصنام والأوصان { فِيمَا ءاتاهما } من الأولاد حيث أضافوا ذلك إليهم ، والتعبير { بِمَا } لأن هذه الإضافة عند الولادة والأولاد إذ ذاك ملحقون بما لا يعقل .

وقيل : المراد بالموصول ما يعم سائر النعم فإن المشركين ينسبون ذلك إلى آلهتهم ، ووجه العدول عن الإضمار حيث لم يقل شركاء فيه على الوجهين ظاهر ، وإسناد الجعل للنسل على حد بنو تميم قتلوا فلاناً { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } تنزيه فيه معنى التعجب ، والفاء لترتيبه على ما فصل من قدرته سبحانه عز وجل وآثار نعمته الزاجرة عن الشرك الداعية إلى التوحيد ، وضمير الجمع لأولئك النسل الذين جعلوا لله شركاء وفيه تغليب المذكر على المؤنث وإيذان بعظم شركهم ، والمراد بذلك إما التسمية أو مطلق الإشراك ، و { مَا } إما مصدرية أي عن إشراكهم أو موصولة أو موصوفة أي عما يشركون به تعالى ، وهذه الآية عندي من المشكلات ؛ وللعلماء فيها كلام طويل ونزاع عريض وما ذكرناه هو الذي يشير إليه كلام الجبائي وهو مما لا بأس به بعد إغضاء العين عن مخالفته للمرويات سوى تثنية الضمير تارة وجمعه أخرى مع كون المرجع مفرداً لفظاً ولم نجد ذلك في الفصيح .

واختار غير واحد أن في جعلا وآتاهما بعد مضافاً محذوفاً وضمير التثنية فيهما لآدم وحواء على طرز ما قيل أي جعل أولادهما فيما آتى أولادهما من الأولاد وإنما قدروه في موضعين ولم يكتفوا بتقديره في الأول وإعادة الضمير من الثاني على المقدر أولاً لأن الحذف لم تقم عليه قرينة ظاهرة فهو كالمعدوم فلا يحسن عود الضمير عليه ، والمراد بالشرك فيما آتى الأولاد تسمية كل واحد من أولادهم بنحو عبد العزي وعبد شمس .

واعترض أولاً : بأن ما ذكر من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه إنما يصار إليه فيما يكون للفعل ملابسة ما بالمضاف إليه أيضاً بسرايته إليه حقيقة أو حكماً ويتضمن نسبته إليه صورة مزية يقتضيها المقام كما في قوله تعالى : { وَإِذْ أنجيناكم مّنْ ءالِ فِرْعَونَ } [ الأعراف : 141 ] الآية فإن الانجاء منهم مع أن تعلقه حقيقة ليس إلا بأسلاف اليهود وقد نسب إلى أخلافهم بحكم سرايته إليهم توفية لمقام الامتنان حقه وكذا يقال في نظائره وهنا ليس كذلك إذ لا ريب في أن آدم وحواء عليهما السلام بريئان من سراية الجعل المذكور إليهما بوجه من الوجوه فلا وجه لإسناده إليهما صورة ، وثانياً : بأن إشاركهم بإضافة أولادهم بالعبودية إلى أصنامهم من لازم اتخاذ تلك الأصنام آلهة ومتفرع له لا أمر حدث عنهم لم يكن قبل فينبغي أن يكون التوبيخ على هذا دون ذلك ، وثالثاً : بأن إشراك أولادهما لم يكن حين آتاهما الله تعالى صالحاً بل بعده بأزمنة متطاولة ، ورابعاً : بأن إجراء جعلا على غير ما أجري عليه الأول والتعقيب بالفاء يوجب اختلال النظم الكريم .

