تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

زحزح عن النار : أُبعد عنها .

متاع الغرور : المتاع كل ما يُنتفع به ويتمتع به . الغرور : الخداع والغفلة وكل زخرف باطل .

بعد كل ما تقدم يتجه الخطاب إلى المسلمين ، يحدثهم عن القيم التي ينبغي لهم أن يحرصوا عليها ، ويضحّوا من أجلها . وهو يخبرهم أن هناك متاعب وآلاما ، فيجب أن يتجمّلوا بالصبر والتقوى . كما يذكّرهم بحقيقة مقررة ، وهي أن الحياة في هذه الأرض محددة بأجل موقوت ثم تأتي نهايتها ، فيموت الصالحون والطالحون ، المجاهدون والقاعدون ، الشجعان والجبناء ، العلماء والأنبياء . كل نفس ذائقة الموت لا محالة والبقاءُ للهِ وحده . . يومذاك يعطى العباد جزاء أعمالهم وافيا ، فمن خلَص من العذاب وأُبعد عن النار فقد فاز فوزاً عظيما .

روى الإمام أحمد ومسلم عن عبدا لله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله «من أحبّ أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة ، فلتدركْه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ، وليأت إلى الناس ما يحبّ أن يؤتى إليه » .

وما حياتنا هذه التي نتمتع بلذاتها ، من مأكل ومشرب أو جاه ومنصب وسيادة ، إلا متاع الغرور ، لأنها تخدع صاحبها وتشغله كل حين بجلْبِ لذاتها ورفع آلامها ومهما عاش الإنسان وجمع من مالٍ أو حصل على منصب ، فإنه مفارق هذا كله في نهاية الأمر . وما الحياة الدنيا إلا كما قال الشاعر :

« فما قضى أحد منها لُبانتَه *** ولا انتهى أربٌ إلا إلى أرب »

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ} (185)

{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } أي نازل بها لا محالة فكأنها ذائقته وهو وعد ووعيد للمصدق والمكذب وفيه تأكيد للتسلية له صلى الله عليه وسلم لأن تذكر الموت واستحضاره مما يزيل الهموم والأشجان الدنيوية . وفي الخبر «أكثروا ذكر هاذم اللذات فإنه ما ذكر في كثير إلا وقلله ولا في قليل إلا وكثره » وكذا العلم بأن وراء هذه الدار داراً أخرى يتميز فيها المحسن عن المسيء ويرى كل منهما جزاء عمله ، وهذه القضية الكلية لا يمكن إجراؤها على عمومها لظاهر قوله تعالى : { فَصَعِقَ مَن في * السموات * وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله } [ الزمر : 68 ] وإذا أريد بالنفس الذات كثرت المستثنيات جداً ، وهل تدخل الملائكة في هذا العموم ؟ قولان ، والجمهور على دخولهم . فعن ابن عباس أنه قال : لما نزل قوله تعالى : { كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ } [ الرحمن : 26 ] قالت الملائكة : مات أهل الأرض فلما نزل { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } قالت الملائكة : متنا ، ووقوع الموت للأنفس في هذه النشأة الحيوانية الجسمانية مما لا ريب فيه إلا أن الحكماء بنوا ذلك على أن هذه الحياة لا تحصل إلا بالرطوبة والحرارة الغريزيتين . ثم إن الحرارة تؤثر في تحليل الرطوبة ، فإذا قَلت الرطوبة ضعفت الحرارة ولا تزال هذه الحال مستمرة إلى أن تفنى الرطوبة الأصلية فتنطفئ الحرارة الغريزية ويحصل الموت ، ومن هنا قالوا : إن الأرواح المجردة لا تموت ولا يتصور موتها إذ لا حرارة هناك ولا رطوبة ، وقد ناقشهم المسلمون في ذلك والمدار عندهم على حرارة الكاف ورطوبة النون ، ولعلهم يفرقون بين موت وموت ، وقد استدل بالآية على أن المقتول ميت وعلى أن النفس باقية بعد البدن لأن الذائق لا بد أن يكون باقياً حال حصول المذوق فتدبر ، وقرأ اليزيدي { ذَائِقَةُ الموت } بالتنوين ونصب الموت على الأصل ؛ وقرأ الأعمش { ذَائِقَةُ الموت } بطرح التنوين مع النصب كما في قوله :

