الزينة : كل شيء يَزينُ الإنسانَ من لباس طيب وغيره .
الإسراف : تجاوز الحد وعدم الاعتدال في المأكل والمشرب وصرفُ الأموال في غير موضعها .
في هذه الآية تأكيدٌ على ستر العورة ، والتزُّين والتجمُّل عند كل صلاة : فاللهُ سبحانه بعد أن أمر بالعدل في كل الأمور ، أكّد هنا بنداء إلى بني آدم : خُذوا زينتكم من الثياب الحسنة ، مع الخشوعِ والتقوى عند كل مكان للصلاة ، وفي كل وقتٍ تُؤَدون فيه العبادة . ثم إنه أمَرَنَا بالاعتدال في الأكل والشرب ، وأن لا نتجاوز الحدّ المعقول : { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } لأن الإسراف في المطعَم يُضِرّ بالصحة ، والإسراف في المال يؤدّي إلى الفقر ، وبذلك يجني المرء على أُسرته ، ومن ثم على وطنِه ، حين يغدو عالةً على المجتمع .
والتزيُّن للعبادة عند كل مسجد ، وِفق عُرف الناس في تزينّهم في المجتمعات والمحافل ، أمرٌ مطلوب شرعاً ، ليكون المؤمن في أجمل حال عندما يقف بين يدي ربه ، أو في أيّ اجتماع . وهو أصلٌ من الأصول الدينية والمدنيّة عند المسلمين . وقد كان سبباً في تعليم القبائل البدائية ، والأوساط المتأخرة في إفريقية وغيرها من الأمم التي تعيش عراةَ الأجسام رجالا ونساء . وكان هذا من فضل الإسلام ، الذي نقل أمما وشعوبا من الوحشية إلى الحضارة الراقية .
وقد روى النَّسائي وابنُ ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كُلُوا واشربوا وتصدَّقوا والبَسوا في غير مَخيِلَةٍ ولا سَرَف ، فإن الله يحبّ أن يرى أثَرَ نِعمه على عبده » . ومعنى «مخيلة » كِبر وإعجاب بالنفس .
{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ } أي ثيابكم لمواراة عوراتكم لأن المستفاد من الأمر الوجوب والواجب إنما هو ستر العورة { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } أي طواف أو صلاة ، وإلى ذلك ذهب مجاهد وأبو الشيخ وغيرهما ، وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان أناس من الأعراب يطوفون بالبيت عراة حتى إن كانت المرأة لتطوف بالبيت وهي عريانة فتعلق على سفلها سيوراً مثل هذه السيور التي تكون على وجه الحمر من الذباب وهي تقول :
اليوم يبدو بعضه أو كله *** وما بدا منه فلا أحله
فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وحمل بعضهم الزينة على لباس التجمل لأنه المتبادر منه ونسب للباقر رضي الله تعالى عنه ، وروي عن الحسن السبط رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه فقيل له : يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تلبس أجود ثيابك ؟ فقال : إن الله تعالى جميل يحب الجمال فأتجمل لربي وهو يقول : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } فأحب أن ألبس أجمل ثيابي ، ولا يخفى أن الأمر حينئذٍ لا يحمل على الوجوب لظهور أن هذا التزين مسنون لا واجب ، وقيل : إن الآية على الاحتمال الأول تشير إلى سنية التجمل لأنها لما دلت على وجوب أخذ الزينة لستر العورة عند ذلك فهم منه في الجملة حسن التزين بلبس ما فيه حسن وجمال عنده ، ونسب بيت الكذب إلى الصادق رضي الله عنه تعالى أن أخذ الزينة التمشط كأنه قيل تمشطوا عند كل صلاة ، ولعل ذلك من باب الاقتصار على بعض أنواع الزينة وليس المقصود حصرها فيما ذكر . ومثل ذلك ما أخرجه ابن عدي وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خذوا زينة الصلاة قالوا : وما زينة الصلاة ؟ . قال : البسوا نعالكم فصلوا فيها " . وأخرج ابن عساكر وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله سبحانه : { خُذُواْ زِينَتَكُمْ } الخ " صلوا في نعالكم "
{ وَكُلُواْ واشربوا } مما طاب لكم . قال الكلبي : كان أهل الجاهلية لا يأكلون من الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً في أيام حجهم يعظمون بذلك حجهم فقال المسلمون : يا رسول الله نحن أحق بذلك فأنزل الله تعالى الآية ، ومنه يظهر وجه ذكر الأكل والشرب هنا { وَلاَ تُسْرِفُواْ } بتحريم الحلال كما هو المناسب لسبب النزول أو بالتعدي إلى الحرام كما روي عن ابن زيد أو بالإفراط في الطعام والشره كما ذهب إليه كثير ، وأخرج أبو نعيم عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : «إياكم والبطنة من الطعام والشراب فإنها مفسدة للجسد مورثة للسقم مكسلة عن الصلاة وعليكم بالقصد فيهما فإنه أصلح للجسد وأبعد من السرف وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه2 .
