تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ} (45)

وبعد أن بيّنت الآيات سوء حالهم ، وأن عقلهم لم ينفعهم ، أرشدتْهم إلى الطريقة المثلى للانتفاع بالكتاب والعقل والعمل ، فقال تعالى : { واستعينوا بالصبر والصلاة } . . والصبر : حبْسُ النفس على ما تكره . وقد حث الله على الصبر كثيراً في عدة آيات ، وجعل أحسن الجزاء لمن صبر على الشدائد ، وعن الشهوات المحرمة التي تميل إليها النفوس ، وعلى أنواع الطاعات التي تشق على النفس . كذلك أمر بالاستعانة بالصلاة لما فيها من تصفية النفس ومراقبتها في السر والنجوى . وناهيك بعبادة يناجي فيها العبدُ ربه خمس مرات في اليوم ! وليست الصلاة مجرد عبادة فحسب ، بل هي انبعاث خفي لروح العبادة في الإنسان ، وأقوى صورة للطاقة التي يمكن أن يولّدها الإنسان ، وإذا ما أصبحت الصلاة الصادقة عادةً فإن حياتنا ستمتلىء بفيض عميق من الغنى الملموس .

لذلك ورد الحث على الصلاة في كثير من الآيات ، إن الصلاة قوة لا يقدّرها إلا العارفون والملهمون ، ولذلك قال تعالى : { وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخاشعين } أي : أن الصلاة ثقيلة شاقّة إلا على المؤمنين إيمانا حقيقياً ، الخاشعين لله حقا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ} (45)

فيه ثمان مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " واستعينوا بالصبر والصلاة " الصبر الحبس في اللغة : وقتل فلان صبرا أي أمسك وحبس حتى أتلف . وصبرت نفسي على الشيء : حبستها . والمصبورة التي نهي عنها في الحديث هي المحبوسة على الموت ، وهي المجثَّمة . وقال عنترة :

فصبرتُ عارفةً لذلك حرّةً *** تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبَانِ تَطلَّع

الثانية : أمر تعالى بالصبر على الطاعة وعن المخالفة في كتابه فقال : " واصبروا " يقال فلان صابر عن المعاصي ، وإذا صبر عن المعاصي فقد صبر على الطاعة ، هذا أصح ما قيل . قال النحاس : ولا يقال لمن صبر على المصيبة : صابر ، إنما يقال صابر على كذا . فإذا قلت صابر مطلقا فهو على ما ذكرنا ، قال الله تعالى " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب{[689]} " [ الزمر : 10 ] .

الثالثة : قوله تعالى : " والصلاة " خص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويها بذكرها ، وكان عليه السلام إذا حزبه{[690]} أمر فزع إلى الصلاة . ومنه ما روي أن عبدالله بن عباس نعي له أخوه قثم - وقيل بنت له - وهو في سفر فاسترجع وقال : ( عورة سترها الله ، ومؤونة كفاها الله ، وأجر ساقه الله ، ثم تنحى عن الطريق وصلى ، ثم انصرف إلى راحلته وهو يقرأ : " واستعينوا بالصبر والصلاة " فالصلاة على هذا التأويل هي الشرعية ، وقال قوم : هي الدعاء على عرفها في اللغة ، فتكون الآية على هذا التأويل مشبهة لقوله تعالى : " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله " [ الأنفال 45 ] لأن الثبات هو الصبر ، والذكر هو الدعاء . وقول ثالث ، قال مجاهد : الصبر في هذه الآية الصوم ، ومنه قيل لرمضان شهر الصبر فجاء الصوم والصلاة على هذا القول في الآية متناسبا في أن الصيام يمنع من الشهوات ويزهد في الدنيا والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتخشع ويقرأ فيها القرآن الذي يذكر الآخرة والله أعلم .