فألفيته غير مستعتب *** ولا ذاكراً لله إلا قليلاً

وعلى القراءات الثلاث { كُلُّ نَفْسٍ } مبتدأ وجاز ذلك وإن كان نكرة لما فيه من العموم ، و { ذَائِقَةُ } الخبر ، وأنث على معنى { كُلٌّ } لأن { كُلُّ نَفْسٍ } نفوس ولو ذكر في غير القرآن على لفظ { كُلٌّ } جاز .

{ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } أي تعطون أجزية أعمالكم وافية تامة { يَوْمُ القيامة } أي وقت قيامكم من القبور ، فالقيامة مصدر والوحدة لقيامهم دفعة واحدة ، وفي لفظ التوفية إشارة إلى أن بعض أجورهم من خير أو شر تصل إليهم قبل ذلك اليوم ، ويؤيده ما أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري والطبراني في «الأوسط » عن أبي هريرة مرفوعاً " القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران "

، وقيل : النكتة في ذلك أنه قد يقع الجزاء ببعض الأعمال في الدنيا ، ولعل من ينكر عذاب القبر تتعين عنده هذه النكتة .

{ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } أي بعد يومئذٍ عن نار جهنم ، وأصل الزحزحة تكرير الزح ، وهو الجذب بعجلة ، وقد أريد هنا المعنى اللازم { وَأُدْخِلَ الجنة فَقَدْ فَازَ } أي سعد ونجا قاله ابن عباس ، وأصل الفوز الظفر بالبغية ، وبعض الناس قدر له هنا متعلقاً أي فاز بالنجاة ونيل المراد ، ويحتمل أنه حذف للعموم أي بكل ما يريد ، وفي الخبر «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية » وأخرج أحمد ومسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتدركه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر ويأتي إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه » وذكر دخول الجنة بعد البعد عن النار لأنه لا يلزم من البعد عنها دخول الجنة كما هو ظاهر .

{ وَمَا الحياة الدنيا } أي لذاتها وشهواتها وزينتها { إِلاَّ متاع الغرور } المتاع ما يتمتع به وينتفع/ به مما يباع ويشترى وقد شبهها سبحانه بذلك المتاع الذي يدلس به على المستام ويغر حتى يشتريه إشارة إلى غاية رداءتها عند من أمعن النظر فيها :

إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت *** له عن عدو في ثياب صديق

وعن قتادة هي متاع متروك أوشكت والله أن تضمحل عن أهلها فخذوا من هذا المتاع طاعة الله تعالى إن استطعتم ولا قوة إلا بالله ، وعن علي كرم الله تعالى وجهه هي لين مسها قاتل سمها ، وقيل : الدنيا ظاهرها مظنة السرور وباطنها مطية الشرور ، وذكر بعضهم أن هذا التشبيه بالنسبة لمن آثرها على الآخرة ، وأما من طلب بها الآخرة فهي له متاع بلاغ ، وفي الخبر «نعم المال الصالح للرجل الصالح » ، والغرور مصدر أو جمع غار .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموت } حكم شامل لجميع الأنفس مجردة كانت أو بسيطة بحمل الموت على ما يشمل الموت الطبيعي والفناء في الله سبحانه وتعالى { ثُمَّ تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ } على اختلافها يوم القيامة { فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النار } أي نار الحجاب أو ما يعمها والنار المعروفة { وَأُدْخِلَ الجنة } المتنوعة إلى ما قدمناه غير مرة ، أو الجنة بالمعنى الأعم { فَقَدْ فَازَ وَما الحياة الدنيا } ولذاتها الفانية { إِلاَّ متاع الغرور } [ آل عمران : 185 ] لأنها الحجاب الأعظم لمن نظر إليها من حيث هي .