لكن بني إسرائيل نقضوا الميثاق . لذا استحقّوا اللعن و الطرد من رحمة الله وصارت قلوبهم قاسيةً لا تلين لقبول الحق . لقد أخذوا يحرّفون كلام الله عن معناه الأصلي إلى ما يوافق هواهم ، وتخلّوا عن كثير مما أُمروا به في التوراة . وها أنت يا محمد ، لا تزال تطَّلع من اليهود على خيانة إثر خيانة ، فلا تظنَّ أنك أمِنت كيدهم بتأمينك إياهم على أنفسهم . . لا ، فهم قوم غدّارون لا أمان لهم ، إلا قليلا منهم أسلموا وصدّقوا فلم يخونوا . وعن هؤلاء تجاوزْ يا محمد ، واصفحْ ، وأحسن إليهم ، إن الله يحب المحسنين .
قوله تعالى : " فبما نقضهم ميثاقهم " أي فبنقضهم ميثاقهم ، " ما " زائدة للتوكيد ، عن قتادة وسائر أهل العلم ؛ وذلك أنها تؤكد الكلام بمعنى تمكنه في النفس من جهة حسن النظم ، ومن جهة تكثيره للتوكيد ؛ كما قال :
فالتأكيد بعلامة موضوعة كالتأكيد بالتكرير . " لعناهم " قال ابن عباس : عذبناهم بالجزية . وقال الحسن ومقاتل : بالمسخ . عطاء : أبعدناهم . واللعن الإبعاد والطرد من الرحمة . " وجعلنا قلوبهم قاسية " أي صلبة لا تعي خيرا ولا تفعله . والقاسية والعاتية بمعنى واحد . وقرأ الكسائي وحمزة : " قسية " بتشديد الياء من غير ألف ، وهي قراءة ابن مسعود والنخعي ويحيى بن وثاب . والعام القسي الشديد الذي لا مطر فيه . وقيل : هو من الدراهم القسيات أي الفاسدة الرديئة ، فمعنى " قسية " على هذا ليست بخالصة الإيمان ، أي فيها نفاق . قال النحاس : وهذا قول حسن ؛ لأنه يقال : درهم قسي إذا كان مغشوشا بنحاس أو غيره . يقال : درهم قسي ( مخفف السين مشدد الياء ) مثال شقي أي زائف ؛ ذكر ذلك أبو عبيد وأنشد :
لها صواهلُ في صُمِّ السِّلام كما *** صاحَ القَسِيَّاتُ في أيدي الصَّيَارِيفِ{[5421]}
يصف وقع المساحي{[5422]} في الحجارة . وقال الأصمعي وأبو عبيد : درهم قسي كأنه معرب قاشي . قال القشيري : وهذا بعيد ؛ لأنه ليس في القرآن ما ليس من لغة العرب ، بل الدرهم القسي من القسوة والشدة أيضا ؛ لأن ما قلت نقرته يقسوا ويصلب . وقرأ الأعمش : " قسية " بتخفيف الياء على وزن فعلة نحو عمية وشجية ، من قسي يقسى لا من قسا يقسو . وقرأ الباقون على وزن فاعلة ، وهو اختيار أبي عبيد . وهما لغتان مثل العلية والعالية ، والزكية والزاكية . قال أبو جعفر النحاس : أولى ما فيه أن تكون قسية بمعنى قاسية ، إلا أن فعيلة أبلغ من فاعلة . فالمعنى : جعلنا قلوبهم غليظة نابية عن الإيمان والتوفيق لطاعتي ؛ لأن القوم لم يوصفوا بشيء من الإيمان فتكون قلوبهم موصوفة بأن إيمانها خالطه كفر ، كالدراهم القسية التي خالطها غش . قال الراجز :
