إن ربكم ، الذي هو رب كل شيء ، هو الذي جعلكم خلفاء للأمم السابقة في عمارة الكون ، ورفعَ بعضَكم فوق بعض درجات في الكمال المادّيّ والمعنويّ ، ليختبركم فيما أعطاكم من النعم كيف تشكرونها ، وفيما آتاكم من الشرائع كيف تعملون بها . لكنه سريع العقاب للمخالفين العاصين .
وهو سبحانه على سرعة عقابه وشديد عذابه للمشركين المخالفين ، غفورٌ للتوابين رحيم بالمؤمنين المحسنين ، فلقد سبقت رحمتُه غضبَه ، ووسعتْ كل شيء .
خلاصة ما اشتملت عليه سورة الأنعام من العقائد والأحكام :
1- العقائد وأدلتها ، بأسلوب يجمع بين الإقناع والتأثير ، كبيان صفات الله بذكر أفعاله وسُنته في الخلق ، وآياتهِ في الأنفس والآفاق ، وتأثير العقائد في الأعمال ، مع إيراد الحقائق بطريق الجدَل والمناظرة ، أو على طريق السؤال والجواب ، وفي أثناءِ ذلك يأتي الردّ على شبهات المشركين .
2- الرسالة والوحي وتفنيد مكابرة المشركين للرسول صلى الله عليه وسلم ، وإلزامهم الحجة بآية الله الكبرى ، وهي القرآن .
3- البعث والجزاء والوعد الوعيد ، بذِكر ما يقع يوم القيامة من العذاب للمجرمين ، والبشارة للمتقين بالفوز والنعيم . هذا مع ذكر عالم الغيب من الملائكة والجن والشياطين والجنة والنار . وقد كان العرب كغيرهم من الأمم يؤمنون بالملائكة وبوجود الجن ، ويعتقدون أنهم يظهرون لهم أحياناً في صورة الغِيلان فيسمعون أصواتهم ، وأنهم يُلقون الشعرَ في هواجس الشعراء .
4- أصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب ، والنهي عن الرذائل ، وأن دين الله واحد ، لكنه تم تفريقُه بالمذاهب والأهواء ، وأن سعادة الناس وشقاءهم من أعمالهم النفسيّة والبدنية ، وأن الجزاء على الأعمال يكون بحسب تأثيرها في الأنفس ، فالجزاء على السيئة سيئة مثلها ، وعلى الحسنة عشرة أمثالها ، ولا يحمل أحد ذنْب غيره . ثم يأتي الترغيب في معرفة الكون والإرشاد إلى معرفة سنُن الله فيه ، وآياته الكثيرة الدالّة على علمه وقدرته ، وأن التوبة الصحيحة مع ما يلزمها من العمل الصالح موجبة لمغفرة الذنوب . وابتلاء الناس بعضهم ببعض ، ليتنافسوا في العلوم والأعمال النافعة ، وإعلاء كلمة الحق .
قوله تعالى : " وهو الذي جعلكم خلائف الأرض " " خلائف " جمع خليفة ، ككرائم جمع كريمة . وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة . أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة . قال الشماخ :
تصيبهم وتُخطئُني المنايا *** وأخلُف في رُبوع عن ربوعِ
" ورفع بعضكم فوق بعض " في الخلق . الرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم . " درجات " نصب بإسقاط الخافض ، أي إلى درجات . " ليبلوكم " نصب بلام كي . والابتلاء الاختبار ، أي ليظهر منكم ما يكون غايته التواب والعقاب . ولم يزل بعلمه غنيا ، فابتلى الموسر بالغنى وطلب منه الشكر ، وابتلى المعسر بالفقر وطلب منه الصبر . ويقال : " ليبلوكم " أي بعضكم ببعض . كما قال : " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة{[6983]} " [ الفرقان : 20 ] على ما يأتي بيانه . ثم خوفهم فقال : " إن ربك سريع العقاب " لمن عصاه . " وإنه لغفور رحيم " لمن أطاعه . وقال : " سريع العقاب " مع وصفه سبحانه بالإمهال ، ومع أن عقاب النار في الآخرة ؛ لأن كل آت قريب ؛ فهو سريع على هذا . كما قال تعالى : " وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب{[6984]} " [ النحل : 77 ] . وقال " يرونه بعيدا . ونراه قريبا{[6985]} " [ المعارج : 6 ، 7 ] . ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا ، فيكون تحذيرا لمواقع{[6986]} الخطيئة على هذه الجهة . والله أعلم .
[ تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا ]{[6987]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.