الرابعة : الصبر على الأذى والطاعات من باب جهاد النفس وقمعها عن شهواتها ومنعها من تطاولها وهو من أخلاق الأنبياء والصالحين ، قال يحيى بن اليمان : الصبر ألا تتمنى حالة سوى ما رزقك الله والرضا بما قضى الله من أمر دنياك وآخرتك . وقال الشعبي : قال علي رضي الله عنه : الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد . قال الطبري : وصدق علي رضي الله منه وذلك أن الإيمان معرفة بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح فمن لم يصبر على العمل بجوارحه لم يستحق الإيمان بالإطلاق . فالصبر على العمل بالشرائع نظير الرأس من الجسد للإنسان الذي لا تمام له إلا به .

الخامسة : وصف الله تعالى جزاء الأعمال وجعل لها نهاية وحدا فقال : " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها{[691]} " [ الأنعام 160 ] وجعل جزاء الصدقة في سبيل الله فوق هذا فقال : " مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة{[692]} " [ البقرة : 261 ] الآية . وجعل أجر الصابرين بغير حساب ومدح أهله فقال " إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب " [ الزمر : 10 ] وقال " ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور{[693]} " [ الشورى : 43 ] . وقد قيل أن المراد بالصابرين في قوله " إنما يوفى الصابرون " [ الزمر : 10 ] أي الصائمون ؛ لقوله تعالى في صحيح السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم : الصيام لي وأنا أجزي به . فلم يذكر ثوابا مقدرا كما لم يذكره في الصبر والله أعلم .

السادسة : من فضل الصبر وصف الله تعالى نفسه به كما في حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ليس أحد أو ليس شيء أصبر على أذى سمعه من الله تعالى ، إنهم ليدعون له ولدا وإنه ليعافيهم ويرزقهم ) . أخرجه البخاري . قال علماؤنا : وصف الله تعالى بالصبر إنما هو بمعنى الحلم ومعنى وصفه تعالى بالحلم هو تأخير العقوبة عن المستحقين لها ، ووصفه تعالى بالصبر لم يرد في التنزيل وإنما ورد في حديث أبي موسى وتأوله أهل السنة على تأويل الحلم قال ابن فورك وغيره : وجاء في أسمائه " الصبور " للمبالغة في الحلم عمن عصاه .

السابعة : قوله تعالى : " وإنها لكبيرة " اختلف المتأولون في عود الضمير من قوله : " وإنها " ، فقيل : على الصلاة وحدها خاصة ، لأنها تكبر على النفوس ما لا يكبر الصوم . والصبر هنا الصوم ، فالصلاة فيها سجن النفوس والصوم إنما فيه منع الشهوة ، فليس من منع شهوة واحدة أو شهوتين كمن منع جميع الشهوات . فالصائم إنما منع شهوة النساء والطعام والشراب ، ثم ينبسط في سائر الشهوات من الكلام والمشي والنظر إلى غير ذلك من ملاقاة الخلق ، فيتسلى بتلك الأشياء عما منع والمصلي يمتنع من جميع ذلك فجوارحه كلها مقيدة بالصلاة عن جميع الشهوات . وإذا كان ذلك كانت الصلاة أصعب على النفس ومكابدتها أشد . فلذلك قال " وإنها لكبيرة " وقيل عليهما ، ولكنه كنى عن الأغلب وهو الصلاة ، كقوله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله{[694]} " [ التوبة : 34 ] وقوله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها{[695]} " [ الجمعة : 11 ] . فرد الكناية إلى الفضة لأنها الأغلب والأعم وإلى التجارة لأنها الأفضل والأهم . وقيل : إن الصبر لما كان داخلا في الصلاة أعاد عليها كما قال : " والله ورسوله أحق أن يرضوه{[696]} " [ التوبة : 62 ] ولم يقل يرضوهما ؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز ومنه قول الشاعر{[697]} :

إن شَرْخَ الشباب والشَّعَر الأس *** ود ما لم يُعَاصَ كان جنونا

ولم يقل يعاصيا ، رد إلى الشباب ؛ لأن الشعر داخل فيه . وقيل رد الكناية إلى كل واحد منهم لكن حذف اختصارا ، قال الله تعالى " وجعلنا ابن مريم وأمه آية{[698]} " [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين . ومنه قول الشاعر{[699]} :

فمن يك أمسى بالمدينة *** رَحْلُهُ فإني وقَيَّارٌ بهَا لغريب

وقال آخر{[700]} :