وأجيب عن الأول : بأن وجه ذلك الإسناد الإيذان بتركهما الأولى حيث أقدما على نظم أولادهما في سلك أنفسهما والتزما شكرهم في ضمن شكرهما وأقسما على ذلك قبل تعرف أحوالهم ببيان أن إخلالهم بالشكر الذي وعداه وعداً مؤكداً باليمين بمنزلة إخلالهما بالذات في استيجاب الحنث والخلق مع ما فيه من الإشعار بتضاعف جنايتهم أنهم يجعلهم المذكور أوقعوهما في ورطة الحنث والخلف وجعلوهما كأنهما باشراه بالذات فجمعوا بين الجناية مع الله تعالى والجناية عليهما السلام ، وعن الثاني : بأن المقام يقتضي التوبيخ على هذا لأن لما ذكر ما أنعم سبحانه وتعالى به عليهم من الخلق من نفس واحدة وتناسلهم وبخهم على جهلهم وإضافتهم تلك النعم إلى غير معطيها وإسنادها إلى من لا قدرة له على شيء ولم يذكر أولاً أمراً من أمور الألوهية قصداً حتى يوبخوا على اتخاذ الآلهة ، وعن الثالث : بأن كلمة لما ليست للزمان المتضايق بل الممتد فلا يلزم أن يقع الشرط والجزاء في يوم واحد أو شهر أو سنة بل يختلف ذلك باختلاف الأمور كما يقال : لماظهر الإسلام طهرت البلاد من الكفر والإلحاد ، وعن الرابع : بما حرره «صاحب الكشف » في اختيار هذا القول وإيثاره على القول بأن الشرك راجع لآدم وحواء عليهما السلام وليس المتعارف بل ما نقل من تسمية الولد عبد الحرث وهو أن الظاهر أن قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } [ الأعراف : 189 ] خطاب لأهل مكة وأنه بعدماختمت قصة اليهود بما ختمت تسلية وتشجيعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وحملا له على التثبت والصبر اقتداء بإخوته من أولى العزم عليه وعليهم الصلاة والسلام لا سيما مصطفاه وكليمه موسى عليه السلام فإن ما قاساه من بني إسرائيل كان شديد الشبه بما كان يقاسيه صلى الله عليه وسلم من قريش وذيلت بما يقتضي العطف على المعنى الذي سيق له الكلام أولاً أعني قوله سبحانه وتعالى : { وَمِمَّن * خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق } [ الأعراف : 181 ] وقع التخلص إلى ذلك أهل مكة في حاق موقعه فقيل : { والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا سَنَسْتَدْرِجُهُم } [ الأعراف : 182 ] وذكر سؤالهم عما لا يعنيهم فلما أريد بيان أن ذلك مما لا يهمكم وإنما المهم إزالة ما أنتم عليه منغمسون فيه من أوضار الشرك والآثام مهد له

{ هو الذي خلقكم } [ الأعراف : 189 ] مضمناً معنى الامتنان والمالكية المقتضيين للتوحيد والعبودية ثم قيل : { فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء } أي جعلتم يا أولادهما ولقد كان لكم في أبويكم أسوة حسنة في قولهما : { لَئِنْ ءاتَيْتَنَا صالحا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } [ الأعراف : 189 ] وكأن المعنى والله تعالى أعلم فلما آتاهما صالحاً ووفيا بما وعدا به ربهما من القيام بموجب الشكر خالفتم أنتم يا أولادهما فأشركتم وكفرتم النعمة ، وفي هذا الالتفات ثم إضافة فعلهم إلى الأبوين على عكس ما جعل من خلق الأب وتصويره في معرض الامتنان متعلقاً بهم إيماء إلى غاية كفرانهم وتماديهم في الغي ، وعليه ينطبق قوله سبحانه : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } ثم قال : فظهر أن ءجراء جعلا له على غير ما أجحري عليه الأول ، والتعقيب بالفاء لا يوجب اختلال النظم بل يوجب التئامه اه ، والانصاف أن الأسئلة قوية والآية على هذا الوجه من قبيل اللغز ، وعن الحسن . وقتادة أن ضمير جعلا وآتاهما يعود على النفس وزوجها من ولد آدم لا إلى آدم وحواء عليهما السلام ، وهو قول الأصم قال : ويكون المعنى في قوله سبحانه وتعالى : { خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة } [ الأعراف : 189 ] خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وخلق لكل نفس زوجاً من جنسها فلما تغشى كل نفس زوجها حملت حملاً خفيفاً وهو ماء الفحل فلما أثقلت بمصير ذلك الماء لحماً ودماً وعظماً دعا الرجل والمرأة ربهما لئن آتيتنا صالحاً أي ذكرا سوياً لنكونن من الشاكرين وكانت عادتهم أن يئدوا البنات فلما آتاهما أي فلما أعطى الله تعالى الأب والأم ما سألاه جعلا له شركاء فسميا عبد اللات وعبد العزى وغير ذلك ثم رجعت الكناية في قوله سبحانه وتعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } إلى الجميع ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلاً ، ولا يخفى أن المتبادر من صدرها آدم وحواء ولا يكاد يفهم غيرهما رأساً نعم اختار ابن المنير ما مآله هذا في الانتصاف وادعى أنه أقرب وأسلم مما تقدم وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى ولا يقصد معين من ذلك ثم قال : وكأن المعنى والله تعالى أعلم هو الذي خلقكم جنساً واحداً وجعل أزواجكم منكم أيضاً لتسكنوا إليهن فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت ، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنسو إن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلاناً وإنما قتلهم بعضهم ، ومثله قوله تعالى : { وَيَقُولُ الإنسان أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً } [ مريم : 66 ] و { قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ } [ عبس : 17 ] إلى غير ذلك وتعقب بأن فيه إجراء جميع ألفاظ الآية على الأوجه البعيدة .

