معذرة إلى ربكم : اعتذروا إلى ربكم .
وقد انقسم سكان القرية إلى ثلاث فرق : فرقة كانت تحتال على صيد السمك يوم السبت الذي حُرّم عليهم الصيد فيه ، وفرقة كانت تحذِر هؤلاء العصاة مغبَّة عملهم واحتيالهم وتنكر عليهم ذلك ، وفرقة أخرى تقول لهؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر : ما فائدة تحذيركم لهؤلاء العصاة ، وهم لا يرجعون عن غيِّهم وعصيانهم ؟ لقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب ! وذلك قوله تعالى :
{ وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً . . . } .
وإذ قالت جماعة من صلَحاء أسلافهم لمن يعظون أولئك الأشرار ، لأي سبب تنصحون قوماً سيهلكهم الله بسبب ما يرتكبون من مخالفات ، أو يعذّبهم في الآخرة عذابا شديدا ؟ لم تعدْ هناك جدوى لنصحهم وتحذيرهم .
قالوا : لقد وعظناكم اعتذاراً إلى الله ، وأدّينا واجبنا نحوه ، لئلا نُنسَب إلى التقصير ، ولعلّ النصح يؤثر في تلك القلوب العاصية فَيَسْتثيرُ فيها وِجدان التقوى .
ويكون المعنى في قوله تعالى : " وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا " أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم : إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا ؟ فمسخهم الله قردة .
قوله تعالى : " قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون " أي قال الواعظون : موعظتنا إياكم معذرة إلى ربكم{[7436]} ؛ أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون . أسند هذا القول الطبري عن ابن الكلبي . وقال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق ، وهو الظاهر من الضمائر في الآية . فرقة عصمت وصادت ، وكانوا نحوا من سبعين ألفا . وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص ، وإن هذه الطائفة قالت للناهية : لم تعظون قوما - تريد العاصية - الله مهلكهم أو معذبهم على غلبة الظن ، وما عهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية . فقالت الناهية : موعظتنا معذرة إلى الله لعلهم يتقون . ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية : ولعلكم تتقون ، بالكاف . ثم اختلف بعد هذا . فقالت فرقة : إن الطائفة التي لم تنه ولم تعص هلكت مع العاصية عقوبة على ترك النهي . قاله ابن عباس . وقال أيضا : ما أدري ما فعل بهم ؛ وهو الظاهر من الآية . وقال عكرمة : قلت لابن عباس لما قال ما أدري ما فعل بهم : ألا ترى أنهم قد كرهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا : لم تعظون قوما الله مهلكهم ؟ فلم أزل به حتى عرفته أنهم قد نحوا ، فكساني حلة . وهذا مذهب الحسن . ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غير قوله : " وأخذنا الذين ظلموا " [ الأعراف : 165 ] . وقوله : " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت{[7437]} " [ البقرة : 65 ] الآية . وقرأ عيسى وطلحة " معذرة " بالنصب . ونصبه عند الكسائي من وجهين : أحدهما على المصدر . والثاني على تقدير فعلنا ذلك معذرة . وهي قراءة حفص عن عاصم . والباقون بالرفع : وهو الاختيار ؛ لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا من أمر ليموا عليه ، ولكنهم قيل لهم : لم تعظون ؟ فقالوا : موعظتنا معذرة . ولو قال رجل لرجل : معذرة إلى الله وإليك من كذا ، يريد اعتذارا لنصب . هذا قول سيبويه . ودلت الآية على القول بسد الذرائع . وقد مضى في ( البقرة ) . ومضى فيها الكلام في الممسوخ هل ينسل أم لا ، مبينا{[7438]} . والحمد لله . ومضى في آل عمران والمائدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر{[7439]} . ومضى في ( النساء{[7440]} ) اعتزال أهل الفساد ومجانبتهم ، وأن من جالسهم كان مثلهم ، فلا معنى للإعادة .
قوله تعالى : { وإذ قالت أمة منهم ولم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون 164 فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون 165 فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين } الأمة ، هنا بمعنى الجماعة . وهو في اللفظ واحد وفي المعنى جمع . وكل جنس من الحيوان أمة{[1557]} . وفي الحديث : ( لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقلتها كلما ، فاقتلوا منها الأسود البهيم ) رواه أبو داود والترمذي عن هبد اله بن مغفل . حديث صحيح . والبهيم ، الذي لا يخلط لونه شيء سوى لونه ، والجمع بهم{[1558]} . وفي تأويل الآية قال جمهور المفسرين : إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فرق : فرقة عصت أمر ربها وصادت السمك وكانوا نحوا من سبعين ألفا ، وفرقة نهت واعتزلت ، وكانوا ألفا . وفرقة اعتزلت ولم تنه ولم تعص . وأن هذه الطائفة قالت للناهية : { ولم تعظون قوما } –أي الفرقة العاصية- { الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا } بسبب فسقهم وعصيانهم ؟ فقالت الناهية : { معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } معذرة ، بالنصب على أنه مفعول لأجله . وبالرفع على أنه مبتدأ محذوف . وتقديره : موعظتنا معذرة{[1559]} و { معذرة إلى ربكم } ، أي موعظتنا إبلاء إلى الله ، ولئلا ننسب في النهي عن المنكر إلى بعض التفريط { ولعلهم يتقون } أي ولطعمنا في أن يتقوا الله فينتهوا عن عصيانه . ولما وقع غضب الله على الطائفة الفاسقة العاتية ، نجت الطائفتان الأخريان اللتان قالوا : { لم تعظون قوما الله مهلكهم } ، والذين قالوا : { معذرة إلى ربكم } ، وأهلك الله الذين عصوه وفسقوا عن أمره وصادوا الحيتان ؛ فمسخهم قردة وخنازير .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.