لكل هم من الهموم سَعَه *** والصبح والمُسْيُ لا فلاح معه

أراد : لغريبان ، لا فلاح معهما ، وقيل على العبادة التي يتضمنها بالمعنى ذكر الصبر والصلاة . وقيل على المصدر وهى الاستعانة التي يقتضيها قوله : " واستعينوا " وقيل على أجابه محمد عليه السلام ، لأن الصبر والصلاة مما كان يدعو إليه . وقيل على الكعبة ؛ لأن الأمر بالصلاة إنما هو إليها . " وكبيرة " معناه ثقيلة شاقة ، خبر " إن " ويجوز في غير القرآن : " وإنه لكبيرة إلا على الخاشعين " فإنها خفيفة عليهم . قال أرباب المعاني : إلا على من أيد في الأزل بخصائص الاجتباء والهدى .

الثامنة : قوله تعالى : " على الخاشعين " الخاشعون جمع خاشع ، وهو المتواضع . والخشوع : هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع . وقال قتادة : الخشوع في القلب وهو الخوف وغض البصر في الصلاة . قال الزجاج : الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل قال النابغة :

رمادٌ ككُحل العين لأياً أبيّنه *** ونُؤيٌ كَجِذْمِ الحوض أثْلَمُ خاشع

ومكان خاشع : لا يهتدى له . وخشعت الأصوات أي سكنت ، وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا . وخشع ببصره إذا غضه . والخُشْعة قطعة من الأرض رخوة . وفي الحديث ( كانت خُشْعة على الماء ثم دحيت بعد{[701]} ) . وبلدة خاشعة مغبرة لا منزل بها . قال سفيان الثوري : سألت الأعمش عن الخشوع فقال : يا ثوري أنت تريد أن تكون إماما للناس ، ولا تعرف الخشوع ، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع فقال : أُعَيْمِش تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطؤ الرأس ، لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء ، وتخشع لله في كل فرض افترض عليك . ونظر عمر بن الخطاب إلى شاب قد نكس رأسه فقال يا هذا ! ارفع رأسك فإن الخشوع لا يزيد على ما في القلب . وقال علي بن أبي طالب : الخشوع في القلب ، وأن تلين كفيك للمرء المسلم وألا تلتفت في صلاتك . وسيأتي هذا المعنى مجودا عند قوله تعالى " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون{[702]} " [ المؤمنون : 1 - 2 ] فمن أظهر للناس خشوعا فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقا على نفاق . قال سهل بن عبدالله : لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله تبارك وتعالى : " تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم{[703]} " [ الزمر : 23 ] .

قلت : هذا هو الخشوع المحمود ؛ لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فلا يملك صاحبه دفعه فتراه مطرقا متأدبا متذللا . وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك ، وأما المذموم فتكلفه والتباكي ومطأطأة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال ، وذلك خدع من الشيطان وتسويل من نفس الإنسان . روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب ، كأنه يتحازن فلكزه عمر أو قال لكمه . وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع وإذا مشى أسرع وإذا ضرب أوجع وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا . وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : الخاشعون هم المؤمنون حقا .


[689]:راجع ج 15 ص 241.
[690]:حزبه: أي نزل به مهم أو أصابه غم.
[691]:راجع ج 7 ص 150.
[692]:راجع ج 3 ص 302.
[693]:راجع ج 16 ص 44.
[694]:راجع ج 8 ص 123- 127.
[695]:راجع ج 18 ص 109.
[696]:راجع ج 8 ص 193.
[697]:هو حسان بن ثابت.
[698]:راجع ج 12 ص 126.
[699]:هو ضابئ البرجمي، كما في اللسان مادة (قير) والكامل للمبرد (ج 1 ص 181) طبع أوربا.
[700]:هو الأضبط بن قريع لسعدي، عن اللسان مادة (مسا).
[701]:الذي في نهاية ابن الأثير مادة (خشع): "كانت الكعبة خشعة على الماء فدحيت منها الأرض".
[702]:راجع ج 12 ص 102.
[703]:راجع ج 15 ص 248
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ} (45)

قوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) . الصبر في اللغة معناه الحبس ، نقول مات فلان صبرا أي حبس فظل كذلك حتى مات ، ونقول عن كل ذي روح ، قتل صبرا ، بمعنى أنه أمسك وشد في الوثاق حتى يقتل ، وعلى هذا فإن المقصود بالصبر في نظر الشرع هو حبس النفس على طاعة الله والتزامها بما شرع للناس في الدين .

