تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

الظهور : جمع ظهر وهو معروف .

الذرية : سلالة الإنسان من ذكور وإناث .

بيّن الله هنا هداية بني آدم بنصْب الأدلّة في الكائنات ، بعد أن بينها عن طريق الرسل والكتب ، فقال : واذكر أيها النبيّ للناس حين أخرج ربُّك من أصلاب بني آدم ما يتوالدون قرنا بعد قرن ، ثم نصب لهم دلائل روبيّته في الموجودات ، وركّز فيهم عقولاً وبصائر يتمكّنون بها من معرفتها ، والاستدلال بها على التوحيد والربوبية ، فقال لهم : ألستُ بربكم ؟ فقالوا : بلى أنت ربنا شهِدنا بذلك على أنفِسنا . وإنما فعل الله هذا لئلا يقولوا يوم القيامة : إنّا كنّا عن هذا التوحيد غافلين .

وقد أكثرَ المفسرون الكلام في تفسير هذه الآية وأوردوا عدداً من الأحاديث والأقوال ، لكنه من الصعب الوثوق بها ، كما أنها غير صحيحة الإسناد .

وأحسنُ ما يقال : إن هذه الآية تعرِض قضية الفطرة في صورة مشهدٍ تمثيلي على طريقة القرآن الكريم . وإن مشهدّ الذرية المستكنّة في ظهور بني آدم قبل أن تظهر إلى العالم المشهود لمشهدٌ فريد حتى في عالَم الغيب . وهذه الذرية هي التي يسألها الخالق المربي : ألستُ بربكم ، فتعترف له بالربوبية وتقرّ له بالعبودية .

أما كيف كان هذا المشهد ؟ وكيف أخذ الله من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدَهم على أنفسهم ، وكيف خاطبهم- فكل هذه الأمور من المغيَّبات التي تخالف حياتنا الدنيا .

وأقربُ تفسير لأفهامنا أن هذا العهد الذي أخذه الله على ذرية بني آدم هو عهد الفطرة ، فقد أنشأهم مفطورين على الاعتراف له بالربوبية وحده ، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما من مولود إلا يولَد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصرّانه أو يمجّسِانه » أخرجه البخاري ومسلم .

وفي سورة [ الروم الآية : 30 ] { فِطْرَةَ الله التي فَطَرَ الناس عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله }

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

172 -174 وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ .

يقول تعالى : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ أي : أخرج من أصلابهم ذريتهم ، وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن .

و حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي : قررهم بإثبات ربوبيته ، بما أودعه في فطرهم من الإقرار ، بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم .

قالوا : بلى قد أقررنا بذلك ، فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم .

فكل أحد فهو مفطور على ذلك ، ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة ، ولهذا قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أي : إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم ، من أن اللّه تعالى ربكم ، خشية أن تنكروا يوم القيامة ، فلا تقروا بشيء من ذلك ، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم ، ولا عندكم بها علم ، بل أنتم غافلون عنها لاهون .

فاليوم قد انقطعت حجتكم ، وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ} (172)

