هنا يبين أقسام المحرَّمات ، بدأ بالأُمهات ، وكذلك يقاس عليهن الجدّات . وهن الأصول . ثم البنات ، وهن الفروع . والمراد بهنّ ما يشمل بنات أصلابنا أو بنات أولادنا ممن كنا سبباً في ولادتهن . ثم الحواشي القريبة ، الأخوات الشقيقات والأخوات لأب ولأم . ثم الحواشي البعيدة من جهة الأب والأم ، وهن العمات والخالات . ثم الحواشي البعيدة من جهة الإخوة ، بنات الأخ وبنات الأخت .
ثم يأتي القسم الثاني ، وهو ما حُرم من جهة الرضاعة . وهذا النوع من خصائص الإسلام ، فلا يوجد مثله في شريعة أخرى من الشرائع . وهنّ الأمهات اللاتي أرضعنكم ، وأخواتكم من الرضاعة . وعند مالك وأبي حنيفة يحرم قليل الرضاعة وكثيرها ، وحدد بعضُهم الرضاعة بثلاث رضعات فأكثر . ومذهب الشافعي وأحمد خمسُ رضعات مشبعات . وعند الإمامية خمس عشرة رضعة ، وبعضهم يقول عشر رضعات ، ويشترط أن يكون وقت الرضاعة في مدة الرضاعة ، يعني في سن الحولَين .
وأخيرا يأتي القسم الثالث ، وهو محرّمات المصاهرة التي تعرض بسبب الزواج . وهي أربعة أنواع : أمهات نسائكم ، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ، فإن عقد عقده على امرأة ولم يدخل بها لا تحرم عليه بناتها . وزوجات أولادكم وأولادِهم . وحرم عليكم الجمع بين الأُختين ، وبين المرأة وعمتها وخالتها ، والضابط بذلك أنه يحرم الجمع بين كل امرأتين بينهما قرابة بحيث لو كانت إحداهما ذكراً لحرم عليه بتلك القرابة نكاح الأخرى .
أما ما قد مضى في الجاهلية فإن الله لا يؤاخذكم عليه إن الله كان غفورا رحيما .
ولما ابتدأ بتعظيم الآباء واحترامهم في أن ينكح الأبناء أزواجهم{[20895]} على العموم ثنى بخصوص الأم بقوله : { حرمت عليكم } ولما كان أعظم مقصود من النساء النكاح ، فكان إضافة التحريم إلى أعيانهن إفادة التأكيد غير قادح في فهمه ، وكان مع ذلك قد تقدم ما يدل على أن المراد النكاح ؛ أسند{[20896]} التحريم إلى الذات تأكيداً للتحريم فقال : { أمهاتكم } أي التمتع بهن بنكاح أو{[20897]} ملك يمين ، فكان تحريمها مذكوراً مرتين تأكيداً له وتغليظاً{[20898]} لأمره في نفسه واحتراماً للأب وتعظيماً لقدره { وبناتكم } أي وإن سفلن{[20899]} لما في ذلك من ضرار{[20900]} أمهاتهن ، وهذان الصنفان لم يحللن في دين من الأديان { وأخواتكم } أي أشقاء أو لا { وعمّاتكم } كذلك { وخالاتكم } أيضاً ، والضابط لهما{[20901]} أن كل ذكر رجع نسبك إليه فأخته عمتك ، وقد تكون من جهة الأم وهي أخت أبي أمك ؛ وكل أنثى رجع نسبك إليها بالولادة فأختها خالتك ، وقد تكون{[20902]} الخالة من جهة الأب وهي أخت أم أبيك { وبنات الأخ } شقيقاً كان أو لا { وبنات الأخت } أي كذلك{[20903]} ، وفروعهن وإن سفلن .
