تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

السحر : ما لطف مأخذه وخفي سببه .

سحره : خدعه ، ويقال أحيانا للشيء المعجب أو الحديث اللطيف . وقد جاء في الحديث «إن من البيان لسحرا » .

وماذا عملوا بعد ذلك ! لقد آثروا السِّحر ، واتبعوا ما يقصُّه الشياطين عن عهد سليمان . وما يضللون به الناس من دعاوى مكذوبة ، كزعمهم أن سليمان كان ساحراً ، وأنه سخر الانس والجن عن طريق السحر الذي يستخدمه ، وما كفَر سليمان وما كان ساحراً بل رسولاً من عند الله ، ولكن الشياطين هم الذين كفروا وتقوّلوا على سليمان هذه الأقأويل ، وأخذوا يعلّمون الناس السحر من عندهم .

{ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ } في هذه الآية تفسيران : فبعض المفسرين يقول أن معناها : ولم ينزل الله على هاروت وماروت في بابل أي سحر . ويكون المعنى : واتَّبعوا الذي تتلوا الشياطين على ملك سليمان من السحر ، وما كفر سليمان ولا أنزل الله السحر على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا . . .

وقال بعضهم وهم أكثرون : يكون المعنى السحرَ الذي أُنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، مع أن هذين الملكين ما كانا يعلّمان أحدا حتى يقولا له إنما نعلّمك ما يؤدي إلى الفتنة والكفر فاعرفه ولا تعمل به .

ومن هنا أخذ بعض العلماء جواز تعلُّم السحر للعلم به وعدم العمل به .

ولكن الناس لم ينتصحوا بهذه النصيحة التي كان الملكان يقولانها لهم ، فاستخدموا ما يتعلّمون منهما ، وجعلوا يفرقون به بين المرء وزوجه .

وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله ، وهذه قاعدة عظمى يقررها القرآن وهي : أن الضرر والنفع بإذن الله .

ولا يزال في وقتنا هذا مع ما تقدم العلم به من أبحاث كثيرٌ من السحر والشعوذة وغير ذلك من التنويم المغناطيسي والتلبثة . ونحن نجد كثيراً من الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد . ولقد رأيت كثيراً من هؤلاء المنوِّمين يأتون بالعجب العجاب ، وقرأت الكثير من القصص عن أناس عندهم خصائص عجيبة . وكل ما استطاع العلم أن يقوله تجاه هذه الأمور وهذه القوى أنه اعترف بها وأعطاها أسماء ، ولكنه عجز عن تفسيرها . وصدق الله العظيم : { وَمَآ أوتِيتُم مِّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } .

أما من هما الملكان هاروت وماروت ؟ وهل هما رجلان حقيقة ؟ فلا يوجد خبر صحيح يثبت شخصيتهما أو حقيقة جنسهما . وإنما كانت قصتهما معروفة مشهورة ووردت في القرآن أشارات مجملة عنها{[2]} ، ولسنا مكلفين بالاستقصاء عنهما والأفضل عدم البحث في ذلك .

القراءات :

قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «ولكن الشياطين كفروا » بتخفيف النون من لكن ، ورفع الشياطين . وقرأ الباقون «ولكنّ » بالشديد ونصب الشياطين .


[2]:وردت قصتهما في التلمود. وهو عند اليهود أهم من التوراة.

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال لليهود: {ولو أنهم آمنوا}، يعني صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم

{واتقوا} الشرك.

{لمثوبة من عند الله}، يقول: لكان ثوابهم عند الله

{خير} من السحر والكفر.

{لو}، يعني: إن {كانوا يعلمون}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُوا وَاتّقُوا}: لو أن الذين يتعلمون من الملكين ما يفرّقون به بين المرء وزوجه آمنوا، فصدّقوا الله ورسوله وما جاءهم به من عند ربهم، واتقوا ربهم فخافوه فخافوا عقابه، فأطاعوه بأداء فرائضه وتجنبوا معاصيه لكان جزاء الله إياهم وثوابه لهم على إيمانهم به وتقواهم إياه خيرا لهم من السحر وما اكتسبوا به لو كانوا يعلمون أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوا به. وإنما نفى بقوله: لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، العلم عنهم أن يكونوا عالمين بمبلغ ثواب الله وقدر جزائه على طاعته.

