تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

الفلق : الشق .

الحب : الحنطة ، وكل أنواع الحبوب .

النوى : واحدها نواة وهي بزرة التمرة والزبيبة .

تؤفكون : تضلون ، تصرفون .

بعد أن أثبت الله سبحانه أمر التوحيد وثبّته ، ثم أردف أمر النبوة والبعث ، وردّ على منكري الوحي ، وأوعدهم يوم الجزاء شراً ، جاء هنا ليطلع الناس على آياته العظمى في هذا الكون العجيب .

إن دلائل قدرة الله على البعث ، واستحقاقه وحده للعبادة ، متوافرة متنوعة . فهو وحده الذي يشق الحب ويخرج منه النبات ، ويشق النوى ويخرج منه الشجر . إنه هو الذي يخرج الحي من الميت ، كالإنسان من التراب ، والميتَ من الحي ، كاللبن من الحيوان .

ولقد اقترنت ( فالقُ الحب والنوى ) بآية ( فالق الإصباح ) وهي تدل على وجود الضوء والظلام ، وإن الضوء مرتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو النبات والأشجار . ذلك أن الحب والنوى بعد أن تُفلق نباتاً إنما تحتاج إلى غذاء . . . وهذا الغذاء يتكون من عناصر الأرض الخِصبة ، ومن ضوء الشمس ، فجذور النبات تتغذى من الأرض ، وأغصانه وأوراقه تتغذى من حرارة الشمس التي يؤذن بها الصباح .

وهذه من قدرة الله وحده ، فلا يقدر إلا الله أن يجهّز الكائن الحي بالقدرة على إحالة الذرات الميتة إلى خلايا حية ، أو تحويل الخلايا الحية مرة أخرى إلى ذرات ميتة .

يقول الدكتور ايرفنج وليام في مقال عنوانه : المادية وحدها لا تكفي ، في كتاب «الله يتجلى في عصر العلم » .

«إن العلوم لا تستطيع أن تفسر لنا كيف نشأت تلك الدقائق الصغيرة المتناهية في صغرها والتي تتكون منها جميع المواد . كما لا تستطيع أن تفسر لنا ، بالاعتماد على فكرة المصادفة وحدها ، كيف تتجمع هذه الدقائق الصغيرة لكي تكوّن الحياة . ولا شك أن النظرية التي تدّعي أن جميع صور الحياة الراقية قد وصلت إلى حالتها الراهنة من الرقي ، بسبب حدوث بعض الطفرات العشوائية والتجمعات والهجائن ، نظريةٌ لا يمكن الأخذ بها إلا عن طريق التسليم فهي لا تقوم على أساس من المنطق والإقناع » .

ويقول الدكتور البرت ماكوب ونشستر ، المتخصص في علم الأحياء ، في مقال : العلوم تدعم إيماني بالله ، من كتاب «الله يتجلى في عصر العلم » .

«لقد اشتغلت بدراسة علم الأحياء ، وهو من الميادين العلمية الفسيحة التي تهتم بدارسة الحياة ، وليس بين مخلوقات الله أروع من الأحياء التي تسكن هذا الكون .

انظر إلى نبات برسيم ضئيل ، وقد نما على أحد جوانب الطريق . هل تستطيع أن تجد له نظيراً في روعته بين جميع ما صنعه الإنسان من تلك العدد والآلات الرائعة ؟ إنه آلة حيّة تقوم بصورة دائبة لا تنقطع آناء الليل وأطراف النهار ، بآلاف من التفاعلات الكيماوية والطبيعية . ويتم كل ذلك تحت سيطرة البروتوبلازم ، وهي المادة التي تدخل في تركيب الكائنات الحية .

فمن أين جاءت هذه الآلةُ المعقدة ؟ إن الله لم يصنعها هكذا وحدها ، ولكنه خلَق الحياة ، وجعلها قادرة على صيانة نفسها ، وعلى الاستمرار من جيل إلى جيل ، مع الاحتفاظ بكل الخواص والمميزات التي تعيننا على التمييز بين نبات وآخر . إن دراسة التكاثر في الأحياء تعتبر أروع دراسات علم الأحياء ، وأكثرها إظهارا لقدرة الله . إن الخلية التناسلية التي ينتج عنها النبات الجديد ، تبلغ من الصغر درجة كبرى بحيث يصعب مشاهدتها إلا باستخدام المجهر . ومن العجيب أن كل صفة من صفات النبات ، كل عرق ، وكل شُعَيْرة ، وكل فرع على ساق ، وكل جذر أو ورقة- يتم تكوينها تحت إشراف مهندسين قد بلغوا من دقة الحجم مبلغا كبيرا ، فاستطاعوا العيش داخل الخلية التي نشأ منها النبات ! ! تلك الفئة من المهندسين هي فئة الكروموسومات ( ناقلات الوراثة ) . وكل ذلك يتم بإذن الله الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، وبقدر الله الذي تتم به كل حركة في الوجود كله » .

{ ذلكم الله } ربُّكم مبدعُ المعجزة المتكررة ذات السر العجيب . { فأنى تُؤْفَكُونَ } ؟ فكيف تُصرفون عن هذا الحق الواضح للعقول والعيون ! كيف تشركون به من لا يقدر على شيء من ذلك ! ؟ .

