تُحشرون : تجمعون وتساقون إليه .
وقد أُحل الله لكم صيد حيوان البحر ، تأكلون منه وينتفع به المقيمون منكم والمسافرون ، وحرم عليكم صيد البر ما دمتم محرمين بالحج أو العمرة ، سواء صاده غيركم ، أو أنتم قبل إحرامكم . واتقوا الله بطاعته فيما أمركم به وما نهاكم عنه ، فإن إليه مرجعكم ، فيجازيكم على ما تعملون .
يشيع على ألسنة بعض الناس خطأ { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البرو البحر } ولا يوجد في القرآن آية بهذا النصّ ، وإنما { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُماً . . . } .
الأولى : قوله تعالى : " أحل لكم صيد البحر " هذا حكم بتحليل صيد البحر ، وهو كل ما صيد من حيتانه والصيد هنا يراد به المصيد ، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب . وقد مضى القول في البحر في " البقرة " {[5992]} والحمد لله . و " متاعا " نصب على المصدر أي متعتم به متاعا .
الثانية : قوله تعالى : " وطعامه " الطعام لفظ مشترك يطلق على كل ما يطعم ، ويطلق على مطعوم خاص كالماء وحده ، والبر وحده ، والتمر وحده ، واللبن وحده ، وقد يطلق على النوم كما تقدم ، وهو هنا عبارة عما قذف به البحر وطفا عليه . أسند الدارقطني عن ابن عباس في قول الله عز وجل : " أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة " الآية صيده ما صيد وطعامه ما لفظ البحر{[5993]} . وروي عن أبي هريرة مثله ، وهو قول جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين . وروي عن ابن عباس طعامه وهو في ذلك المعنى . وروي عنه أنه قال : طعامه ما ملح منه وبقي ، وقاله معه جماعة . وقال قوم : طعامه ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات وغيره .
الثالثة : قال أبو حنيفة : لا يؤكل السمك الطافي ويؤكل ما سواه من السمك ، ولا يؤكل شيء من حيوان البحر إلا السمك ، وهو قول الثوري في رواية أبي إسحاق الفزاري عنه . وكره الحسن أكل الطافي من السمك . وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه{[5994]} أنه كرهه ، وروي عنه أيضا أنه كره أكل الجري{[5995]} وروي عنه أكل ذلك كله وهو أصح . ذكره عبدالرزاق عن الثوري عن جعفر بن محمد عن علي قال : الجراد والحيتان ذكيٌّ . فعليٌّ مختلف عنه في أكل الطافي من السمك ولم يختلف عن جابر{[5996]} أنه كرهه ، وهو قول طاوس ومحمد بن سيرين وجابر بن زيد ، واحتجوا بعموم قوله تعالى : " حرمت عليكم الميتة " [ المائدة : 3 ] . وبما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ كلوا ما حسر{[5997]} عنه البحر وما ألقاه وما وجدتموه ميتا أو طافيا فوق الماء فلا تأكلوه ] . قال الدارقطني : تفرد به عبدالعزيز بن عبيدالله عن وهب بن كيسان عن جابر ، وعبدالعزيز ضعيف لا يحتج به . وروى سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه . قال الدارقطني : لم يسنده عن الثوري غير أبي أحمد الزبيري وخالفه وكيع والعدنيان{[5998]} وعبدالرزاق ومؤمل وأبو عاصم وغيرهم رووه عن الثوري موقوفا وهو الصواب . وكذلك رواه أيوب السختياني ، وعبيدالله بن عمر وابن جريح ، وزهير وحماد بن سلمة وغيرهم عن أبي الزبير موقوفا . قال أبو داود : وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الدارقطني : وروي عن إسماعيل بن أمية وابن أبي ذئب عن أبي الزبير مرفوعا ، ولا يصح رفعه ، رفعه يحيى بن سليم عن إسماعيل بن أمية ووقفه غيره . وقال مالك والشافعي وابن أبي ليلى والأوزاعي والثوري في رواية الأشجعي : يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب ، وسائر ما في البحر من الحيوان ، وسواء اصطيد أو وجد ميتا ، واحتج مالك ومن تابعه بقوله عليه الصلاة والسلام في البحر : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] وأصح ما في هذا الباب من جهة الإسناد حديث جابر في الحوت الذي يقال له : [ العنبر ] وهو من أثبت الأحاديث خرجه الصحيحان . وفيه : فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : [ هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا ] فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله . لفظ مسلم . وأسند الدارقطني عن ابن عباس أنه قال أشهد على أبي بكر أنه قال : السمكة الطافية حلال لمن أراد أكلها . وأسند عنه أيضا أنه قال : أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء . وأسند عن أبي أيوب أنه ركب البحر في رهط من أصحابه ، فوجدوا سمكة طافية على الماء فسألوه عنها فقال : أطيبة هي لم تتغير ؟ قالوا : نعم قال : فكلوها وارفعوا نصيبي منها ، وكان صائما . وأسند عن جبلة بن عطية أن أصحاب أبي طلحة أصابوا سمكة طافية فسألوا عنها أبا طلحة فقال : اهدوها إلي . وقال عمر بن الخطاب : الحوت ذكي والجراد ذكي كله . رواه عنه الدارقطني فهذه الآثار ترد قول من كره ذلك وتخصص عموم الآية ، وهو حجة للجمهور ، إلا أن مالكا كان يكره خنزير الماء من جهة اسمه ولم يحرمه وقال : أنتم تقولون خنزيرا ! وقال الشافعي : لا بأس بخنزير الماء وقال الليث : ليس بميتة البحر بأس . قال : وكذلك كلب الماء وفرس الماء . قال : ولا يؤكل إنسان الماء ولا خنزير الماء .