وعن أبي مسلم أن صدر الآية ادم وحواء كما هو الظاهر إلا أن حديثهما ما تضمنه قوله سبحانه وتعالى :

{ هُوَ الذى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا } [ الأعراف : 189 ] وانقطع الحديث ثم خص المشركين من أولاد آدم بالذكر ، ويجوز أن يذكر العموم ثم يخص البعض بالذكر ، وهو كما ترى . وقيل : يجوز أن يكون ضمير جعلا لآدم وحواء كماهو الظاهر والكلام خارج مخرج الاستفهام الإنكاري والكناية في { فتعالى } الخ للمشكرين ، وذلك أنهم كانوا يقولون : إن آدم عليه السلام كان يعبد الأصنام ويشرك كما نشرك فرد عليهم بذلك ونظير هذا أن ينعم رجل على آخر بوجوه كثيرة من الإنعام ثم يقال لذلك المنعم : إن الذي أنعمت عليه يقصد إيذاءك وإيصال الشر إليك فيقول : فعلت في حقه كذا وكذا وأحسنت إليه بكذا وكذا ثم إنه يقابلني بالشر والإساءة ومراده أنه بريء من ذلك ومنفي عنه . وقيل : يحتمل أن يكون الخطاب في { خَلَقَكُمْ } لقريش وهم آل قصي فإنهم خلقوا من نفسي قصي وكان له زوج من جنسه عربية قريشية وطلباً من الله تعالى الولد فأعطاهما أربعة بنين فسمياهم عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار يعني بها دار الندوة ويكون الضمير في { يُشْرِكُونَ } لهما ولأعقابهما المقتدين بهما وأيد ذلك بقوله في قصة أم معبد :

فيا لقصي ما زوى الله عنكم *** به من فخار لا يباري وسودد

واستبعد ذلك في «الكشف » بأن المخاطبني لم يخلقوا من نفس قصي لا كلهم ولا كلهم وإنما هو مجمع قريش وبأن القول بأن زوجه قرشية خطأ لأنها إنما كانت بنت سيد مكة من خزاعة وقريش إذ ذاك متفرقون ليسوا في مكة ، وأيضاً من أين العلم إنهما وعداً عند الحمل أن يكونا شاكرين لله تبارك وتعالى ولا كفران أشد من الكفر الذي كانا فيه . وما مثل من فسر بذلك إلا كمن عمر قصراً فهدم مصراً ، وأما البيت فإنما خص فيه بنو قصي بالذكر لأنهم ألصق برسول الله صلى الله عليه وسلم أو لأنه لما كان سيدهم وأميرهم شمل ذكره الكل شمول فرعون لقومه ومعلوم أن الكل ليسوا من نسل فرعون اه . وأجيب عن قوله : من أين العلم الخ بأنه من إعلام الله تعالى إن كان ذلك هو معنى النظم ، ومنه يعلم أن كون زوجته غير قرية في حيز المنعم . نعم في كون قصي هو أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم كان مشركاً مخالفة لما ذهب إليه جمع من أن أجداده عليه الصلاة والسلام كلهم غير مشركين ، وقيل : إن ضمير له للولد ، والمعنى أنهما طلبا من الله تعالى أمثالاً للولد الصالح الذي أتاهما ، وقيل : هو لإبليس ، والمعنى جعلا لإبليس ، والمعنى جعلا لإبليس شركاء في اسمه حيث سميا ولدهما بعبد الحرث ، وكلا القولين ردهما الآمدي في أبكار الأفكار ، وهما لعمري أوهن من بيت العنكبوت لكني ذكرتهما استيفاء للأقوال ، وذهب جماعة من السلف كابن عباس .

ومجاه . وسعيد بن المسيب وغيرهم إلى أن ضمير { جَعَلاَ } يعود آدم وحواء عليهما السلام ، والمراد بالشرك بالنسبة إليهما غير المتبادر بل ما أشرنا إليه آنفاً إلى أن قوله سحبانه وتعالى : { فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ } تخلص إلى قصة العرب وإشراكهم الأصنام فهو كما قال السدي من الموصول لفظاً المفصول معنى ، ويوضح ذلك كما قيل تغيير الضمير إلى الجمع بعد التقنية ولو كانت القصة واحدة لقيل يشركان ، وكذلك الضمائر بعد ، وأيد ذلك بما أخرجه أحمد . والترمذي وحسنه . والحاكم وصححه عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال لها : سميه عبد الحرث فإنه يعيش فسمته بذلك فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره وأراد بالحرث نفسه فإنه كان يسمى به بين الملائكة » ولا يعد هذا شركاً بالحقيقة على ما قال القطب لأن أسماء الأعلام لا تفيد مفهوماتها اللغوية لكن أطلق عليه الشك تغليظاً وإيذاناً بأن ما عليه أولئك السائلون عما لا يعنيهم أمر عظيم لا يكاد يحيط بفظاعته عبارة .

