اذكر أيها الرسول ، أيضا كيف كان الله يريكم أعداءكم قلّة عند التلاقي ليشد من عزمكم ، وتقاتلوهم بجرأة وثبات ، كما يُظهركم في أعينهم قلّة ، زيادةً في الغرور بكثرتهم حتى قال أبو جهل : إنما أصحاب محمد أكلة جزور ، يعني يكفيهم جزور واحد لقلّتهم . وذلك ليتم أمرٌ علمه الله ، وكان لا بد أن يتم . وإلى الله ترجع الأمور كلها فلا ينفُذُ إلا ما قضاه وهيّأ أسبابه بعدْله وحكمته .
قوله تعالى : " وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا " هذا في اليقظة . يجوز حمل الأولى على اليقظة أيضا إذا قلت : المنام موضع النوم ، وهو العين ، فتكون الأولى على هذا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه للجميع . قال ابن مسعود : قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر : أتراهم سبعين ؟ فقال : هم نحو المائة . فأسرنا رجلا فقلنا : كم كنتم ؟ فقال : كنا ألفا . " ويقللكم في أعينهم " كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم : إنما هم أكلة جزور{[7735]} ، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال . فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا ، كما قال : " يرونهم مثليهم رأي العين " [ آل عمران{[7736]} : 13 ] بيانه . " ليقضي الله أمرا كان مفعولا " تكرر هذا ، لأن المعنى في الأول من اللقاء ، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين ، وهو إتمام النعمة على المسلمين . " وإلى الله ترجع الأمور " أي مصيرها ومردها إليه .
قوله تعالى : { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور } الضميران الكاف والهاء مفعولان . والمعنى : { وإذ يبصركم الله إياهم { قليلا } أي قللهم في أعينكم تصديقا لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولتزدادوا يقينا فتحملوا عليهم بجراءة وجد . قال ابن مسعود ( رضي الله عنه ) : لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي : أتراهم سبعين ؟ قال : أراهم مائة . فأسرنا رجلا منهم . فقلنا له : كم كنتم ؟ قال ؟ ألفا .
وكذلك قلل الله المسلمين في أعين الكافرين . وهو قوله : { ويقللكم في أعينهم } حتى قال قائل من المشركين عن المسلمين : إنما هم أكلة جزور .
على أن الغرض من تقليل الكافرين في أعين المسلمين ظاهر . أما الغرض من تقليل المسلمين في أعين الكافرين : فوجهه أن الله قللهم في أعين الكافرين قبل اللقاء ؛ كيلا يبالوا بهم فيجترؤوا عليهم . ثم كثرهم الله بعد ذلك لتفجأ كثرتهم المشركين فيبهتوا ويهابوا فتميد شوكتهم ويفل جمعهم فيولوا الأدبار بعد ما رأوا ما لم يكن في حسبانهم .
قوله : { ليقضي الله أمر كان مفعولا } تكررت هذه الآية ؛ فقد ذكرت في الآية المتقدمة . والمقصود من ذكرنا هنا البيان من الله أنه قلل عدد المؤمنين في أعين المشركين ليصير ذلك سببا في أن لا يبالغ المشركين في تحصيل الاستعداد والحذر . وذلك سيفضي إلى هزيمتهم وإعزاز الإسلام والمسلمين .
قوله : { وإلى الله ترجع الأمور } مصير الأمور كلها إلى الله يوم القيامة . وحينئذ يجازي الله العباد بما علموا من إحسان وإساءة{[1670]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.