الرابعة : اختلف العلماء في الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم أم لا ؟ فقال مالك وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم : كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو صيد البر ، إن قتله المحرم وداه ، وزاد أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان . الضفادع وأجناسها حرام عند أبي حنيفة ولا خلاف عن الشافعي في أنه لا يجوز أكل الضفدع ، واختلف قوله فيما له شبه في البر مما لا يؤكل كالخنزير والكلب وغير ذلك . والصحيح أكل ذلك كله ؛ لأنه نص على الخنزير في جواز أكله ، وهو له شبه في البر مما لا يؤكل . ولا يؤكل عنده التمساح ولا القرش{[5999]} والدلفين ، وكل ما له ناب لنهيه عليه السلام عن أكل كل ذي ناب . قال ابن عطية : ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر ، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في " المدونة " فإنه قال : الضفادع من صيد البحر . وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه ، وهو أنه يراعي أكثر عيش الحيوان . سئل عن ابن الماء أصيد بر هو أم صيد بحر ؟ فقال : حيث يكون أكثر فهو منه ، وحيث يفرخ فهو منه ، وهو قول أبي حنيفة . والصواب في ابن الماء أنه صيد بر يرعى ويأكل الحب . قال ابن العربي : الصحيح في الحيوان الذي يكون في البر والبحر منعه ؛ لأنه تعارض فيه دليلان ، دليل تحليل ودليل تحريم ، فيغلب دليله التحريم احتياطا . والله أعلم .
الخامسة : قوله تعالى : " وللسيارة " فيه قولان : أحدهما للمقيم والمسافر كما جاء في حديث أبي عبيدة أنهم أكلوه وهم مسافرون وأكل النبي صلى الله عليه وسلم وهو مقيم ، فبين الله تعالى أنه حلال لمن أقام ، كما أحله لمن سافر . الثاني : أن السيارة هم الذين يركبونه ، كما جاء في حديث مالك والنسائي : أن رجلا سأله النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء ، فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ بماء البحر ؟ فقاله النبي صلى الله عليه وسلم : [ هو الطهور ماؤه الحل ميتته ] قال ابن العربي قال علماؤنا : فلو قال له النبي صلى الله عليه وسلم [ نعم ] لما جاز الوضوء به إلا عند خوف العطش ؛ لأن الجواب مرتبط بالسؤال ، فكان يكون محالا عليه ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ابتدأ تأسيس القاعدة ، وبيان الشرع فقال : ( هو الطهور ماؤه الحل ميتته ) .
قلت : وكان يكون الجواب مقصورا عليهم لا يتعدى لغيرهم ، لولا ما تقرر من حكم الشريعة أن حكمه على الواحد حكمه على الجميع ، إلا ما نص بالتخصيص عليه ، كقوله لأبي بردة في العناق : [ ضح بها ولن تجزئ عن أحد غيرك ] .
السادسة : قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " التحريم ليس صفة للأعيان ، إنما يتعلق بالأفعال فمعنى قوله : " وحرم عليكم صيد البر " أي فعله الصيد ، وهو المنع من الاصطياد ، أو يكون الصيد بمعنى المصيد ، على معنى تسمية المفعول بالفعل كما تقدم ، وهو الأظهر لإجماع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم قبول صيد وهب له ، ولا يجوز له شراؤه ولا اصطياده ولا استحداث ملكه بوجه من الوجوه ، ولا خلاف بين علماء المسلمين في ذلك ؛ لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " ولحديث الصعب بن جثامة على ما يأتي .