ولما انقضى أمر النسب وهو سبعة أصناف أتبعه أمر السبب وهو ثمانية : أوله أزواج الآباء ، أفردها وقدمها تعظيماً لحرمتها ، لما كانوا استهانوا من ذلك ، وآخره المحصنات ، وبدأ من هذا القسم بالأم من الرضاع كما بدأ النسب بالأم فقال : { وأمهاتكم اللاَّتي أرضعنكم } تنزيلاً له منزلة النسب ، ولذلك سماها أمّاً ، فكل أنثى انتسب{[20904]} باللبن إليها فهي أمك ، وهي من أرضعتك ، أو أرضعت امرأة أرضعتك ، أو رجلاً أرضعك بلبانه من زوجته أو أم ولده ، وكل امرأة ولدت امرأة أرضعتك أو رجلاً أرضعك{[20905]} فهي أمك من الرضاعة والمراضعة{[20906]} أختك ، وزوج المرضعة الذي أرضعت هي بلبانه أبوك وأبواه جداك ، وأخته {[20907]}عمتك ، وكل ولد{[20908]} ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده إخوة الأب ، وأم المرضعة جدتك ، وأختها خالتك ، وكل من ولد لها من هذا الزوج إخوة لأب{[20909]} وأم ، و{[20910]}من ولد لها من غيره فهم إخوته وأخواته لأم ، فعلى ذلك ينزل قوله : { وأخواتكم من الرضاعة } كما في النسب بشرط أن{[20911]} يكون خمس رضعات وفي الحولين ، وبتسمية{[20912]} المرضعة أمّاً والمشاركة في الرضاع{[20913]} أختاً عُلِم أن الرضاع كالنسب . كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " فالصورتان منبهتان{[20914]} على بقية{[20915]} السبع ؛ الأم منبهة{[20916]} على البنت بجامع الولادة ، والأخوات على العمات والخالات وبنات الأخ{[20917]} وبنات الأخت بجامع الأخوة .
ولما انقضى ما هو كلحمة النسب أتبعه أمر بالمصاهرة فقال : { وأمهات نسائكم } أي دخلتم بهن أو لا - لما في ذلك من إفساد ذات البين غالباً { وربائبكم } وذكر سبب الحرمة فقال : { اللاَّتي في حجوركم } أي بالفعل أو{[20918]} بالقوة - لما فيهن من شبه{[20919]} الأولاد { من نسائكم } ولما كانت الإضافة تسوغ في اللغة بأدنى ملابسة بين سبحانه أنه لا بد من الجماع الذي كنى عنه بالدخول لأنه ممكن لحكم الأزواج{[20920]} الذي يصير به أولادها كأولاده فقال : { اللاَّتي دخلتم بهن } قيد بالدخول لأن غيرة الأم من ابنتها دون غيرة البنت من أمها .
ولما أشعر هذا القيد بحل بنت من عقد عليها ولم يدخل بها أفصح به تنبيهاً على عظيم حرمة الإرضاع فقال : { فإن لم تكونوا دخلتم بهن } أي الأمهات { فلا جناح عليكم } أي في نكاحهن ؛ ولما افتتح المحرمات على التأبيد بزوجة الأب ختمها بزوجة الولد فقال : { وحلائل أبنائكم } أي زوجة كانت أو موطوءة بملك يمين ؛ ولما لم يكن المتبنى{[20921]} مراداً قيد بقوله : { الذين من أصلابكم } أي وإن سفلوا ، و{[20922]}دخل ما{[20923]} بالرضاع لأنه كلحمة{[20924]} النسب فلم يخرجه القيد .
ولما انقضى التحريم المؤبد أتبعه الموقت فقال : { وأن } أي وحرم عليكم أن { تجمعوا } بعقد{[20925]} نكاح لأن مقصوده الوطء ، أو بوطء في ملك يمين { بين الأختين{[20926]} } فإن كانت إحداهما{[20927]} منكوحة والأخرى{[20928]} مملوكة حلت المنكوحة وحرمت المملوكة ما دام الحل ، لأن النكاح أقوى ، فإذا زال الحل حلت الأخرة و{[20929]}لو في{[20930]} عدة التي كانت حلالاً .
ولما كان الجمع بين الأختين شرعاً قديماً قال : { إلا ما قد سلف } أي فإنه لا إثم عليكم فيه رحمة من الله لكم ، ثم علل رفع حرجه فقال : { إن الله } أي المحيط بصفات الكمال { كان غفوراً } أي ساتراً لما يريد من أعيان الزلل وآثاره { رحيماً * } أي معاملاً بغاية الإكرام الذي ترضاه الإلهية .