وقيل : المراد الإسراف ومجاوزة الحد بما هو أعم مما ذكر وعد منه أكل الشخص كلما اشتهى وأكله في اليوم مرتين ، فقد أخرج ابن ماجه والبيهقي عن أنس قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن من الإسراف أن تأكل كل ما اشتهيت " وأخرج الثاني وضعفه عن عائشة قالت : " رآني النبي صلى الله عليه وسلم وقد أكلت في اليوم مرتين فقال يا عائشة أما تحبين أن يكون لك شغل إلا في جوفك الأكل في اليوم مرتين من الإسراف " . وعندي أن هذا مما يختلف باختلاف الأشخاص ، ولا يبعد أن يكون ما ذكر من الإفراط في الطعام وعد منه طبخ الطعام بماء الورد وطرح نحو المسك فيه مثلاً من غير داع إليه سوى الشهوة ، وذهب بعضهم إلى أن الإسراف المنهي عنه يعم ما كان في اللباس أيضاً ، وروي ذلك عن عكرمة ، وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال : كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة . ورواه البخاري عنه تعليقاً وهو لا ينافي ما ذكره الثعالبي وغيره من الأدباء أنه ينبغي للإنسان أن يأكل ما يشتهي ويلبس ما يشتهيه الناس كما قيل :
نصحته نصيحة *** قالت بها الأكياس
كل ما اشتهيت والبسن *** ما تشتهيه الناس
فإنه لترك ما لم يعتد بين الناس وهذا لإباحة كل ما اعتادوه . وفي «العجائب » للكرماني قال طبيب نصراني لعلي بن الحسين بن واقد : ليس في كتابكم من علم الطب شيء والعلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان فقال له : قد جمع الله تعالى الطب كله في نصف آية من كتابه قال : وما هي ؟ قال : { كُلُواْ واشربوا * وَلاَ تُسْرِفُواْ } فقال النصراني : ولا يؤثر من رسولكم شيء في الطب فقال : قد جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة قال : وما هي ؟ قال : قوله صلى الله عليه وسلم : " المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء وأعط كل بدن ما عودته " فقال : ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طباً انتهى . وما نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو من كلام الحرث بن كلدة طبيب العرب ولا يصح رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي «الإحياء » مرفوعاً " البطنة أصل الداء والحمية أصل الدواء وعودوا كل جسد ما اعتاد "
وتعقبه العراقي قائلاً : لم أجد له أصلاً . وفي «شعب الإيمان » للبيهقي و «لقط المنافع » لابن الجوزي عن أبي هريرة مرفوعاً أيضاً : " المعدة حوض البدن والعروق إليها واردة فإذا صحت المعدة ( صارت ) العروق بالصحة وإذا فسدت المعدة صارت ( 4 ) العروق بالسقم " وتعقبه الدارقطني قائلاً : لا نعرف هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو من كلام عبد الملك بن سعيد بن ( أبحر ) . وفي «الدر المنثور » أخرج محمد الخلال عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وهي تشتكي فقال لها : " يا عائشة الأزم دواء والمعدة بيت الأدواء وعودوا البدن ما اعتاد " ولم أر من تعقبه ، نعم رأيت في «النهاية » لابن الأثير «سأل عمرو الحرث بن كلدة ما الدواء ؟ قال : الأزم يعني الحمية وإمساك الأسنان بعضها على بعض » ، نعم الأحاديث الصحيحة متظافرة في ذم الشبع وكثرة الأكل ، وفي ذلك إرشاد للأمة إلى كل الحكمة .
{ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } بل يبغضهم ولا يرضى أفعالهم . والجملة في موضع التعليل للنهي ، وقد جمعت هذه الآية كما قيل أصول الأحكام الأمر والإباحة والنهي والخبر .
( ومن باب الإشارة ) :{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ } فأخلصوا العمل لله تعالى وتوكلوا عليه وقوموا بحق الرضا وتمكنوا في التحقق بالحقيقة ومراعاة حقوق الاستقامة ولكل مقام مقال { وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } [ الأعراف : 31 ] بالإفراط والتفريط فإن العدالة صراط الله تعالى المستقيم .
411- ابن كثير: قال مالك، عن الزهري في تفسيرها: أنها نزلت في طواف المشركين بالبيت عراة.
- ابن رشد: سئل مالك عن مساجد القبائل يصلى فيها بغير أردية فكرهه وقال: قال الله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}.
محمد العتبي: قال ابن القاسم: كره مالك الصلاة بغير أردية في المساجد، وقال: يقول الله سبحانه: {خذوا زينتكم عند كل مسجد}.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره لهؤلاء الذين يتعرّون عند طوافهم ببيته الحرام ويبدون عوراتهم هنالك من مشركي العرب، والمحرّمين منهم أكل ما لم يحرّمه الله عليهم من حلال رزقه تبرّرا عند نفسه لربه:"يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ" من الكساء واللباس، "عِنْدَ كُلْ مَسْجِد وكُلُوا "من طيبات ما رزقتكم، وحللته لكم، "وَاشْرَبُوا" من حلال الأشربة، ولا تحرّموا إلا ما حرّمت عليكم في كتابي أو على لسان رسولي محمد صلى الله عليه وسلم...
عن الزهريّ: أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس (قريش وأحلافهم) فمن جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثياب أحمس، فإنه لا يحلّ له أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد من يعيره من الحمس فإنه يلقي ثيابه ويطوف عريانا، وإن طاف في ثياب نفسه ألقاها إذا قضى طوافه يحرمها فيجعلها حراما عليه، فلذلك قال: "خُذُوا زِينَتَكُمْ عَنْدَ كُلّ مَسْجِد".
"وَكُلُوا وَاشْرِبُوا وَلا تُسْرِفُوا"...عن ابن عباس، قال: أحلّ الله الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة...