وفي لباب التأويل أن إضافة عبد إلى الحرث على معنى أنه كان سبباً لسلامته وقد يطلق اسم العبد على ما لا يراد به المملوك كقوله :

وأني لعبد الضيف ما دام ثاوياً *** ولعل نسبة الجعل إليهما مع أن الحديث ناطق بأن الجاعل حواء لا هي وآدم لكونه عليه السلام أقرها على ذلك ، وجاء في بعض الروايات التصريح بأنهما سمياه بذلك . وتعقب هذا القول بعض المدققين بأن الحديث لا يصلح تأييداً له لأنه لم يرد مفسراً للآية ولا إنكار لصدور ذلك منهما عليهما السلام فإنه ليس بشرك . نعم كان الأولى بهما التنزه عن ذلك إنما المنكر حمل الآية على ذلك مع ما فيه من العدول عن الظاهر لا سيما على قراءة الأكثرين { شُرَكَاء } بلفظ الجمع ؛ ومن حمل { فتعالى } الخ على أنه ابتداء كلام وهو راجع إلى المشركين من الكفار ، والفاء فصيحة ، وكونه منقولاً عن السلف معارض بأن غيره منقول أيضاً عن جمع منهم انتهى . وقد يقال : أخرج ابن جرير عن الحبر أن الآية نزلت في تسمية آدم وحواء ولديهما بعبد الحرث ، ومثل ذلك لا يكاد يقال من قبل الرأي ، وهو ظاهر في كون الخبر تفسيراً للآية ، وارتكاب خلاف الظاهر في تفيرها مما لا مخلص عنه كما لا يخفى على المنف .

ووجه جمع الشركاء زيادة في التغليظ لأن من جوز الشرك جوز الشركاء فلما جعلا شريكاً فكأنهما جعلا شركاء ، وحمل { فتعالى الله } الخ على الابتداء مما يستدعيه السابق والسياق وبه صرح كثير من أساطين ازسلام والذاهبون إلى غير هذا الوجه نزر قليل بالنسبة إلى الذاهبين إليه وهم دونهم أيضاً في العلم والفضل وشتان ما بين دندنة النحل وألحان معبد ، ومن هنا قال العلامة الطيبي : إن هذا القول أحسن الأقوال بل لا قول غيره ولا معمول إلا عليه لأنه مقتبس من مشكاة النبوة وحضرة الرسالة صلى الله عليه وسلم ، وأنت قد علمت مني أنه إذا صح الحديث فهو مذهبي وأراه قد صح ولذلك أحجم كميت قلمي عن الجري في ميدان التأويل كما جرى غيره والله تعالى الموفق للصواب . وقرأ نافع . وأبو بكر { *شركاً } بصيغة المصدر أي شركة أو ذوي شركة وهم الشركاء .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ فَلَمَّا ءاتاهما صَالِحاً } بحسب الفطرة من القوى { جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما } [ الأعراف : 190 ] أي جعل أولادهما لله تعالى شركاء فيما آتي أولادهما فمنهم عبد البطن ومنهم عبد الخميصة ومنهم من عبد الردهم والدينار

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} (190)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فلما رزقهما الله ولدا صالحا كما سألا جعلا له شركاء فيما آتاهما ورزقهما.

ثم اختلف أهل التأويل في الشركاء التي جعلاها فيما أوتيا من المولود؛ فقال بعضهم: جعلا له شركاء في الاسم... حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الصمد، قال حدثنا عمر بن إبراهيم، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: «كانَتْ حَوّاءُ لا يَعِيشُ لَهَا وَلَدٌ، فَنَذَرَتْ لَئِنْ عاشَ لَهَا وَلَدٌ لَتُسَمّيَنه عَبْدَ الحَرْثِ، فعاشَ لَهَا وَلَدٌ، فَسَمّتْهُ عَبْدَ الحَرْثِ، وإنّمَا كانَ ذلكَ مِنْ وَحْيِ الشّيْطانِ»...

وقال آخرون: بل المعنيّ بذلك رجل وامرأة من أهل الكفر من بني آدم جعلا لله شركاء من الآلهة والأوثان حين رزقهما ما رزقهما من الولد. وقالوا: معنى الكلام: هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها: أي هذا الرجل الكافر، حملت حملاً خفيفا، فلما أثقلت دعوتما الله ربكما. قالوا: وهذا مما ابتدئ به الكلام على وجه الخطاب، ثم ردّ إلى الخبر عن الغائب... وأولى القولين بالصواب قول من قال: عني بقوله:"فَلَمّا آتاهُمَا صَالِحا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ" في الاسم لا في العبادة، وأن المعنيّ بذلك آدم وحوّاء لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك.

