رجما بالغيب : القول بدون علم .
لما ذكر الله القصة ونزاعَ المتخاصمين فيما بينهم ، شرع يقصّ علينا ما دار في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الخلاف في عدد أصحاب الكهف . سيقولُ فريق من الخائضين في قِصتّهم من أهل الكتاب : هم ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ، ويقول آخرون : هم خمسة سادسهم كلبهم ، ظناً بدون يقين ، ويقول آخرون : هم سبعة وثامنهم كلبهم . قل يا محمد لهؤلاء المختلفين : ربي أعلمُ بعددهم ، ولا يعلم حقيقته إلا قليل من الناس أطلعَهم الله عليه ، فلا تجادلْ في شأن الفتية إلا جَدَلاً سهلاً لينا ، ولا تستفتِ في شأنهم أحدا ، فقد جاءك الحق الذي لا مرية فيه .
{ سيقولون } الضمير لمن كان في زمان النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود أو غيرهم ممن تكلم في أصحاب الكهف { رجما بالغيب } أي : ظنا وهو مستعار من الرجم بمعنى : الرمي .
{ سبعة وثامنهم كلبهم } قال قوم : إن الواو واو الثمانية لدخولها هنا وفي قوله : { سبع ليال وثمانية أيام } [ الحاقة : 7 ] ، وفي قوله : في أهل الجنة { وفتحت أبوابها } [ الزمر : 73 ] وفي قوله : في براءة { والناهون عن المنكر } [ التوبة : 112 ] وقال البصريون : لا تثبت واو الثمانية وإنما الواو هنا كقوله : جاء زيد وفي يده سيف قال الزمخشري : وفائدتها التوكيد ، والدلالة على أن الذين قالوا سبعة وثامنهم كلبهم صدقوا وأخبروا بحق ، بخلاف الذين قالوا ثلاثة ورابعهم كلبهم . والذين قالوا خمسة وسادسهم كلبهم ، وقال ابن عطية : دخلت الواو في آخر إخبار عن عددهم لتدل على أن هذا نهاية ما قيل : ولو سقطت لصح الكلام ، وكذلك دخلت السين في قوله : { سيقولون } الأول ، ولم تدخل في الثاني والثالث استغناء بدخولها في الأول .
{ ما يعلمهم إلا قليل } أي : لا يعلم عدتهم إلا قليل من الناس ، وهم من أهل الكتاب ، قال ابن عباس : أنا من ذلك القليل ، وكانوا سبعة وثامنهم كلبهم ، لأنه قال : في الثلاثة والخمسة رجما بالغيب ، ولم يقل ذلك في سبعة وثامنهم كلبهم .
{ فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا } لا تمار : من المراء وهو الجدال والمخالفة والاحتجاج ، والمعنى لا تمار أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف إلا مراء ظاهرا أي : غير متعمق فيه من غير مبالغة ولا تعنيف في الرد عليهم .
{ ولا تستفت فيهم منهم أحدا } أي : لا تسأل أحدا من أهل الكتاب عن أصحاب الكهف ، لأن الله قد أوحى إليك في شأنهم ما يغنيك عن السؤال .
ولما ذكر تعالى تنازع أولئك الذين هداهم الله{[45965]} بهم ، ذكر{[45966]} ما يأتي من{[45967]} إفاضة من علم قريشاً أن تسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم في{[45968]} الفضول الذي ليس لهم إليه سبيل ، ولا يظفرون فيه بدليل{[45969]} {[45970]}علماً من أعلام النبوة{[45971]} فقال تعالى : { سيقولون }{[45972]} أي أهل الكتاب ومن وافقهم في الخوض في ذلك بعد اعترافهم بما قصصت عليك من نبأهم {[45973]}بوعد لا خلف فيه{[45974]} : هم { ثلاثة } أشخاص { رابعهم كلبهم } ولا علم لهم بذلك ، {[45975]}ولذلك أعراه عن الواو فدل إسقاطها على أنهم ليسوا ثلاثة وليس الكلب رابعاً{[45976]} { ويقولون } أي وسيقولون أيضاً : { خمسة سادسهم كلبهم } .
ولما تغير قولهم حسن جداً قوله تعالى : { رجماً بالغيب } أي رمياً{[45977]} بالأمر الغائب{[45978]} عنهم الذي لا اطلاع لهم عليه بوجه { ويقولون } أيضاً دليلاً على أنه لا علم لهم بذلك : { سبعة وثامنهم كلبهم } وتأخير هذا عن الرجم - وإن كان ظناً{[45979]} - مشعر بأنه حق{[45980]} ، ويؤيده {[45981]}هذه الواو التي تدخل{[45982]} على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل الواو حالاً عن المعرفة في نحو
{ إلا ولها كتاب معلوم{[45983]} }[ الحجر : 4 ] فإن فائدتها{[45984]} توكيد لصوق الصفة بالموصوف ، والدلالة على أن اتصاف الموصوف بالصفة أمر ثابت مستقر ، فدلت هذه الواو على أن أهل هذا القول قالوه عن ثبات علم وطمأنينة نفس ، ولم يرجموا{[45985]} بالظن ، وفي براءة ، كلام نفيس عن{[45986]} اتباع الوصف تارة بواو وتارة مجرداً عنها . فلما ظهر كالشمس أنه لا علم لهم{[45987]} بذلك كان كأنه قيل{[45988]} : ماذا يقال لهم ؟ فقيل : { قل ربي } {[45989]}أي المحسن إليّ بإعلامي بأمرهم وغيره{[45990]} { أعلم بعدتهم } أي{[45991]} التي لا زيادة فيها ولا نقص ، فكان كأنه قيل : قد فهم من صيغة " أعلم " أن{[45992]} من الخلق من يعلم أمرهم فقيل : { ما يعلمهم إلا قليل * } أي{[45993]} من الخلق {[45994]}وهو مؤيد لأنهم أصحاب القول الغالب ، وهو ، قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وكان يقول : أنا من ذلك القليل{[45995]} . { فلا } أي فتسبب عن ذلك أن يقول لك على سبيل البت الداخل تحت النهي عن قفو ما ليس لك به علم : لا { تمار } {[45996]}أي تجادل وتراجع{[45997]} { فيهم } أحداً ممن يتكلم بغير ما أخبرتك به { إلا مرآء ظاهراً } أدلته ، {[45998]}وهو ما أوحيت إليك به{[45999]} ولا تفعل فعلهم من الرجم بالغيب { ولا تستفت } {[46000]}أي تسأل سؤال مستفيد{[46001]} { فيهم } أي أهل الكهف { منهم } أي من الذين يدعون العلم من بني إسرائيل أو غيرهم { أحداً * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.