وقوله "إنّهُ لا يُحِبّ المُسْرِفِينَ" يقول: إن الله لا يحبّ المتعدّين حدّه في حلال أو حرام، الغالين فيما أحلّ الله أو حرّم بإحلال الحرام وبتحريم الحلال، ولكنه يحب أن يحلل ما أحلّ ويحرّم ما حرّم، وذلك العدل الذي أمر به.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{خُذُواْ زِينَتَكُمْ} أي ريشكم ولباس زينتكم. وقيل: الزينة: الطيب. والسنّة أن يأخذ الرجل أحسن هيئته للصلاة.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
هذا خطاب عام لجميع العالم وأمروا بهذه الأشياء بسبب عصيان حاضري ذلك الوقت من مشركي العرب فيها، والزينة ها هنا الثياب الساترة قاله مجاهد والسدي، وقال طاوس: الشملة من الزينة. قال القاضي أبو محمد: ويدخل فيها ما كان من الطيب للجمعة والسواك وبدل الثياب وكل ما وجد استحسانه في الشريعة ولم يقصد به مستعملة الخيلاء،
و {عند كل مسجد} عند كل موضع سجود فهي إشارة إلى الصلوات وستر العورة فيها، هذا هو مهم الأمر، ويدخل مع الصلاة مواطن الخير كلها، ومع ستر العورة ما ذكرناه من الطيب للجمعة وغير ذلك، وقوله تعالى: {وكلوا واشربوا} نهي عما كانوا التزموه من تحريم اللحم والودك في أيام الموسم، قال السدي وابن زيد، وتدخل مع ذلك أيضاً البحيرة والسائبة ونحو ذلك، وقد نص على ذلك قتادة وقال إن البحيرة وما جانسها هي المراد بقوله تعالى: {والطيبات من الرزق}،
وقوله تعالى: {ولا تسرفوا} معناه ولا تفرطوا، قال أهل التأويل: يريد ولا تسرفوا بأن تحرموا على أنفسكم ما لم يحرم الله عز وجل، قال ابن عباس: ليس في الحلال سرف إنما السرف في ارتكاب المعاصي. قال القاضي أبو محمد: يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقاً، فمن تلبس بفعل حرام فتأول تلبسه به حصل من المسرفين وتوجه النهي عليه، ومن تلبس بفعل مباح فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل الضرر حصل أيضاً من المسرفين وتوجه النهي عليه، مثل ذلك أن يفرط الإنسان في شراء ثياب ونحوها ويستنفد في ذلك جل ماله أو يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه، فالله عز وجل لا يحب شيئاً من هذا، وقد نهت الشريعة عنه.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
{يا بني آدم} أي الذي زيناه فغره الشيطان ثم وقيناه شره بما أنعمنا عليه به من حسن التوبة وعظيم الرغبة {خذوا زينتكم} أي التي تقدم التعبير عنها بالريش لستر العورة والتجمل عند الاجتماع للعبادة {عند كل مسجد} وأكد ذلك كونُهم كانوا قد شرعوا أن غير الحمس يطوفون عراة. ولما أمر بكسوة الظاهر بالثياب لأن صحة الصلاة متوقفة عليها، أمر بكسوة الباطن بالطعام والشراب لتوقف القدرة عادة عليها فقال: {وكلوا واشربوا} وحسَّن ذلك أن بعضهم كان يتدين في الحج بالتضييق في ذلك...
ولما أمر بالملبس والمطعم، نهى عن الاعتداء فيهما فقال: {ولا تسرفوا} بوضع شيء من ذلك فيما لا يكون أحق مواضعه ولو بالزيادة على المعاء،... ثم علل ذلك بقوله: {إنه لا يحب المسرفين*} أي لا يكرمهم، ولا شك أن من لا يحبه لا يحصل له شيء من الخير فيحيط به كل شر...