وذلك يؤول بدوره الى الامساك عن المعصية وكل ما نهي الله عنه من محظور . وكذلك فإن الصبر على البلاء وما يمتحن الله به عباده في الدنيا لهو من باب الصبر الذي تنحبس معه النفس عن السخط من تقدير الله أو التبرم مما قضى وحكم ، واصطبار النفس عند الشدائد يدخل الصابر في الطائعين أو الممتنعين من ارتكاب المعاصي .

ولا ريب في أن الصبر ذو شأن عظيم وهو في ميزان الله له من بالغ الحظ والاعتبار ما يجعله درجة عالية من درجات العبادة التي يقترب بها المرء من الله ، وفي ذلك قوله سبحانه : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ( وبقول سبحانه في آيات قلائل مبدوءة بقسم رباني يهز النفس من الأعماق : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ( .

ومن أعظم ما يجيء في السنة حول الصبر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " الصبر شطر الإيمان " . {[58]}

وضروب الصبر في الطاعة كثيرة ، ومن جملة ذلك أن يصطبر المؤمن على كل وجوه الطاعة كالصلاة والصيام والحج والجهاد وبر الوالدين وغير ذلك ، فإن مثل هذه الأمور تتطلب من المؤمن أن يتحلى بالصبر دائما ، ليقوى على الاضطلاع هذه الفرائض الكبيرة وغيرها من فرائض .

وكذلك فإن ضروب الصبر عن المعصية كثيرة ، ومن جملة ذلك أن يحبس المؤمن نفسه عن فعل المنكرات مثل الربا والخمر والزنا والزور والنفاق والشح وعقوق الوالدين والهروب من ساحة القتال وغير ذلك من وجوه الحرام والمنكر ، فإن الإمساك عن مثل هذه المحرمات يتطلب قدرة على الاحتمال تحول دون السقوط في المعاصي والمحظورات .

وكذلك الصبر على البلاء فإنه ليس بالهين ولا اليسير ولكنه يقتضي قدرا عظيما من قوة الإرادة ، ولا يؤتاه إلا الأقوياء وأولوا العزم من الناس الذين يملكون أنفسهم عند وقوع الشدائد والأهوال ، فلا يضطربون اضطرابا يثنيهم عن الحق والتوازن ، أو يتجاوز بهم الصراط المستقيم ، ومثلما توصي الآية بالصبر ليستعين به المؤمن في حياته كلها فإنها كذلك توصي بالصلاة وذلك قوله ( والصلاة )

وهي خشوع وتذلل خلال وقفة سائحة بين يدي رب البرية ، ولا جرم أن تفيض على المؤمن وهو يصلي شآبيب من الرحمة ومن غذاء الروح بما يسكب فيه مزيدا من قوة العزيمة والاحتمال ، وبما ينمي فيه معاني الخير والاعتزاز والثقة بالله ( والصلاة ) ويفجر فيه طاقات هائلة من عطاء النفس العالية الرضية ، وأمام هذا العطاء الروحي الهائل تخنس قوى الشر في الإنسان وتذوي فيه بواعث المادية الآسنة التي إذا انفردت بالإنسان أجاءته إلى حمأة الشهوة المشبوبة المستعرة لتودي به في النهاية في أتون الضلالة والعمه والخسران .