فإن قال قائل: فما أنت قائل إذ كان الأمر على ما وصفت في تأويل هذه الآية، وأن المعنيّ بها آدم وحوّاء في قوله: "فَتَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ"؟ أهو استنكاف من الله أن يكون له في الأسماء شريك أو في العبادة؟ فإن قلت في الأسماء دلّ على فساده قوله: "أيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئا وَهُمْ يُخْلَقُونَ "وإن قلت في العبادة، قيل لك: أفكان آدم أشرك في عبادة الله غيره؟ قيل له: إن القول في تأويل قوله: "فَتَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ" ليس بالذي ظننت، وإنما القول فيه: فتعالى الله عما يشرك به مشركو العرب من عبدة الأوثان. فأما الخبر عن آدم وحوّاء فقد انقضى عند قوله: "جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُمَا" ثم استؤنف قوله: "فَتَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ"... وأما قوله: "فَتَعالى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ" فتنزيه من الله تبارك وتعالى نفسه، وتعظيم له عما يقول فيه المبطلون ويدعون معه من الاَلهة والأوثان...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

شرُّ الناس من يبتهل إلى الله عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء، وشدة التضرع والبكاء، فإذا أزيلت شكاتِه، ودُفِعت -بِمِنَّتهِ- آفاتُه ضيَّعَ الوفاء، ونَسِيَ البلاء، وقابل الرِّفْدَ بنقْضِ العهد، وأبدل العقد برفض الود، أولئك الذين أبعدهم الله في سابق الحكم، وخرطهم في سِلْك أهل الرد...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{فَلَمَّا ءاتاهما} ما طلباه من الولد الصالح السويّ {جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء} أي جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك {فِيمَا ءاتاهما} أي آتى أولادهما، وقد دلّ على ذلك بقوله: {فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ} حيث جمع الضمير. وآدم وحواء بريئان من الشرك. ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة، وعبد شمس وما أشبه ذلك، مكان عبد الله وعبد الرحمن وعبد الرحيم... وجعل الضمير في {يُشْرِكُونَ} لهما ولأعقابهما الذين اقتدوا بهما في الشرك، وهذا تفسير حسن لا إشكال فيه. وقرئ «شِركا»، أي ذوي شرك وهم الشركاء، أو أحدثا لله شركاً في الولد.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

{فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} أي لما آتاهما الله ولدا سويا صالحا جعلا له شريكا أي جعل آدم وحواء له شريكا، والمراد به الحرث هذا تمام القصة. واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه:

الأول: أنه تعالى قال: {فتعالى الله عما يشركون} وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة.

الثاني: أنه تعالى قال بعده: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى، وما جرى لإبليس اللعين في هذه الآية ذكر.

الثالث: لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئا)، ولم يقل (ما لا يخلق شيئا)، لأن العاقل إنما يذكر بصيغة «من» لا بصيغة «ما»

الرابع: أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالما بجميع الأسماء كما قال تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها} فكان لابد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث؟ وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم؟

الخامس: أن الواحد منا لو حصل له ولد يرجو منه الخير والصلاح، فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار. فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير الذي حصل من قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس، كيف لم يتنبه لهذا القدر وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها.

السادس: أن بتقدير أن آدم عليه السلام، سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له، بمعنى أنه أخبر بهذا اللفظ أنه عبد الحرث ومخلوق من قبله. فإن كان الأول لم يكن هذا شركا بالله لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة، فلم يلزم من التسمية بهذا اللفظ حصول الإشراك، وإن كان الثاني كان هذا قولا بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكا في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم، وذلك لا يقوله عاقل. فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه. إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد. التأويل الأول: ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك، وتقرير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك. فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام. ثم قال تعالى: {فتعالى الله عما يشركون} أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

وأشار بالفاء إلى قرب الولادة من الدعاء فقال: {فلما آتاهما} أي أبويكم آدم وحواء {صالحاً} أي جنس الولد الصالح في تمام الخلق بدناً وقوة وعقلاً، فكثروا في الأرض وانتشروا في نواحيها ذكوراً وإناثاً {جعلا} أي النوعان من أولادهما الذكور والإناث، لأن "صالحاً "صفة لولد وهو للجنس فيشمل الذكر والأنثى والقليل والكثير، فكأنه قيل: فلما آتاهما أولاداً صالحي الخلقة من الذكور والإناث جعل النوعان {له شركاء} أي بعضهم أصناماً وبعضهم ناراً وبعضهم شمساً وبعضهم غير ذلك...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم بالشرك، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم على خلاف ما يعادون الله عليه. وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم به عليهم من الخلق من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن. ثم إنشائه إياهم بعد الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة. ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ليكونن من الشاكرين. ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم هذه النعم، التي امتن سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، حيث أشركوا معه غيره في ذلك...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} أي فلما أعطاهما ولدا صالحا لا نقص في خلقه، ولا فساد في تركيبه، جعلا له شركاء في إعطائه أو فيما أعطاه بأن كان سببا لوقوع الشرك منهما أو ظهور ما هو راسخ في أنفسهما منه، وسنبين معناه وقرأ نافع وأبو بكر "جعلا له شِركاً "أي شركة أو ذوي شرك، فالمعنى واحد.