السابعة : اختلف العلماء فيما يأكله المحرم من الصيد فقال مالك والشافعي وأصحابهما وأحمد وروي عن إسحاق ، وهو الصحيح عن عثمان بن عفان : إنه لا بأس بأكل المحرم الصيد إذا لم يصد له ، ولا من أجله ، لما رواه الترمذي والنسائي والدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : [ صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يُصد لكم ] قال أبو عيسى : هذا أحسن حديث في الباب ؛ وقال النسائي : عمرو بن أبي عمرو ليس بالقوي في الحديث ، وإن كان قد روى عنه مالك . فإن أكل من صيد صيد من أجله فداه . وبه قال الحسن بن صالح والأوزاعي ، واختلف قول مالك فيما صيد لمحرم بعينه . والمشهور من مذهبه عند أصحابه أن المحرم لا يأكل مما صيد لمحرم معين أو غير معين ولم يأخذ بقوله عثمان لأصحابه حين أتي بلحم صيد وهو محرم : كلوا فلستم مثلي لأنه صيد من أجلي ، وبه قالت طائفة من أهله المدينة ، وروي عن مالك . وقال أبو حنيفة وأصحابه : أكل الصيد للمحرم جائز على كل حال إذا اصطاده الحلال ، سواء صيد من أجله أو لم يصد لظاهر قوله تعالى : " لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم " فحرم صيده وقتله على المحرمين ، دون ما صاده غيرهم . واحتجوا بحديث البهزي واسمه زيد بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في حمار الوحش العقير أنه أمر أبا بكر فقسمه في الرفاق ، من حديث مالك وغيره . وبحديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه [ إنما هي طعمة أطعمكموها الله ] . وهو قول عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان في رواية عنه ، وأبي هريرة والزبير بن العوام ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير . وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وابن عمر أنه لا يجوز للمحرم أكل صيد على حال من الأحوال ، سواء صيد من أجله أو لم يصد ؛ لعموم قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما " . قال ابن عباس : هي مبهمة وبه قال طاوس وجابر بن زيد أبو الشعثاء وروي ذلك عن الثوري وبه قال إسحاق . واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الليثي ، أنه أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فلما أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما في وجهي قال : [ إنا لم نرده عليك إلا إنا حُرُم ] خرجه الأئمة واللفظ لمالك . قال أبو عمر : وروى ابن عباس من حديث سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس عنه ، أن الصعب بن جثامة أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحم حمار وحش ، وقال سعيد بن جبير في حديثه : عجز حمار وحش فرده يقطر دما كأنه صيد في ذلك الوقت . وقال مقسم في حديثه رجل حمار وحش . وقال عطاء في حديثه : أهدى له عضد صيد فلم يقبله وقال : [ إنا حرم ] ، وقال طاوس في حديثه : عضدا من لحم صيد . حدث به إسماعيل عن علي بن المديني{[6000]} ، عن يحيى بن سعيد عن ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاوس ، عن ابن عباس ، إلا أن منهم من يجعله عن ابن عباس عن زيد بن أرقم . قال إسماعيل : سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه صيد من أجله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولولا ذلك لكان أكله جائزا . قال سليمان : ومما يدل على أنه صيد من أجل النبي صلى الله عليه وسلم قولهم في الحديث : فرده يقطر دما كأنه في ذلك الوقت . قال إسماعيل : إنما تأول سليمان هذا الحديث لأنه يحتاج إلى تأويل . فأما رواية مالك فلا تحتاج إلى التأويل ؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدا حيا ولا يذكيه . قال إسماعيل : وعلى تأويل سليمان بن حرب تكون الأحاديث المرفوعة كلها غير مختلفة فيها{[6001]} إن شاء الله تعالى .
الثامنة : إذا أحرم وبيده صيد أو في بيته عند أهله فقال مالك : إن كان في يده فعليه إرساله ، وإن كان في أهله فليس عليه إرساله . وهو قول أبي حنيفة وأحمد بن حنبل . وقال الشافعي في أحد قوليه : سواء كان في يده أو في بيته ليس عليه أن يرسله . وبه قال أبو ثور ، وروي{[6002]} عن مجاهد وعبدالله بن الحارث مثله وروي عن مالك . وقال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي في القول الآخر : عليه أن يرسله ، سواء كان في بيته أو في يده فإن لم يرسله ضمن . وجه القول بإرساله قوله تعالى : " وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما " وهذا عام في الملك والتصرف كله . ووجه القول بإمساكه : أنه معنى لا يمنع من ابتداء الإحرام فلا يمنع من استدامة ملكه ، أصله النكاح .