والمثوبة في كلام العرب مصدرٌ من قول القائل: أثبتك إثابةً وثوابا ومَثُوبة، فأصل ذلك من ثاب إليك الشيء بمعنى رجع، ثم يقال: أثبته إليك: أي رجعته إليك ورددته. فكان معنى إثابة الرجل الرجل على الهدية وغيرها: إرجاعه إليها منها بدلاً، وردّه عليه منها عوضا. ثم جعل كلّ معوّض غيره من عمله أو هديته أو يد له سلفت منه إليه مثيبا له. ومنه ثواب الله عزّ وجل عباده على أعمالهم، بمعنى إعطائه إياهم العوض والجزاء عليه، حتى يرجع إليهم بدل من عملهم الذي عملوا له. وقد زعم بعض نحويي البصرة أن قوله: {وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُوا وَاتّقَوا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ خَيْرٌ} مما اكتفي بدلالة الكلام على معناه عن ذكر جوابه، وأن معناه: ولو أنهم آمنوا واتقوا لأثيبوا ولكنه استغنى بدلالة الخبر عن المثوبة عن قوله: لأثيبوا. وكان بعض نحويي أهل البصرة ينكر ذلك، ويرى أن جواب قوله: وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُوا وَاتّقَوا لَمَثُوبَةٌ وأن «لو» إنما أجيبت بالمثوبة، وإن كانت أخبر عنها بالماضي من الفعل لتقارب معناه من معنى «لئن» في أنهما جزاءان، فإنهما جوابان للإيمان، فأدخل جواب كلّ واحدة منهما على صاحبتها، فأجيبت «لو» بجواب «لئن»، و«لئن» بجواب «لو» لذلك وإن اختلفت أجوبتهما فكانت «لو» من حكمها وحظها أن تجاب بالماضي من الفعل، وكانت «لئن» من حكمها وحظها أن تجاب بالمستقبل من الفعل لما وصفنا من تقاربهما، فكان يتأوّل معنى قوله: {وَلَوْ أَنّهُمْ آمَنُوا وَاتّقَوا}: ولئن آمنوا واتقوا، لمثوبة من عند الله خير.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

الثواب: هو الجزاء على العمل بالإحسان، وهو منافع مستحقة يقاربها تعظيم وتبجيل.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{واتقوا} الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين {لَمَثُوبَةٌ مّنْ عِندِ الله خَيْرٌ}.

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

المثوبة عند جمهور الناس بمعنى: الثواب والأجر، وهذا هو الصحيح. وقال قوم: معناه الرجعة إلى الله من ثاب يثوب إذا رجع، واللام فيها لام القسم، لأن لام الابتداء مستغنى عنها، وهذه لا غنى عنها، وقوله تعالى: {لو كانوا يعلمون} يحتمل نفي العلم عنهم، ويحتمل أن يراد: لو كانوا يعلمون علماً ينفع...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اعلم أن الضمير عائد إلى اليهود الذين تقدم ذكرهم، فإنه تعالى لما بين فيهم الوعيد بقوله: {ولبئس ما شروا به} أتبعه بالوعد جامعا بين الترهيب والترغيب لأن الجمع بينهما أدعى إلى الطاعة والعدول عن المعصية...

أما قوله تعالى: {آمنوا} فاعلم أنه تعالى لما قال: {نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم} ثم وصفهم بأنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين وأنهم تمسكوا بالسحر. قال من بعد: {ولو أنهم آمنوا} يعني بما نبذوه من كتاب الله. فإن حملت ذلك على القرآن جاز، وإن حملته على كتابهم المصدق للقرآن جاز؛ وإن حملته على الأمرين جاز، والمراد من التقوى الاحتراز عن فعل المنهيات وترك المأمورات...

البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي 745 هـ :

والإيمان والتقوى: الإيمان التام، والتقوى الجامعة لضروبها، أو الإيمان بمحمد وبما جاء به، وتقوى الكفر والسحر، قولان متقاربان. وفي وصف المثوبة بكونها من عند الله، تفخيم وتعظيم لها، ولمناسبة الإيمان والتقوى. لذلك، كان المعنى: أن الذي آمنتم به واتقيتم محارمه، هو الذي ثوابكم منه على ذلك، فهو المتكفل بذلك لكم.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

ولما بين ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار اتبعه ما في الإعراض عنه من المنافع فقال:

{ولو أنهم آمنوا} أي بما دعوا إليه من هذا القرآن، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله لا السحر...

{واتقوا} ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقاً فنسخ من التوراة فصار باطلاً، ومن الإقدام على ما لم يكن حقاً أصلاً من السحر لأثيبوا خيراً مما تركوا، لأن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه؛ هكذا الجواب ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما تقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن فقال: {لمثوبة} صيغة مفعلة من الثواب وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات -قاله الحرالي. وشرفها بقوله: {من عند الله} الذي له جميع صفات الكمال. وزادها شرفاً بقوله: {خير}، مع حذف المفضل عليه. قاله الحرالي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفاً لهذه المثوبة وإلحاقاً لها بالنمط العلي من علمه وحكمته ومضاء كلمته -...

وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار ككون الفاتحة شفاء وآية الكرسي حرز من الشيطان ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

{لو كانوا يعلمون} أي إنهم في كل ما هم عليه من الأباطيل، ومن زعمهم أنها ترجع إلى الكتاب بضروب من التأويل، يتبعون الظنون ويعتمدون على التقليد، وليسوا على شيء من العلم الصحيح – ولو كانوا يعلمون علما صحيحا لظهر أثره في أعمالهم ولآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم واتبعوه فكانوا من المفلحين...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

(ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون).. وينطبق هذا القول على الذين كانوا يتعلمون السحر من الملكين ببابل، وعلى الذين يتبعون ما تقصه الشياطين عن عهد سليمان وملكه، وهم اليهود الذين ينبذون كتاب الله وراءهم ظهريا، ويتبعون هذا الباطل وهذا الشر الذميم.

وبعد فلا بد من كلمة هنا عن السحر، وعما يفرق بين المرء وزوجه، مما كان أولئك اليهود يجرون خلفه، ويتركون كتاب الله وراء ظهورهم من أجله.. إنه ما يزال مشاهدا في كل وقت أن بعض الناس يملكون خصائص لم يكشف العلم عن كنهها بعد. لقد سمي بعضها بأسماء ولكنه لم يحدد كنهها ولا طرائقها!.. هذا "التيليبياثي "-التخاطر عن بعد- ما هو؟ وكيف يتم؟ كيف يملك إنسان أن يدعو إنسانا على أبعاد وفواصل لا يصل إليها صوت الإنسان في العادة ولا بصره، فيتلقى عنه، دون أن تقف بينهما الفواصل والأبعاد؟...

وهذا التنويم المغنطيسي ما هو وكيف يتم؟ كيف يقع أن تسيطر إرادة على إرادة، وأن يتصل فكر بفكر، فإذا أحدهما يوحي إلى الآخر، وإذا أحدهما يتلقى عن الآخر، كأنما يقرأ من كتاب مفتوح؟...

السحر من قبيل هذه الأمور. وتعليم الشياطين للناس من قبيل هذه الأمور. وقد تكون صورة من صورة: القدرة على الإيحاء والتأثير، إما في الحواس والأفكار، وإما في الأشياء والأجسام.. وإن كان السحر الذي ذكر القرآن وقوعه من سحرة فرعون كان مجرد تخييل لا حقيقة له: (يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى) -ولا مانع أن يكون مثل هذا التأثير وسيلة للتفريق بين المرء وزوجه، وبين الصديق وصديقه. فالانفعالات تنشأ من التأثرات. وإن كانت الوسائل والآثار، والأسباب والمسببات، لا تقع كلها إلا بإذن الله، على النحو الذي أسلفنا.