ويجيء ذكر معجزة انبثاق الحياة من الموت كثيرا في القرآن الكريم كما يجيء ذكر خلق الكون ابتداءً ، في معرض التوجيه إلى حقيقة الألوهية ، وآثارها الدالة على وحدة الخالق وقدرته . ويهدف ذلك إلى تقويم تصور البشر بإعطائهم العقيدة الصحيحة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ} (95)

قوله تعالى : { إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون ( 95 ) فالق الإصباح وجاعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ( 96 ) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون } .

يبين الله في هذه الآيات بعضا من عجائب صنعه في الحياة والخلق . بما يكشف للأذهان والعيان عن العظمة المطلقة للخالق ، والقدرة البالغة لجلاله سبحانه وأنه الإله المربوب الذي ذرأ كل شيء وقدره تقديرا . فما يكون من صغير ولا كبير ، ولا دقيق ولا جليل ، ولا يسير ولا عسير إلا هو من صنع الله وإتقانه . وهذه شواهد نزرة من شواهد عظام على صدق الكتاب الحكيم وعلى أن الله وحده له الإلهية العظمى بعيدا عن الشرك والشركاء . وما الأنداد والأصنام والأرباب المصطنعة بعد ذلك إلا الأباطيل المفتراة التي تراود أوهام التائهين التعساء فتمس حلومهم وفهومهم الواهية المريضة مسا .

قوله : { إن الله فالق الحب والنوى } فالق ، من الفلق بسكون اللام وهو الشق . والحب معروف ومنه حبة الحنطة والشعيرة والذرة ، وسائر أنواع الحبوب . وأما النوى فهو جمع نواة وهي العجمة . وهو يجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ والتمر{[1222]} .

والمقصود أن الحبة الميتة اليابسة بعد أن توارى الثرى وتمس الرطوبة تتشقق . ومن شقها يخرج النبات والزرع وهو محمول على سوقه وتعلوه السنابل المحفلة بالحبوب على أصناف شتى . وكذلك النواة اليابسة الميتة تتشقق فيبرغ منها الشجر بوقه الأخضر الوارف ، وظله الرخي الظليل ، وثمره اليانع المستطاب . لا جرم أن ذلك يدل على قدرة الإله الصانع المربوب . وهو يشير كذلك إلى قدرة الله المطلقة في الإحياء . فقال سبحانه : { يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي } في تأويل إخراج الحي من الميت والميت من الحي ، نختار حمل اللفظين ( الحي والميت ) على الوجه المجازي . فنقول إخراج الحي من الميت معناه إخراج النبات الغض الطري الأخضر من الحب اليابس . وإخراج اليابس من النبات الحي النامي ، أو هو إخراج السنبل الحي من الميت ، وإخراج الحب الميت من السنبل الحي والشجر الحي من النوى الميت ، والنوى من الشجر الحي . والشجر ما دام قائما على أصوله لم يجف والنبات على ساقه لم ييبس فإن العرب تسميه حيا فإذا يبس وجف أو قطع من أصله سموه ميتا .

وقال ابن عباس في تأويل ذلك : إن الله يخرج المؤمن من الكافر ، كما في حق إبراهيم ، والكافر من المؤمن ، كما في حق ولد نوح ، والعاصي من المطيع ، وبالعكس{[1223]} .

وقيل : يخرج العالم من الجاهل وبالعكس . وذلك أن العلم حياة ونور . وهو ضياء يستنير به الإنسان في حياته فيمضي مهتديا غير متعثر . أما الجهل فإنه الضلال والاضطراب والأرجحة بما يفضي بالضرورة إلى التعثر والزلل والهلاك ، وما الجاهلون إلا اشباها لأناسي يمرون بلا حساب أو أشباحا تائهة تروح وتجيء من غير وعي ولا تدبر ولا بصيرة . وكأنما هم صور بلهاء لموتى لا ينبسن ولا يريمون{[1224]} .

أما قوله : { يخرج الحي } ثم قوله بعدها : { ومخرج الميت } فقد عطف الاسم على الفعل ، فسببه أن قوله : { ومخرج الميت من الحي } معطوف على قوله : { فالق الحب والنوى } فقد عطف الاسم على الاسم . أما قوله : { يخرج الحي من الميت } فهو كالبيان والتفسير لقوله : { فالق الحب والنوى } وهو قول الزمخشري والرازي .

قوله : { ذلكم الله } مبتدأ وخبره . أي صانع كل هذه الأعاجيب وبارئ كل هذه الخلائق على اختلاف أنواعها وكثرة عجائبها هو الله وحده الواجب الوجود المستحق للعبادة .

قوله : { فأنى تؤفكون } تؤفكون من الأفك بفتح الهمز مصدر أفك بالفتح . أي قلب وصرف عن الشيء والمؤتفكات المدن التي قلبها الله تعالى على قوم لوط .

وقوله : { أجئتنا لتأفكنا } أي لتصرفنا{[1225]} والمعنى : فكيف تصرفون عن عبادة الله وحده وقد علمتم وعاينتم الشواهد على قدرته البالغة وأنه الصانع لكل شيء ؟ !


[1222]:- المصباح المنير ج 2 ص 304.
[1223]:- تفسير الرازي ج 13 ص 95- 97 وتفسير الطبري ج 7 ص 186- 188.
[1224]:- يريمون، من الفعل رام يريم. أي برح يبرح. يقال: لا رمت، أي لا برحت. وهو دعاء بالإقامة. أي لا زلت مقيما. انظر مختار الصحاح ص 266.
[1225]:- مختار الصحاح ص 19.