{فتعالى الله عما يشركون} أي تعالى شأنه عن شركهم، فإنه هو معطي النسل بما خلقه لكل من الزوجين من أعضاء، وقدر لهما في العلوق والوضع من أسباب، لا فعل لغيره في ذلك البتة. وجمع الضمير هنا بعد تثنيته الأفعال قبله لأن المراد فيه بالزوجين الجنس لا فردين معينين: وقال الزمخشري: إن الضمير في (آتيتنا) و (لنكونن) لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما. والآية على كل من القولين بيان لحال البشر فيما طرأ عليهم من نزعات الشرك الخفي والجلي في هذا الشأن وأمثاله، والجنس يصدق ببعض أنواعه وببعض أفراده.

فمثال الشرك الخفي في إنعام الله عليهم بالنسل ما يسندونه إلى الأسباب في سلامة الحامل من الأمراض في أثناء الحمل أو في حالة الوضع، وفي سلامة الطفل عند الوضع وعقبه وفيما بعد ذلك من الموت أو التشويه أو الأمراض، كقولهم: لولا أن فعلنا كذا لكان كذا، ولولا فلان أو فلانة من طبيب أو مرشد أو قابلة لهلك الولد أو لأجهضت أمه إجهاضا، أو جاءت بسقط لم يستهل، أو لمات عقب إسقاطه لعدم استعداده للحياة. وينسون في هذه الأحوال فضل الله تعالى عليهم بما منّ به من العافية والتوفيق وتسخير الأسباب من البشر وغيرهم، وإن كانوا ممن يذكرونها ولا ينكرونها إذا ذكروا بها- ذلك شأن كثير من الناس في كل نعمة تمسهم، أو نقمة يدفعها الله تعالى عنهم، وهذا الشرك ليس خروجا من الملة، ولكنه نقص في شكر المنعم، ويحتمل أن يكون المراد بالشرك هنا ترجيح حب الأولاد على حب الله تعالى وشغلهم للوالدين عن ذكره وشكره، وإيثارهم لهم على طاعته والتزام ما شرعه من أحكام الحلال والحرام، وهو كسابقه نقص في التوحيد لا نقض له، وغفلة عنه لا جحد به.

ومثال الشرك الجلي إسناد هذه النعم إلى غيره تعالى ممن يدعونهم من دونه ومعه من الأولياء والقديسين، أو الأنبياء والمرسلين، أو ما يذكر بهم أو يمثلهم من القبور أو الأصنام والتماثيل، يقولون: لولا سيدي فلان ولولا مولانا علان لما كان كذا مما نحب، أو لكان كذا وكذا مما نكره، يعتقدون أن لهم فيما كان من نفع ومنه ضرر تأثيرا غيبيا يستقلون به هو فوق تأثير الأسباب المذكورة عن القسم الأول كما تقدم شرحه مرارا أقربها ما في تفسير الآية السابقة.

{فتعالى الله عما يشركون} أي وارتفع مجده، وتعالى جده، تنزها عن شرك هؤلاء الأغبياء أو عن شركائهم أن يكون لهم تصرف في خلقه، أو تأثير في صفاته وأفعاله.

كنت قرأت منذ سنين جل ما قال المفسرون في تفسير هذه الآيات من كتبهم التي بين أيدينا من مأثور وغيره، وما أوردوه فيها من الإشكال، وما لهم في الجواب عنه والتفصي منه من أقوال، ولما أردت كتابة تفسيرها الآن لم أجد مما في ذهني منه شيئا مرضيا يطمئن به قلبي، فتوجهت إلى الله تعالى وفكرت في معناها الذي يعطيه الأسلوب العربي وينطبق على سنة الله في البشر، وفي بيان كتابه لحقائق أحوالهم، فكرت في ذلك قبل النوم وأنا في فراشي، ثم كتبت ما تقدم في آخر النهار، ثم بحثت فيما عندي من كتب التفسير لأكتب خلاصة ما قيل فيها، وانظر فيما عساه يؤيده، وأجيب عما ربما يفنده، فإذا أنا بصاحب الانتصاف يقول بعد ذكر ما نقلناه آنفا من كلمة الزمخشري في ضميري الجمع ما نصه: وأسلم من هذين التفسيرين أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى لا يقصد فيه إلى معين، وكان المعنى والله أعلم: خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الآخر الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت. وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم كقوله تعالى: {ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا} [مريم: 66] {قتل الإنسان ما أكفره} [عبس: 17] {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] 1ه.