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
{كُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ} أمر الله سبحانه عباده بالأكل والشرب، ونهاهم عن الإسراف، فلا زهد في ترك مطعم ولا مشرب، وتاركه بالمرّة قاتل لنفسه، وهو من أهل النار، كما صح في الأحاديث الصحيحة، والمقلل منه على وجه يضعف به بدنه ويعجز عن القيام بما يجب عليه القيام به من طاعة أو سعي على نفسه، وعلى من يعول مخالفاً لما أمر الله به وأرشد إليه، والمسرف في إنفاقه على وجه لا يفعله إلا أهل السفه، والتبذير مخالف لما شرعه الله لعباده واقع في النهي القرآني؛ وهكذا من حرّم حلالاً أو حلل حراماً، فإنه يدخل في المسرفين ويخرج عن المقتصدين. ومن الإسراف الأكل لا لحاجة، وفي وقت شبع...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد} يقال في هذا النداء ما قلنا في مثله قبله، ونزيد أنه يشمل النساء بالتبع للرجال شرعا لا لغة،
هذا الأمر بالزينة عند كل مسجد لا المسجد الحرام وحده أصل من أصول الإصلاح الدينية والمدنية يعرف بعض قيمته مما روي في سبب نزول هذه الآيات، وإنما يعرفها حق المعرفة من قرأ تواريخ الأمم والملل وعلم أن أكثر المتوحشين الذين يعيشون في الحرجات والغابات أفرادا وجماعات يأوون إلى الكهوف والمغارات، والقبائل الكثيرة الوثنية، في بعض جزائر البحار وجبال إفريقية، كلهم يعيشون عراة الأجسام نساء ورجالا، وإن الإسلام ما وصل إلى قوم منهم إلا وعلمهم لبس الثياب بإيجابه للستر وللزينة إيجابا شرعيا،... أقول: إن بعض الأمم الوثنية ذات الحضارة والعلوم والفنون كان يغلب فيها معيشة العري حتى إذا ما اهتدى بعضهم بالإسلام صاروا يلبسون ويتجملون. ثم صاروا يصنعون الثياب، وقلدهم جيرانهم من الوثنيين بعض التقليد. هذه بلاد الهند على ارتقاء حضارة الوثنيين فيها قديما وحديثا لا يزال ألوف الألوف من نسائهم ورجالهم عراة أو أنصاف أو أرباع عراة فترى بعض رجالهم في معاهد تجارتهم وصناعتهم بين عار لا يستر السوءتين ويسمونهما "سبيلين "وهي الكلمة العربية التي يستعملها الفقهاء في باب نواقض الوضوء أو ساتر لنصفه الأسفل فقط، وامرأة مكشوفة البطن والفخذين أو النصف الأعلى من الجسم كله أو بعضه، وقد اعترف بعض علمائهم المنصفين بأن المسلمين هم الذين علموهم لبس الثياب والأكل في الأواني. ولا يزال أكثر فقرائهم يضعون طعامهم على ورق الشجر ويأكلون منه، ولكنهم خير من كثير من سائر الوثنين سترا وزينة، لأن المسلمين كانوا حكامهم، وقد كانوا ولا يزالون من أرقى مسلمي الأرض علما وعملا وتأثيرا في وثنيي بلادهم. وأما المسلمون في بلاد الشرق التي يغلب عليها الجهل فهم أقرب إلى الوثنية منهم إلى الإسلام في اللباس وكثير من الأعمال الدينية، ومنهم نساء مسلمي (سيام) اللاتي لا يرين في أنفسهم عورة سوى السوءتين كما تقدم آنفا فحيث يقوى الإسلام يكون الستر والزينة اللائقة بكرامة البشر ورقيهم. فمن عرف مثل هذا عرف قيمة هذا الأصل الإصلاحي في الإسلام، ولولا أن جعل هذا الدين المدني الأعلى أخذ الزينة من شرع الله أوجبه على عباده لما نقل أمما وشعوبا كثيرة من الوحشية الفاحشة، إلى الحضارة الراقية، وإنما يجهل هذا الفضل له من يجهل التاريخ وإن كان من أهله، بل لا يبعد أن يوجد في متحذلقة المتفرنجين منهم من يجلس في ملهى أو مقهى أو حانة متكئا مميلا طربوشه على رأسه يقول: ما معنى جعل أخذ زينة الناس من أمور الدين وهو من لوازم البشر لا يحتاجون فيه إلى وحي إلهي ولا شرع ديني؟ ويدل على بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى جميع البشر.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إنه التوكيد بعد التوكيد على الحقائق الأساسية للعقيدة، في مواجهة ما عليه المشركون العرب في الجاهلية؛ وذلك في سياق النداء إلى بني آدم كافة، وفي مواجهة قصة البشرية الكبرى.. وأظهر هذه الحقائق هو الربط بين ما يحرمونه من الطيبات التي أخرجها الله لعباده دون إذن منه ولا شرع؛ وبين الشرك الذي هو الوصف المباشر لمن يزاول هذا التحريم، ويقول على الله ما لا يعلم، ويزعم من ذلك ما يزعم. إنه يناديهم أن يأخذوا زينتهم من اللباس الذي أنزله الله عليهم. وهو الرياش. عند كل عبادة؛ ومنها الطواف الذي يزاولونه عرايا، ويحرمون اللباس الذي لم يحرمه الله، بل أنعم به على العباد. فأولى أن يعبدوه بطاعته فيما أنزل لهم، لا بخلعه ولا بالفحش الذي يزاولونه...
