وخلق الله من الإبل زوجين ، ومن البقر زوجين ، قل لهم يا محمد منكراً عليهم : ما علة التحريم لما حرمتم من هذه الأزواج كما تزعمون ؟ أهي كونها ذكورا ؟ ليس كذلك ، لأنكم تحلون الذكور أحيانا أم هي كونها إناثا ؟ ليس كذلك ، لأنكم تحلون الإناث أحيانا . أم هي التي في بطونا ؟ ليس كذلك أيضاً ، لأنكم لا تحَرمون الأجنة على الدوام . وتزعمون أن هذا التحريم من عند الله .
{ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ الله بهذا } .
أكنتم حاضرين حين وجّه الله إليكم هذا التحريمَ فسمعتم نهيه ؟ لم يكن ذلك قطعا ، فانتهوا عما أنتم فيه . إنه ظلم ، وليس هناك أظلم ممّن كذّب على الله فنسب إليه ما لم يصدر عنه .
{ لِيُضِلَّ الناس بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
إن مثل هذا الأفّاك إنما يريد إضلال الناس من غير علم يستند عليه .
{ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين } .
إن الله لا يوفق للرشاد من افترى عليه الكذب ، وقال عليه الزور والبهتان .
ولما فصل الغنم إلى ضان ومعز ، أغنى ذلك عن تنويع الإبل إلى العراب والبخت والبقر إلى العراب والجواميس ، {[31444]}- ولأن هذه يتناتج بعضها من بعض بخلاف الغنم فإنها لا يطرق أحد نوعيها الآخر - نقله الشيخ بدر الدين الزركشي في كتاب الوصايا من شرح المنهاج عن كتاب الأعداد لابن سراقة{[31445]} فقال : { ومن الإبل اثنين } أي{[31446]} ذكراً وأنثى { ومن البقر اثنين } أي كذلك { قل } أي لهؤلاء{[31447]} الذين اختلقوا جهلاً وسفهاً ما تقدم عنهم { ءآلذكرين } أي من هذين النوعين { حرم } أي حرمهما الله { أم الأنثيين }{[31448]} أي حرمهما{[31449]} { أما } أي الذي { اشتملت عليه } أي ذلك المحرم على زعمكم { أرحام الأنثيين } أي حرمهما الله .
ولما كان التقدير : أجاءكم هذا عن الله الذي لا حكم لغيره على لسان نبي ؟ عادله توبيخاً لهم وإنكاراً عليهم بقوله : { أم كنتم شهدآء } أي حاضرين { إذ وصاكم الله } أي الذي لا ملك غيره فلا حكم لسواه { بهذا } أي كما جزمتم عليه به ، أو{[31450]} جزمتم بالحرمة فيما حرمتموه والحل فيما أحللتموه ، ولا محرم ولا محلل غير الله ، فكنتم بذلك ناسبين الحكم إليه ؛ ولما كان التقدير كما أنتجه السياق : لقد كذبتم على الله حيث نسبتم إليه ما لم تأخذوه عنه لا بواسطة ولا بغير واسطة ، سبب عنه قوله معمماً ليعلم{[31451]} أن{[31452]} هذا إذا كان في التحريم والتحليل كان الكذب في أصول الدين أشد : { فمن أظلم } ووضع موضع " منكم " قوله معمماً و{[31453]} معلقاً للحكم بالوصف : { ممن افترى } أي تعمد { على الله } أي الذي لا أعظم منه لأنه ملك الملوك{[31454]} { كذباً } كعمرو بن لحي الذي غير شريعة إبراهيم عليه السلام ، وكل من فعل مثل{[31455]} فعله .
ولما كان يلزم من شرعهم لهذه الأمور إضلال من تبعهم فيها عن الصراط السوي ، وكانوا يدعون أنهم أفطن الناس وأعرفهم بدقائق الأمور في بداياتها ونهاياتها وما يلزم عنها ، جعل غاية فعلهم مقصوداً لهم تهكماً بهم فقال : { ليضل الناس } ولما كان الضلال قد يقع من العالم الهادي خطأ ، قال : { بغير علم } .
ولما كان هذا محل عجب ممن يفعل هذا ، كشفه سبحانه بقوله استئنافاً : { إن الله } وهو الذي لا حكم لأحد سواه لا يهديهم ، هكذا كان الأصل ولكنه أظهر تعميماً بما هو أعم من وصفهم ليكون الحكم عليهم بطريق الأولى فقال : { لا يهدي القوم الظالمين } أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها فكيف بالأظلمين ! وما أحسن هذا الختم لأحكامهم وأنسبه{[31456]} لما بناها عليه من قوله{ إنه لا يفلح الظالمون }[ الأنعام : 21 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.