وأما الإشكال الذي أشرنا إليه فهو ما روي عن بعض الصحابة والتابعين وفي حديث مرفوع أيضا من أن الآية في آدم وحواء فقد أخرج أحمد والترمذي وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه غيرهم من حديث سمرة بن جندب مرفوعا قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان) وهو على كثرة مخرجيه غريب وضعيف كما سيأتي، وقد جاءت الآثار في هذا المعنى مفصلة ومطولة، وفيها زيادات خرافية، تشهد عليها بأنها من الدسائس الإسرائيلية، وهذه الآثار يعدها بعض العلماء من قبيل الأحاديث المرفوعة لأنها لا تقال بالرأي، والذي نعتقده وجرينا عليه من التفسير أن كل ما هو منها مظنة للإسرائيليات المتلقاة عن مثل كعب الأحبار ووهب بن منبه فهي لا يوثق بها، فإن كانت مع ذلك مشتملة على ما ينكره الدين أو العلم الصحيح قطعنا ببطلانها وكونها دسيسة إسرائيلية، ومنها ما نحن فيه لأن فيه طعنا صريحا في آدم وحواء عليهما السلام ورميا لهما بالشرك، ولذلك رفضها بعض المفسرين وتكلف آخرون في تأويلها بما تنكره اللغة. وقد اعتمد بعض المتأخرين كصاحب فتح البيان وصاحب روح المعاني الأخذ بحديث سمرة دون آثار الصحابة والتابعين التي فيها ما ليس فيه من رمي آدم بالشرك الصريح، وظنا أنه حجة ووصفاه تبعا للترمذي والحاكم بالحسن وبالصحيح، وما هو بحسن ولا صحيح، على أنه لم يرد تفسيرا للآية كتلك الآثار.

وذهب بعض المفسرين إلى أن الخطاب في الآية لقريش وأن المراد فيها بالنفس الواحدة قصي جدهم، وأن المراد بجعل زوجها منها أنها قرشية أو عربية لما روي أنها من خزاعة لا من قريش، وأن المراد بشركهما تسمية أبنائهما الأربعة عبد مناف وعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار- يعني دار الندوة- وفيه نظر من وجوه ذكرها بعض المفسرين لا نضيع الوقت بذكرها. وإنما الذي يصح أن يذكر ويبين بطلانه فهو الروايات التي انخدع بها ولا يزال ينخدع بها الكثيرون، وعمدتنا في تمحيصها، وبيان عللها الحافظ ابن كثير فقد قال في تفسيره ما نصه:

(ذكر المفسرون ههنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها ثم نتبع ذلك ببيان الصحيح في ذلك إن شاء الله وبه الثقة. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال سميه عبد الحارث فعاش وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره) 124 وهكذا رواه ابن جرير عن محمد بن بشار عن بندار عن عبد الصمد بن عبد الوارث به، ورواه الترمذي 125 في تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد به وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن أبي زرعة الرازي عن هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم به مرفوعا، وكذا رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره من حديث شاذ بن فياض عمر بن إبراهيم به مرفوعا (قلت) وشاذ هو هلال وشاذ لقبه، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه:

أحدها: أن عمر بن إبراهيم هذا هو المصري وقد وثقه ابن معين، ولكن قال أبو حاتم الرازي لا يحتج به ولكن رواه ابن مردويه من حديث المعتم عن أبيه عن الحسن عن سمرة مرفوعا فالله أعلم.

الثاني: أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعا كما قال ابن جرير: حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا المعتمر عن أبيه حدثنا بكر بن عبد الله عن سليمان التيمي عن عبد الأعلى بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: سمى آدم ابنه عبد الحارث.

الثالث: أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعا لما عدل عنه.