قوله تعالى : " يحرفون الكلم عن مواضعه " أي يتأولونه على غير تأويله ، ويلقون ذلك إلى العوام . وقيل : معناه يبدلون حروفه . " ويحرفون " في موضع نصب ، أي جعلنا قلوبهم قاسية محرفين . وقرأ السلمي والنخعي " الكلام " بالألف وذلك أنهم غيروا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم . " ونسوا حظا مما ذكروا به " أي نسوا عهد الله الذي أخذه الأنبياء عليهم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم . وبيان نعته . " ولا تزال تطلع " أي وأنت يا محمد لا تزال الآن تقف " على خائنة منهم " والخائنة الخيانة . قاله قتادة . وهذا جائز في اللغة ، ويكون مثل قولهم : قائلة بمعنى قيلولة . وقيل : هو نعت لمحذوف والتقدير فرقة خائنة . وقد تقع " خائنة " للواحد كما يقال : رجل نسابة وعلامة ، فخائنة على هذا للمبالغة . يقال : رجل خائنة إذا بالغت في وصفه بالخيانة . قال الشاعر{[5423]} :
حدثت نفسك بالوفاء ولم تكن *** للغدر خَائِنَةً مُغِلَّ الإِصْبَعِ
قال ابن عباس : " على خائنة " أي معصية . وقيل : كذب وفجور . وكانت خيانتهم نقضهم العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم{[5424]} ؛ كيوم الأحزاب وغير ذلك من همهم بقتله وسبه . " إلا قليلا منهم " لم يخونوا فهو استثناء من الهاء والميم اللتين في " خائنة منهم " . " فاعف عنهم واصفح " في معناه قولان : فاعف عنهم واصفح ما دام بينك وبينهم عهد وهم أهل الذمة . والقول الآخر إنه منسوخ بآية السيف . وقيل : بقوله عز وجل " وإما تخافن من قوم خيانة " {[5425]} [ الأنفال :58 ] .
قوله تعالى : { فبما نقضهم ميثقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف واصفح إن الله يحب المحسنين } .
قوله : { فبما نقضهم } الباء السببية . وما زائدة تفيد التوكيد . وميثاقهم مفعول به للمصدر . أي بسبب نقضهم ميثاقهم { لعنهم } أي طردناهم وأبعدناهم من الخير ومن رحمتنا عقوبة لهم . وقيل : معنى الطرد هنا مسخهم قردة وخنازير ، والأول أقوى . وكذلك عاقبهم الله بقسوة قلوبهم إذ قال : { وجعلنا قلوبهم قاسية } .
قوله : { يحرفون الكلم عن مواضعه } أي لفرط ما ران على قلوبهم من الكزازة والقسوة وما غشيهم من الغلظة واليبوسة صاروا يتأولون كتاب الله " التوراة " على غير تأويله الصحيح أو يبدلون حروفه وكلماته تبديلا . وكذلك تركوا نصيبا عظيما من كتابهم التوراة مما جاء فيه ذكر محمد صلى لله عليه وسلم وأمره بتصديقه واتباعه لكنهم كذبوه وناصبوه الكيد والعداء من أول يوم . وذلك تأويل قوله : { ونسوا حظا مما ذكروا به } .
قوله : { ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم } أي لا تزال يا محمد تقف على خيانة هؤلاء المغضوب عليهم . وقوله خائنة بمعنى خيانة . أي أن الخيانة والغدر ديدنهم وعادتهم { إلا قليلا منهم } وذلك استثناء متصل . والمراد بالقليل المستثنى عبد الله بن سلام وغيره ممن صدق وأيقن .
قوله : { فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين } وذلك إذا تابوا عن الخيانة والغدر ودفعوا الجزية . والتقدير : اعف عنهم واصفح ما داموا على عهدك وهم أهل ذمة ولم يخونوك . وقيل : هذا منسوخ بآية السيف { قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } .
قوله : { إن الله يحب المحسنين } العفو والصفح من الإحسان . وذلك من خلق المؤمنين الصادقين . وفي الآية تحضيض على العفو والصفح{[921]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.