أما من هما الملكان: هاروت وماروت؟ ومتى كانا ببابل؟ فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود. بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها. وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة لبعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها؛ وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض، ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر. لأن هذا التفصيل ليس هو المقصود. ولا أحب أن نجري نحن- في ظلال القرآن -خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين. فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها. ولقد مضى في تاريخ البشرية من الآيات والابتلاءات ما يناسب حالتها وإدراكها في كل طور من أطوارها. فإذا جاء الاختيار في صورة ملكين- أو في صورة رجلين طيبين كالملائكة -فليس هذا غريبا ولا شاذا بالقياس إلى شتى الصور وشتى الابتلاءات الخارقة، التي مرت بها البشرية وهي تحبو، وهي تخطو، وهي تقفو أشعة الشعلة الإلهية المنيرة في غياهب الليل البهيم! والمفهومات الواضحة المحكمة في هذه الآيات تغني عن السعي وراء المتشابه فيها بالقياس إلينا بعد ذلك الزمن المديد. وحسبنا أن نعلم منها ضلال بني إسرائيل في جريهم وراء الأساطير، ونبذهم كتاب الله المستيقن، وأن نعرف أن السحر من عمل الشيطان؛ وأنه من ثم كفر يدان به الإنسان، ويفقد به في الآخرة كل نصيب وكل رصيد...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

يفتح الله جل جلاله أمام عباده أبواب التوبة والرحمة. لقد بين لهم أن السحر كفر، وإن من يقوم به يبعث كافرا يوم القيامة ويخلد في النار..

وقال لهم سبحانه وتعالى لو أنهم امتنعوا عن تعلم السحر ليمتازوا به على من سواهم امتيازا في الضرر والإيذاء.. لكان ذلك خيرا لهم عند الله تبارك وتعالى.. لأن الملكين اللذين نزلا لتعليم السحر قال الله سبحانه عنهما: {وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر}. إذن فممارسة السحر كفر. فلو أنهم آمنوا بهذه القضية وبأنهم يدخلون في الكفر، واتقوا الله لكان ذلك ثوابا لهم عند الله وخيراً في الدنيا والآخرة..

ولكن ما هي المثوبة؟ هي الثواب على العمل الصالح.. يقابلها العقوبة وهي العقاب على العمل السيئ.. وهي مشتقة من ثاب أي رجع.. ولذلك يسمى المبلغ عن الإمام في الصلاة المثوب.. لأن الإمام يقول الله أكبر فيرددها المبلغ عن الإمام بصوت عال حتى يسمعها المصلون الذين لا يصلهم صوت الإمام.. وهذا اسمه التثويب.. أي إعادة ما يقوله الإمام لتزداد فرصة الذين لم يسمعوا ما قاله الإمام.. وكما قلنا فهي مأخوذة من ثاب أي رجع.. لأن الإنسان عندما يعمل صالحا يرجع عليه عمله الصالح بالخير.. فلا تعتقد أن العمل الصالح يخرج منك ولا يعود.. ولكنه لابد أن يعود عليك بالخير.

قوله تعالى: {لمثوبة من عند الله خير}.. انظر إلى المثوبة التي تأتي من عند الله.. إذا كان الثواب يأتيك من عند من صنعه جميلا مزركشا وله ألوان مبهجة.. إذا كان هذا ما صنعه لك بشر فما بالك بالثواب الذي يأتيك من عند الله. إنه قمة الجمال. فالله هو القادر على أن يرد الثواب بقدراته سبحانه فيكون الرد عاليا وعاليا جدا، بحيث يضاعف الثواب مرات ومرات.