قال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع حدثنا سهل بن يوسف عن عمرو عن الحسن (جعلا له شركاء فيما آتاهما) قال كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم، وحدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن نور عن معمر قال: قال الحسن عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده، يعني جعلا له شركاء فيما آتاهما، وحدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى رزقهم الله أولادا فهودوا ونصروا. وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رضي الله عنه أنه فسر الآية بذلك وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره لاسيما مع تقواه لله وورعه. فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب من آمن منهم مثل كعب أو وهب بن منبه...، ألا إننا برئنا من عهدة المرفوع، والله أعلم.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(فلما آتاهما صالحاً جعلا له شركاء فيما آتاهما. فتعالى الله عما يشركون!).. إن بعض الروايات في التفسير تذكر هذه القصة على أنها قصة حقيقية وقعت لآدم وحواء.. إذ كان أبناؤهما يولدون مشوهين. فجاء إليهما الشيطان فأغرى حواء أن تسمي ما في بطنها "عبد الحارث"...وظاهر ما في هذه الرواية من طابع إسرائيلي.. ذلك أن التصور الإسرائيلي المسيحي -كما حرفوا ديانتهم- هو الذي يلقي عبء الغواية على حواء، وهو مخالف تماماً للتصور الإسلامي الصحيح. ولا حاجة بنا إلى هذه الإسرائيليات لتفسير هذا النص القرآني.. فهو يصور مدارج الانحراف في النفس البشرية.. ولقد كان المشركون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله، ينذرون بعض أبنائهم للآلهة، أو لخدمة معابد الآلهة! تقرباً وزلفى إلى الله! ومع توجههم في أول الأمر لله، فإنهم بعد دحرجة من قمة التوحيد إلى درك الوثنية كانوا ينذرون لهذه الآلهة أبناءهم لتعيش وتصح وتوقى المخاطر! كما يجعل الناس اليوم نصيباً في أبدان أبنائهم للأولياء والقديسين. كأن يستبقوا شعر الغلام لا يحلق أول مرة إلا على ضريح ولي أو قديس. أو أن يستبقوه فلا ختان حتى يختن هناك. مع أن هؤلاء الناس اليوم يعترفون بالله الواحد. ثم يتبعون هذا الاعتراف بهذه الاتجاهات المشركة. والناس هم الناس! (فتعالى الله عما يشركون!). وتنزه عن الشرك الذي يعتقدون ويزاولون!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

معنى {فلما آتاهما صالحاً} لما أتى من أتاه منهم ولداً صالحاً وضمير {جعلا} للنفس الواحدة وزوجها، أي جعل الأبوان المشركان. و« الشِّرْك» مصدر شَرَكه في كذا، أي جعلا لله شركة، والشركة تقتضي شريكاً أي جعلا لله شريكاً فيما آتاهما الله، والخبر مراد منه مع الإخبار التعجيب من سفه آرائهم، إذ لا يجعل رشيدُ الرأي شريكاً لأحد في ملكه وصنعه بدون حق... وهذا الشرك لا يخلو عنه أحد من الكفار في العرب، وبخاصة أهل مكة، فإن بعض المشركين يجعل ابنه سادنا لبيوت الأصنام، وبعضهم يحْجُر ابنه إلى صنم ليحفظه ويرعاه، وخاصة في وقت الصبا، وكل قبيلة تنتسب إلى صنمها الذي تعبده، وبعضهم يسمى ابنه: عبد كذا، مضافاً إلى اسم صنم كما سَمُّوا عبدَ العُزى، وعبدَ شمس، وعبدَ مناة، وعبدَ يا ليل، وعبدَ ضخم، وكذلك امرؤ القيس، وزيد مناءة، لأن الإضافة على معنى التمليك والتعبيد... وجملة: {فتعالى الله عما يشركون} أي: تنزه الله عن إشراكهم كله: ما ذُكر منه آنفاً من إشراك الوالدين مع الله فيما آتاهما، وما لم يذكر من أصناف إشراكهم...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

...

هذه قصة تصور حال الإنسان في أمور ثلاثة: أولا – أنه وزوجه من جنس واحد مؤتلف متجانس فكلاهما متمم لصاحبه، وكلاهما من خلق واحد، وتكوين واحد، وخلقا متقابلين متكاملين. وثانيا – تصور أنه حال الخوف والطمع لا يلجأ إلا إلى الله، فهو الذي يشبع حاجته، وهو الذي يرجى وحده في الشدة. وثالثا – في أنه إذا ذهب الخوف غلبته الأوهام، وسيطرت عليه...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

إنّ الآيتين وما بعدهما من الآيات ـ محل البحث ـ تشير إلى نوع الناس، فهم يدعون الله وينتظرون الولد الصالح في كمال الإِخلاص لله والانقطاع إليه، كمن يحدق بهم الخطر فيلتجؤوا إلى اللّه، ويعاهدون اللّه على شكره بعد حلّ معضلاتهم. ولكن عندما يرزقهم الله الولد الصالح، أو يحلّ مشاكلهم ينسون جميع عهودهم فإنّ كان الولد جميلا قالوا: إنّه اكتسب جماله من أبيه أو أُمّه، وهذا هو قانون الوراثة. وتارةً يقولون: إنّ غذاءه والظروف الصحية تسببت في نموّه وسلامته. وتارةً يعتقدون بتأثير الأصنام ويقولون: إنّ ولدنا كان من بركة الأصنام وعطائها! وأمثال هذا الكلام.. وهكذا يهملون التأثير الرّباني بشكل عام، ويرون العلّة الأصلية هي العوامل الطبيعية أو المعبودات الخرافية...