قوله تعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين 172 أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون 173 وكذلك نفصل الآيات لعلهم يرجعون } إذ ، في موضع نصب بتقدير الفعل اذكر . و { من ظهورهم } ، بدل من بني آدم{[1572]} ، ذلك إخبار من الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم وخالقهم وأنه لا إله إلا هو ؛ فقد خلق الله الإنسان في الأصل على الفطرة ليجيء مؤمنا موحدا لا يعرف الشرك . لكن الإنسان قد تعثر فيما بعد . وذلك لما تبدلت يفه الفطرة الأصلية السليمة إلى أخرى مقلوبة أو مشهورة تشويها . وذلك بفعل المؤثرات الخارجية الكثيرة وبإيحاء من النوازع الشيطانية من الداخل . لا جرم أن العوامل الخارجية والمؤثرات التي تصطنعها أفكار الشياطين وأقلامهم لقلب الفطرة وتشويهها كثيرة وكبيرة . وهي متعثر متعددة وترى : ولا تقف عند نهاية أو حد بل إنها تزداد على مر الزمن ضراوة وفداحة وخبرة في تدمير الفطرة الأساسية للإنسان . الفطرة السليمة القويمة التي يجيء عليها الإنسان مبرأ من كل الأدران والأوضار النفسية والخلقية . ثم تستحيل فطرته بعد ذلك إلى فطرة ضالة ممسوخة متمردة على الله وعلى منهجه الحق بعد أن كانت سوية مؤمنة مخبتة إلى ربها إخباتا . وذلك كله بفعل العوامل الخبيثة التي برعت في إعدادها وتنشئتها أقلام الشياطين وأدمغتهم التي لا تفتر ولا تني عن الكيد للإنسان كيما ينقلب إلى إنسان مضلل شائه ممسوخ الطبع ، مقلوب الفطرة تمام . إنسان قد تزاحمت فيه ظواهر العتو والاستكبار والاغترار من الداخل فإذا هو عاث كنود بعد أن جيء به إلى هذه الدنيا مبرأ من كل العيوب . وفي هذا المعنى روي الصحيحان عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة ) وفي رواية ( على هذه الملة ؛ فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ؛ كما تولد بهيمة جمعاء{[1573]} هل تحسون فيها من جدعاء ) {[1574]} .

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله : إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ) .

أما كيف أخذ الله ذرية بني آدم من ظهورهم ؛ فهو موضع تفصيل كبير نقتضب منه ما قاله كثير من أهل العلم ومنهم الرازي والزمخشري ، وهو أن الله أخرجهم من أصلاب آبائهم ذرية . وكيفية ذلك : أنهم كانوا نطفة فأخرجهم الله تعالى في أرحام الأمهات ، ثم جعلها علقة ، ثم مضغة ، ثم جعلهم بشرا سويا وخلقا كاملا ، ثم أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته وعجائب خلقه . وبالإشهاد صاروا كأنهم قالوا بلى ، وإن لم يكن ثمة قول منطوق باللسان . وذلك مقتضى قوله سبحانه وتعالى : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا } .

وسئل ابن عباس عن تأويل هذه الآية فقال : لما خلق الله آدم عليه السلام أخذ ميثاقه فمسح ظهره فاخذ ذريته كهيئة الذر فكتب أجالهم وأرزقهم ومصائبهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى{[1575]} .

قوله : { أن تقولوا القيامة غنا كنا عن هذا غافلين } { أن تقولوا } ، في موضع نصب مفعول له ؛ أي فعلنا ذلك ، من نصب الأدلة الشاهدة على صحتها العقول ، كراهة أن تقولوا ، أو لئلا يقولوا{[1576]} . أي خلقكم الله على الفطرة والتوحيد وجعل فيكم كامل الاستعداد للإيمان بالله ثم أشهدكم على أنه خالقكم ومالككم ومعبودكم دون غيره فشهدتم ؛ إذ كنتم على الفطرة صادقين . غير مضللين ولا منحرفين . وذلك لئلا تقولوا يوم القيامة : { إنا كنا عن هذا غافلين } أي كنا غافلين عن وحدانية ربنا فضللنا


[1572]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 379.
[1573]:الجمعاء: الناقة الهرمة. وهي من البهائم: التي لم يذهب من بدنها شيء. انظر القاموس المحيط جـ 3 ص 15.
[1574]:الجدعاء: مقطوعة الأنف. انظر المعجم الوسيط جـ 1ص 110.
[1575]:تفسير الرازي جـ 5 ص 53 والكشاف جـ 2 ص 129 وتفسير الطبري جـ 9 ص 76.
[1576]:تقسير النسفي جـ 2ص 85 والبيان لابن الأنباري جـ 1 ص 379.