ثم وصف نفسه بأربع صفات انفرد بها ، فقال :
1 – { الذي له مُلكُ السمواتِ والأرض } : له السلطانُ القاهر عليهما ، وهو وحدَه المالك المتصرف في هذا الكون ، وله السيطرة المطلقة فيه .
2 – { ولم يتّخذ ولداً } : وهو منزَّه عن اتخاذ الولد ، والتناسلُ من نواميس الخلق لامتداد الحياة ، والله تعالى باقٍ لا يفنى ، قادر لا يحتاج .
3 – { ولم يكن له شريكٌ في المُلك } : والدليل على ذلك وَحدة هذا الكوْن ، ووحدة نظامه ووحدة التصريف ، ولو كان له شريكٌ لاختلّ النظام وتعدد .
4 – { وخلقَ كل شيء فقدّره تقديرا } : وهذه هي الصفةُ الرابعة التي انفرد بها سبحانه . فقد خلق كل شيء في هذا الوجود وقدَّره تقديراً دقيقا منظَّما بنواميس تكفل له أداء مهمته بنظام . وقد أثبت العلمُ الحديث أن كل الموجودات تسير بحكم تكوينها وما يجري عليها من تطورات مختلفة وَفْقَ نظامٍ دقيق ثابت لا يقدِر عليه إلا خالق قدير مبدع . ويُظهر تقدُّمُ العلم للناس إعجاز القرآن الكريم ومعنى قوله تعالى { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً } .
ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه ، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال ، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب ، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد ، فقال : { الذي له } أي وحده { ملك السماوات والأرض } فلا إنكار لأن يرسل رسولاً إلى كل من فيهما { ولم يتخذ ولداً } ليتكبر على رسوله { ولم يكن له شريك في الملك } ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها ، فيكون بعض الخلق خارجاً عن رسالته ، أو مراعياً لأمر غير أمره .
ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه ، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جماداً ولا أعلى من الحيوان ، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيواناً ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالاً على أنه مخلوق مربوب ، قال تعالى : { وخلق } أي أحدث إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية { كل شيء } أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره .
ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك ، قال شارحاً ومحققاً لمعنى " خلق " : { فقدره } في إيجاده من غير تفاوت { تقديراً* } أي لا يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه .
قوله : ( الذي له ملك السماوات والأرض ) ( الذي ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف ، تقديره : هو الذي . أو على أنه بدل من قوله : ( الذي نزل ) وذلك بيان من الله لا ريب فيه بأن كل شيء في الكون مملوك لله سبحانه ؛ فهو وحده مالك كل شيء . وهو المنزه عن اتخاذ الولد أو الصاحبة ؛ فليس له في ملكه شريك ولا نديد وهو قوله : ( ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ) .
قوله : ( وخلق كل شيء فقدره تقديرا ) الله خالق كل شيء ومحدثه : فما من شيء سوى الله إلا هو مخلوق لله ومربوب له ( فقدره تقديرا ) أي هيأه لما يصلح له دون خلل فيه أو اضطراب ، كخلق الإنسان على هيئته هذه التي نراها . هيئته الوافية المنسجمة المتكاملة لتناط به التكاليف والمصالح في الدين والدنيا{[3299]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.