على أننا لابد أن نتنبه إلى قول الله تعالى: {ولو أنهم آمنوا واتقوا} قلنا معنى اتقوا أنهم جعلوا بينهم وبين صفات الجلال في الله وقاية.. ولذلك قلنا إن بعض الناس يتساءل.. كيف يقول الله تبارك وتعالى: {اتقوا الله}.. ويقول جل جلاله: {اتقوا النار}.. نقول إن معنى اتقوا الله أي اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال في الله وقاية: {واتقوا النار}.. أي اجعلوا بينكم وبين عذاب النار وقاية.. لأن النار من متعلقات صفات الجلال.. لذلك فإن قوله: {اتقوا الله}.. تساوي:"اتقوا النار".. والحق تبارك وتعالى حينما قال: {اتقوا} أطلقها عامة.. والحذف هنا المراد به التعميم.. والله سبحانه وتعالى يريد أن يلفتنا إلى أن السحرة لو آمنوا بأن تعلم السحر فتنة تؤدي إلى الكفر.. واتقوا الله وخافوا عذابه في الآخرة لكان ذلك خيراً لهم.. لذلك قال جل جلاله: {لمثوبة من عند الله خير}..

وساعة تسمع كلمة خير تأتي إلى الذهن كلمة شر.. لأن الخير يقابله الشر.. ولكن في بعض الأحيان كلمة خير لا يقابلها شر. ولكن يقابلها خير أقل. وكلمة خير هي الوحيدة في اللغة العربية التي يساوي الاسم فيها أفعل التفضيل.. فأنت تقول هذا فاضل وهذا مفضول عليه.. كلمة خير اسم تفضيل فيقال ذلك خير من كذا.. أي واحد منهما يعطي أكثر من الآخر.. وكلمة خير إذا لم يأت مقابلها أي خير من كذا يكون مقابلها شر.. فإذا قلت فلان خير من فلان.. فكلاهما اشترك في الخير ولكن بدرجة مختلفة.. والخير هو ما يأتي لك بالنفع.. ولكن مقياس النفع يختلف باختلاف الناس.. واحد ينظر إلى النفع العاجل وآخر ينظر إلى النفع الآجل.. وفي ظاهر الأمر كل منهما أراد خيرا. إذن كل الناس يحبون الخير ولكن نظرتهم ومقاييسهم تختلف.. فمنهم من يريد متعة اليوم، ومنهم من يعمل لأجل متعة الغد.. والله تبارك وتعالى حين يأمرنا بالخير.. قد يكون الخير متعبا للجسد والنفس.. ولكن النهاية متاع أبدي في جنة الخلد.

إذن فالخير الحقيقي هو ما جاء به الشرع...

قوله تعالى: {لو كانوا يعلمون}.. الله ينفي عنهم العلم بينما في الآية السابقة أثبت لهم العلم في قوله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الآخرة من خلاق}.. نقول إن العلم الذي لا يخضع حركة الإنسان له فكأنه لم يعلم شيئا.. لأن هذا العلم سيكون حجة على صاحبه يوم القيامة وليته لم يعلمه.. واقرأ قول الشاعر: رزقوا وما رزقوا سماح يد فكأنهم رزقوا وما رزقوا خلقوا وما خلقوا لمكرمة فكأنهم خلقوا وما خلقوا. فكأن العلم لم يثبت لك لأنك لم تنتفع به.. والله سبحانه وتعالى يقول: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} (من الآية 6 سورة الروم). {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا..} وهكذا نفى الله عن الناس العلم الحقيقي.. وأثبت لهم العلم الدنيوي الظاهر.. وقوله جل جلاله: {مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين "5 "} (سورة الجمعة). أي أنهم حملوا التوراة علما ولكنهم لم يحملوها منهجا وعملا.. وهؤلاء السحرة علموا أن من يمارس السحر يكفر.. ومع ذلك لم يعملوا بما عملوا.

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ} (103)

وقوله : { ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خبر لو كانوا يعلمون } لو أن هؤلاء اليهود آمنوا إيمانا صحيحا يتضمن إيمانهم بدعوة الإسلام ، وكذلك لو أنهم اتقوا الحرمات ومنها السحر ، لكان لهم عند الله بذلك ثواب ، وهو خير لهم مما أركسوا أنفسهم فيه وهو السحر . وهذه هي الحقيقة لو كانوا يعلمونها علم اليقين{[102]} .