والصلاة ذات وزن أكبر في شريعة الإسلام ، لأنها الصلة المتينة الوثقى التي تربط العبد بربه ، والتي تربط الأرض حيث الخلائق والبرايا والصراع والفتن بالسماء حيث الكمال والعلياء والمثل الأعلى ، وبذلك فإن الصلاة لهي وسيلة روحية كبرى تجد الأرواح من خلالها متنفسا كريما مشدودا وهي تخاطب الإله الخالق الذي فطر السموات والأرض وأنشأ الخلائق والكائنات جميعا ، ومن أروع ما يذكر في هذا الصدد عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يستروح بالصلاة استرواحا ليجد فيها حلاوة السكينة الودود وروعة الخطاب الكريم الحاني مع الله سبحانه ، فقد روي عن حذيفة ابن اليمان قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حزبه أمر فزع الى الصلاة " ، وروي عنه أيضا أنه قال " رجعت الى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب ، وهو مشتمل في شملة يصلي وكان إذا حزبه أمر صلى ، هكذا يستعين المؤمن بالصبر وبالصلاة وهو يواجه أفانين الأشرار والمناكيد في زحمة الصراع المحتدم بين الحق والباطل ، والمؤمن خلال ذلك كله يظل ماضيا في مسار الخير ، لا يرده عن ذلك طريق تعويق مصطنع ينتحله أهل الباطل والعدوان .

وقوله : ( وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ) ثمة خلاف بين أهل العلم في عود الضمير في قوله ( وإنها ) فهل المقصود بذلك الصلاة وهي أقرب مذكور أم شيء آخر ؟ .

بمكن في هذا الصدد أن نعرض لأقوال ثلاثة في عود الضمير المذكور :

القول الأول : إن الضمير يعود على الصلاة ، وبذلك فإن المقصود بالكبيرة هي الصلاة ، لأنها أقرب مذكور كما بينا آنفا ولأن الصلاة كبيرة حقا ، وذلك من حيث الحفاظ عليها وأداؤها على وجهها الكامل المشروع في مواقيتها المستديمة الرتيبة طيلة اليوم والليلة ، على أن تكون ذلك مسبوقا بالطهارة العامة التامة ، سواء في ذلكم طهارة البدن أو طهارة الثوب أو طهارة المكان الذي تتأدى فيه الصلاة .

القول الثاني : وهو للأستاذ الشهيد سيد قطب – عليه رحمة الله – فقد ذهب إلى أن الكبيرة هي الدعوة الإسلامية وذلك من حيث الانتماء الوافي إليها ثم حملها في شجاعة وصدق ودراية ثم تبليغها للناس في غير انثناء أو نكوص أو تردد ، وتلك مهمة لا جرم أن تكون ثقيلة وكؤود وذلك بالنظر إلى التحديات المتوقعة من الخصوم والحاقدين الذي يملؤون كل أطراف الأرض في كل زمان ، والذين سوف يثيرون في وجه الإسلام ودعاته حربا طاحنة ضروسا لا تهدأ إلا بعد المفاصلة الحاسمة التي يعقبها خط واحد أو تصور واحد وهو إما الإسلام أو غير الإسلام .

القول الثالث : هو أن الضمير يعود على الصبر والصلاة كليهما ، وقد ذكر الصلاة خاصة ، لأهميتها وشمولها ولأنها الأغلب وذلك كقوله سبحانه : ( وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها ) فقد ذكر كلا التجارة واللهو ، لكنه رد الضمير إلى التجارة لشمولها وفضلها ، وغلبتها على اللهو وهو داخل أصلا في التجارة وفي تقديرنا أن هذا القول صواب وهو الذي نعتمده مع تعظيمنا وإعجابنا باستنباط القولين السابقين والله جلت قدرته أدرى وأعلم . {[59]}

قوله : ( إلا على الخاشعين ) أي الخاضعين الخائفين الذين يوجلون من سلطان الله ويرهبون جنابه ، وفي الآية بيان بأن كلا الصبر والصلاة أمر ثقيل على النفوس ، لا يطيقه إلا من خشع قلبه لجلال الله ، واستقامت جوارحه لتظل في خطه – سبحانه- وهداه .


[58]:رواه البيهقي عن ابن مسعود انظر الجامع الصغير للسيوطي جـ 2 ص 113.
[59]:تفسير ابن كثير جـ 1 ص 87 وفي ظلال القرآن جـ 1 ص 85-86.