التاسعة : فإن صاده الحلال في الحل فأدخله الحرم جاز له التصرف فيه بكل نوع من ذبحه ، وأكل لحمه . وقال أبو حنيفة : لا يجوز . ودليلنا أنه معنى يفعل في الصيد فجاز في الحرم للحلال ، كالإمساك والشراء ولا خلاف فيها .
العاشرة : إذا دل المحرم حِلاً على صيد فقتله الحلال اختلف فيه ، فقال مالك والشافعي وأبو ثور : لا شيء عليه ، وهو قول ابن الماجشون . وقال الكوفيون وأحمد وإسحاق وجماعة من الصحابة والتابعين : عليه الجزاء ؛ لأن المحرم التزم بإحرامه ترك التعرض ، فيضمن بالدلالة كالمودع إذا دل سارقا على سرقة .
الحادية عشرة : واختلفوا في المحرم إذا دل محرما آخر ، فذهب الكوفيون وأشهب من أصحابنا إلى أن على كله واحد منهما جزاء . وقال مالك والشافعي وأبو ثور : الجزاء على المحرم القاتل ؛ لقوله تعالى : " ومن قتله منكم متعمدا " فعلق وجوب الجزاء بالقتل ، فدل على انتفائه بغيره ؛ ولأنه دال فلم يلزمه بدلالته غرم كما لو دل الحلال في الحرم على صيد في الحرم . وتعلق الكوفيون وأشهب بقوله عليه السلام في حديث أبي قتادة : [ هل أشرتم أو أعنتم ] ؟ وهذا يدل على وجوب الجزاء . والأول أصح . والله أعلم .
الثانية عشرة : إذا كانت شجرة نابتة في الحل وفرعها في الحرم ، فأصيب ما عليه من الصيد ففيه الجزاء ؛ لأنه أخذ في الحرم ، وإن كان أصلها في الحرم وفرعها في الحل فاختلف علماؤنا فيما أخذ عليه على قولين : الجزاء نظرا إلى الأصل ، ونفيه نظرا إلى الفرع .
الثالثة عشرة : قوله تعالى : " واتقوا الله الذي إليه تحشرون " تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم ، ثم ذكر بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير . والله أعلم .
قوله تعالى : { اُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } يخاطب الله المؤمنين ليبين لهم تحليل صيد البحر ، وهو المصيد . أي ما صيد من الماء سواء كان بحراً أو نهراً أو غديراً أو نحو ذلك من أشكال المياه التي تتوالد فيها الأحياء المائية .
قوله : { وَطَعَامُهُ } أي ما يطعم من صيده . وهو عطف على { صَيْدُ } وهو من عطف الخاص على العام . أي أحل لكم جميع ما يصاد في المياه والانتفاع به وكل ما يؤكل منه .
وجملة ما يصاد من البحر ثلاثة أنواع : الأسماك بكل أنواعها ، فهي حلال . والضفادع بكل أنواعها فهي حرام . وما سوى هذين النوعين .
وفيه خلاف بين العلماء . فهو عند الحنفية حرام أكله . فإنما يحل عندهم أكل الأسماك دون غيرها مما حواه البحر من حيوان . خلافاً لابن أبي ليلى من الحنفية إذ يحل عنده أكل جميع حيوانات البحر . فقد جعل الضمير في قوله : { وَطَعَامُهُ } راجعاً إلى صيد البحر وليس البحر . أي يحل لكم صيد حيوان البحر وأن تطعموه وتأكلوه . وهو قول المالكية والشافعية والأوزاعي والثوري . فقد ذهب هؤلاء إلى أنه يؤكل كل ما في البحر من السمك والدواب وسائر ما في البحر من الحيوان ، وسواء اصطيد أو وجد ميتاً . واحتجوا بقوله عليه الصلاة والسلام : " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " وفي الحوت أخرج الصحيحان عن جابر قال : لما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال : " هو رزق أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمه شيء فتطعمونا " فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله .
أما السمك الطافي في البحر فهو حلال أكله عند الشافعية . وهو مروي عن أبي بكر وعمر وابن عباس ، وذلك لعموم قوله تعالى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البَحْرِ وَطَعَامُهُ } وكذا عموم الخبر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " .
وعند الحنفية : لا يؤكل السمك الطافي ، ويؤكل ما سواه من السمك دون غيره من سائر الحيوان . وكرهه كثير من أهل العلم لعموم قوله تعالى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ } ولما رواه أبو داود والدارقطني عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كلوا ما حسر عنه البحر . وما ألقاه وما وجدتموه ميتاً أو طافياً فوق الماء فلا تأكلوه " .
قوله : { مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ } متاعاً منصوب على المصدر . وقيل : مفعول لأجله . أي أحل لكم تمتيعاً لكم( {[1076]} ) أي أحل الله لكم صيد البحر منفعة لمن كان منكم مقيماً أو حاضراً في بلده فيستمتع بأكله . وكذلك منفعة ومتعة للسيارة وهم السائرون المسافرون من بلد إلى بلد ومن أرض إلى أرض . إذ يتزودونه في سفرهم . والسيارة جمع سيار . أي يستمتع به المقيمون فيأكلونه طريّاً ويستمتع به المسافرون إذ يتزودونه قديداً مالحاً .
قوله : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } فقد حرم الله بهذه الآية على المحرم كل معاني صيد البر من اصطياد وأكل وقتل وبيع وشراء وإمساك وتملك . وصيد البر ما صيد فيه مما يتوالد فيه . وإن كان يعيش في البر تارة وفي الماء تارة أخرى فذلك كله صيد البر . وذلك كالسلحفاة والسرطان والضفدع وطير الماء . ويجب على قاتله الجزاء .
أما الصيد الذي يصيده الحلال هل يحل للمحرم ؟ ثمة أقوال في ذلك :
القول الأول : عدم جواز أكل الصيد للمحرم بالكلية والمنع من ذلك مطلقاً وذلك لعموم الآية { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } وقد ذهب إلى ذلك علي وابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير وطاووس والثوري . فقد قالوا : صيد البر يدخل فيه ما اصطاده المحرم وما اصطاده الحلال . وكل ذلك صيد البر .
القول الثاني : إباحته للمحرم مطلقاً ، أي على كل حال ، إذا اصطاده الحلال سواء صيد من أجله أو لا . وقد روي هذا القول عن عمر بن الخطاب وأبي هريرة والزبير بن العوام وكعب الأحبار ومجاهد وسعيد بن جبير . وهو قول الحنفية . وذلك لظاهر قوله : { لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } فحرم صيده وقتله على المحرمين دون ما صاده غيرهم .
القول الثالث : إن كان الحلال قد قصد المحرم بذلك الصيد فإنه لا يجوز أكله للمحرم . وهو قول المالكية والشافعية والحنبلية وآخرين . ودليلهم ما أخرجه الصحيحان عن الصعب بن جثامة أنه أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشيّاً وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال : " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرام " أما إذا لم يقصده بالاصطياد فإنه يجوز له الأكل منه . وذلك لحديث أبي قتادة حين صاد حماراً وحشيّاً وكان حلالاً لم يحرم وكان أصحابه محرمين فتوقفوا في أكله ثم سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " هل كان منكم أحد أشار إليها وأعان في قتلها " قالوا : لا . قال : " فكلوا " وأكل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولو أحرم وبيده صيد بر أو كان في بيته عند أهله ، فإن كان في يده لزمه إرساله . وإن كان في أهله فليس عليه إرساله . وهو قول الحنفية والحنبلية والمالكية . وعند الشافعي في أحد قوليه ليس عليه إرساله سواء كان في يده أو في بيته . وهو مروي عن مالك . وقيل : عليه أن يرسله سواء كان في بيته أو في يده ، فإن لم يرسله ضمن . وهو قول ابن أبي ليلى والثوري . والقول الثاني للشافعي . وذلك لقوله : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً } وهذا عام في الملك والتصرف .
ولو دل المحرم محرماً آخر على الصيد فقتله فقد وجب على كل واحد منهما جزاء وهو قول الحنفية وأشهب من المالكية . وقيل : الجزاء على المحرم القاتل . وهو قول المالكية والشافعية لظاهر قوله تعالى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُم مُّتَعَمِّداً } فعلق وجوب الجزاء بالقتل فانتفى بغيره .
قوله : { وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } أي احذروا واجتنبوا ما نهاكم الله عنه من الصيد والمعاصي كشرب الخمر والمقامرة واعتقاد الأنصاب والأزلام . فإنكم صائرون إلى الله فيعذب من يعصيه ويستنكف عن طاعته وعبادته( {[1077]} ) .