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
إعادة النّداء في صدر هذه الجملة للاهتمام، وتعريف المنادَى بطريق الإضافة بوصف كونهم بني آدم متابعة للخطاب المتقدّم في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً} [الأعراف: 26].
وهذه الجملة تتنزّل، من التي بَعدها، وهي قوله: {قل من حرم زينة الله} [الأعراف: 32] منزلة النّتيجة من الجدل، فقدمت على الجدل فصارت غرضاً بمنزلة دعوى وجعل الجدل حجّة على الدّعوى، وذلك طريق من طرق الإنشاء في ترتيب المعاني ونتائجها.
فالمقصد من قوله: {خذوا زينتكم} إبطال ما زعمه المشركون من لزوم التّعرّي في الحجّ في أحوال خاصّة، وعند مساجد معيّنة ...
فالأمر في قوله: {خذوا زينتكم} للوجوب، وفي قوله: {وكلوا واشربوا} للإباحة لبني آدم الماضين والحاضرين.
والمقصود من توجيه الأمر أو من حكايته إبطالُ التّحريم الذي جعله أهل الجاهليّة بأنهم نقضوا به ما تقرّر في أصل الفطرة ممّا أمر الله به بني آدم كلّهم، وامتن به عليهم، إذ خلق لهم ما في الأرض جميعاً. وهو شبيه بالأمر الوارد بعد الحَظر. فإنّ أصله إبطال التّحريم وهو الإباحة كقوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2] بعد قوله: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 1] وقد يعرض لما أبطل به التّحريم أن يكون واجباً. فقد ظهر من السّياق والسّباق في هذه الآيات أن كشف العورة من الفواحش، فلا جرم يكون اللّباس في الحجّ منه واجبٌ، وهو ما يستْر العورة، وما زاد على ذلك مباح مأذون فيه إبطالاً لتحريمه، وأمّا الأمر بالأكل والشّرب فهو للإباحة إبطالاً للتّحريم، وليس يجب على أحد أكل اللّحم والدّسم.
وقوله: {عند كل مسجد} تعميم أي لا تخصّوا بعض المساجد بالتّعري مثل المسجد الحرام ومسجد مِنَى، وقد تقدّم نظيره في قوله: {وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} [الأعراف: 29]. وقد ظهرت مناسبة عطف الأمر بالأكل والشّرب على الأمر بأخذ الزّينة ممّا مضى آنفاً.
والإسراف تقدّم عند قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافاً} في سورة النّساء (6)، وهو تجاوز الحدّ المتعارف في الشّيء أي: ولا تسرفوا في الأكل بكثرة أكل اللّحوم والدّسم لأنّ ذلك يعود بأضرار على البدن وتنشأ منه أمراض معضلة.
وقد قيل إنّ هذه الآية جمعت أصول حفظ الصّحة من جانب الغذاء فالنّهي عن السرف نهيُ إرشاد لا نهي تحريم بقرينة الإباحة اللاّحقة في قوله: {قل من حرم زينة الله} إلى قوله {والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32]، ولأنّ مقدار الإسراف لا ينضبط فلا يتعلّق به التّكليف، ولكن يوكل إلى تدبير النّاس مصالحهم، وهذا راجع إلى معنى القسط الواقع في قوله سابقاً: {قل أمر ربي بالقسط} [الأعراف: 29] فإن ترك السّرف من معنى العدل.
وقوله: {إنه لا يحب المسرفين} تذييل، وتقدّم القول في نظيره في سورة الأنعام.