تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

ثم وصف نفسه بأربع صفات انفرد بها ، فقال :

1 – { الذي له مُلكُ السمواتِ والأرض } : له السلطانُ القاهر عليهما ، وهو وحدَه المالك المتصرف في هذا الكون ، وله السيطرة المطلقة فيه .

2 – { ولم يتّخذ ولداً } : وهو منزَّه عن اتخاذ الولد ، والتناسلُ من نواميس الخلق لامتداد الحياة ، والله تعالى باقٍ لا يفنى ، قادر لا يحتاج .

3 – { ولم يكن له شريكٌ في المُلك } : والدليل على ذلك وَحدة هذا الكوْن ، ووحدة نظامه ووحدة التصريف ، ولو كان له شريكٌ لاختلّ النظام وتعدد .

4 – { وخلقَ كل شيء فقدّره تقديرا } : وهذه هي الصفةُ الرابعة التي انفرد بها سبحانه . فقد خلق كل شيء في هذا الوجود وقدَّره تقديراً دقيقا منظَّما بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام . وقد أثبت العلمُ الحديث أن كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وَفْقَ نظامٍ دقيق ثابت لا يقدِر عليه إلا خالق قدير مبدع . ويُظهر تقدُّمُ العلم للناس إعجاز القرآن الكريم ومعنى قوله تعالى { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

{ الذى لَهُ مُلْكُ السموات والارض } أي له سبحانه خاصة دون غيره لا استقلالاً ولا اشتراكاً السلطان القاهر والاستيلاء الباهر عليهما المستلزم للقدرة التامة والتصرف الكلي فيهما وفيما فيهما إيجاداً وإعاداً وإحياء وإماتة وأمراً ونهياً حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ، ومحل الموصول الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها أو على أنه نعت للموصول الأول أو بيان له أو بدل منه ، وما بينهما ليس بأجنبي لأنه من تمام الصلة ومتعلق بها فلا يضر الفصل به بين التابع والمتبوع كما في «البحر » أو محله الرفع أو النصب على المدح بتقدير هو أو أمدح .

واختار الطيبي أن محله الرفع على الإبدال وعلله بقوله لأن من حق الصلة أن تكون معلومة عند المخاطب وتلك الصلة لم تكن معلومة عند المعاندين فأبدل { الذى لَهُ } الخ بياناً وتفسيراً وهو بعيد من مثله وسبحان من لا يعاب عليه شيء { وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً } أي لم ينزل أحداً منزلة الولد ، وقيل أي لم يكن له ولد كما يزعم الذين يقولون في حق المسيح وعزير . والملائكة عليهم السلام ما يقولون فسبحان الله عما يصفون ، والجملة معطوفة على ما قبلها من الجملة الظرفية وكذا قوله تعالى : { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } أي ملك السموات والأرض ، وأفرد بالذكر مع أن ما ذكر من اختصاص ملكهما به تعالى مستلزم له قطعاً للتصريح ببطلان زعم الثنوية القائلين بتعدد الآلهة والرد في نحورهم وتوسيط نفي اتخاذ الولد بينهما للتنبيه على استقلاله وأصالته والاحتراز عن توهم كونه تتمة للأول { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } أي أحدثه إحداثاً جارياً على سنن التقدير والتسوية حسبما اقتضته إرادته المبنية على الحكم البالغة كخلقة الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة { فَقَدَّرَهُ } أي هيأه لما أرد به من الخصائص والأفعال اللائقة به { تَقْدِيراً } بديعاً لا يقادر قدره ولا يبلغ كنهه كتهيئة الإنسان للفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور المعاد والمعاش واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك فلا تكرار في الآية لما ظهر من أن التقدير الدال عليه الخلق بمعنى التسوية والمعبر عنه بلفظه بمعنى التهيئة وهما غيران والخلق على هذا على حقيقته ، ويجوز أن يكون الخلق مجازاً بل منقولاً عرفياً في معنى الأحداث والإيجاد غير ملاحظ فيه التقدير وإن لم يخل عنه ولهذا صح التجوز ويكون التصريح بالتقدير دلالة على أن كل واحد مقصود بالذات فكأنه قيل وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجد متفاوتاً بل أوجده متناصفاً متناسباً ، وقيل التقدير الثاني هو التقدير للبقاء إلى الأجل المسمى فكأنه قيل وأوجد كل شيء على سنن التقدير فأدامه إلى الأجل المسمى والقول الأول محتار الزجاج وهو كما في «الكشف » أظهر والفاء عليه للتعقيب مع الترتيب .

وزعم بعضهم أن في الكلام قلباً وهو على ما فيه لا يدفع لزوم التكرار بدون أحد الأوجه المذكورة كما لا يخفى ، وجملة { خُلِقَ } الخ عطف على ما تقدم وفيها رد على الثنوية القائلين بأن خالق الشر غير خالق الخير ولا يضر كونه معلوماً مما تقدم لأنها تفيد فائد جديدة لما فيها من الزيادة ، وقيل : هي رد على من يعتقد اعتقاد المعتزلة في أفعال الحيوانات الاختيارية . وفي «إرشاد العقل السليم » أنها جارية مجرى العليل لما قبلها من الجمل المنتظمة في سلك الصلة فإن خلقه تعالى لجميع الأشياء على النمط البديع كما يقتضي استقلاله تعالى باتصافه بصفات الألوهية يقتضي انتظام كل ما سواه كائناً ما كان تحت ملكوته القاهر بحيبث لا يشذ من ذلك ومن كان كذلك كيف يتوهم كونه ولداً له سبحانه أو شريكاً في ملكه عز وجل ، وذكر الطيبي أن قوله تعالى : { لَهُ مَلَكُوتَ السموات والارض } توطئة وتمهيد لقوله سبحانه : { لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } وأردف بقوله تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء } لما أن كونه سبحانه بديع السموات والأرض وفاطرهما ومالكهما مناف لاتخاذ الولد والشريك قال تعالى : { بَدِيعُ السموات والارض أنى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ } [ الأنعام : 101 ] الآية ، وقد يقال : إن هذه الجملة تصريح بما علم قبل ليكون التشنيع على المشركين

[ بم بقوله سبحانه :

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( 3 )