ولا بد هنا من كلمة في موقف الإسلام من السحر . فهل هو حقيقة أم غير ذلك ؟ وما حكم الشرع في الساحر ؟ وهل يباح العلم بالسحر ؟

ذهب أكثر أهل العلم إلى أن السحر حقيقة ، وأنه موجود بدليل قوله سبحانه في السحر والسحرة : { وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } وغير ذلك من نصوص تتضمن وقوع السحر بالفعل ، وخالف المعتزلة وأبو حنيفة في ذلك ، وذهبوا إلى أنه لا وجود للسحر أصلا . وهو لا يعدو في طبيعته وحقيقته دائرة الخيال والتوهيم . واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام والسحرة لما ألقوا حبالهم وعصيهم : { يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى } وبذلك فإن السحر ضرب من التخيل الذي يراود تصور الإنسان .

على أن السحر من حيث الحكم الشرعي معدود من الكبائر التي نهى عنها الدين أشد النهي ؛ لما في ذلك من توهيم للناس وحملهم على التصديق بقدرة البشر على اختلاف المعجزات أو ما يشبهها . وفي ذلك من التخليط والإلباس ما يوقع الناس في الحيرة والشك والزعزعة في العقيدة . وعلى ذلك فقد حذرت الشريعة من السحر والسحرة ، وتوعدت من يتلبس بهذه الكبيرة بالعذاب الشديد . يبدو ذلك من حديث السبع الموبقات التي حذر منها النبي ( صلى الله عليه وسلم ) وهي : " الشرك بالله والسحر . . " ويقول عليه الصلاة والسلام : " من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد

.

وعلى هذا ذهب إلى تكفير الساحر طائفة من السلف . وقيل : بل لا يكفر ، ولكن وحده ضرب عنقه ؛ لما رواه أحمد والترمذي عن جندب الأزدي أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " حد الساحر ضربه بالسيف " وروى الشافعي وأحمد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة{[103]} .

أما استعمال السحر فإنه يوجب العقاب عند بعض العلماء على الخلاف . فقد ذهب الإمامان مالك وأحمد إلى وجوب قتل الساحر الذي يستعمل السحر ، وقد ثبت في حقه ذلك . وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى عدم قتله ، واشترط الشافعي لذلك أن يقتل الساحر بسحره أحدا ، فإذا لم يقتل أحدا فلا يجوز قتله . واشترط أبو حنيفة لقتله أن يتكرر منه القتل عن طريق السحر ، أو أن يقر بالقتل فعلا{[104]} .

وفي توبة السحر خلاف كذلك . فقد اتفق الأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد على عدم قبول التوبة من الساحر باعتباره كافرا . وذهب الشافعي وأحمد في رواية عنه إلى قبول توبته إلا إذا ظهر منه ما يوجب الكفر .

أما العلم بالسحر دون استعماله ؛ وذلك لتجنبه واتقائه فإنه جائز ، وذلك الذي ذهب إليه بعض أهل العلم ؛ استنادا إلى قوله تعالى : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) ومجرد العلم بالسحر لا يضر ، بل ينفع ، فإنه يمكّن العالم به من التفريق بينه وبين المعجزة ؛ كيلا يخلط الناس بين الأمرين .

وقد رُد ذلك بأن تعلم السحر حرام ، فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن مجرد التعلم قبيح عقلا ، وهو كذلك حرام من الوجهة الشرعية ، بل إن تعلم السحر من أجل استعماله كفر ، وقالوا أن الاستدلال بتلك الآية ليس في هذا الموضع ؛ لأن تلك إنما دلت على امتداح العالمين بأمور الشرع ، وليس السحر من الشرع في شيء{[105]} .

هذه خلاصة وجيزة في قضية السحر نكتفي بها على ما بيناه دون تفصيل .


[102]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 18 وتفسير ابن كثير جـ 1 ص 134-138 والكشاف جـ ص 301، 302 وتفسير النسفي جـ 1 ص 65،66
[103]:- تفسير ابن كثير جـة 1 ص 144.
[104]:- المغني لابن قدامة جـ 7 ص 644 والمجموع شرح المهذب للنووي جـ 18 ص 385، 390 وأسهل المدارك جـ 3 ص 113 .
[105]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 144-147 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 46 والكشاف جـ 1 ص 301.