تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (7)

ألم تَرَ : ألم تعلم .

النجوى : المناجاة سراً بين اثنين فأكثر . الذين نهوا عن النجوى : اليهود والمنافقون .

ألم تعلم أيها الرسول أن الله تعالى يعلم ما في السموات وما في الأرض ، فلا يتناجى ثلاثةٌ إلا واللهُ معهم ، ولا خمسةٌ إلا هو سادسُهم ، يعلم ما يقولون وما يدبّرون ، ولا أقلّ من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم ، يعلم ما يتناجَون به أينما كانوا ، ثم يخبرهم يوم القيامة بكل ما عملوا { إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (7)

ثم أقام - سبحانه - الأدلة على شمول علمه فقال : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } .

والاستفهام فى قوله : { أَلَمْ تَرَ . . . } للتقرير ، والرؤية بمعنى العلم والإدراك القلبى . . . والخطاب لكل من هو أهل له .

والنجوى : اسم مصدر بمعنى المسارة ، يقال : نجوته نجوا ونجوى وناجيته مناجاة ، أى : ساررته بكلام على انفراد ، وأصله : أن تخلو بمن تناجيه بسر معين فى نجوة من الأرض ، أي : فى مكان مرتفع منفصل عما حوله .

وقيل : أصله من النجاة ، لأن الإسرار بالشيء فيه معاونة على النجاة .

وتطلق النجوى على القوم المتناجين ، كما فى الآية التى معنا .

قال الآلوسى : وقوله - تعالى - : { مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } استئناف مقرر لما قبله من سعة علمه - تعالى - ، و { يكون } من كان التامة . و { من } مزيدة و { نجوى } فاعل ، وإضافتها إلى ثلاثة من إضافة المصدر إلى فاعله . . . والإستثناء فى قوله { إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } مفرغ من أعم الأحوال . . .

والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك أو تردد ، أن الله - تعالى - يعلم علما تاما ، ما فى السموات وما فى الأرض من كائنات مختلفة الأجناس والأنواع . . وأنه - سبحانه - ما يقع من تناجى ثلاثة فيما بينهم إلا وهو تعالى - يعلمه ، كأنه حاضر معهم ، ومشاهد لهم ، كما يعلمه الرابع حين يكون معهم فى التناجى .

{ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ } أى : ولا يكون التناجى بين خمسة إلا وهو - سبحانه - معهم ، يعلم ما يتناجون به كما يعلم ذلك سادسهم فيما لو كان التناجي بين ستة .

وقوله - تعالى - : { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ } بيان لشمول علمه لجميع الأحداث .

أي : ولا يقع التناجي بين ما هو أقل من ذلك العدد أو أكثر - كالإثنين والستة - إلا وهو - سبحانه - يعلم علما تاما ما يجرى بينهم فى أي مكان كانوا ، وعلى أية حال وجدوا .

{ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ القيامة } أي : ثم يخبرهم - سبحانه - يوم القيامة بما عملوه فى الدنيا من أعمال كبيرة أو صغيرة ، ويجازيهم عليها بما يستحقونه من ثواب أو عقاب .

{ إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فهو - سبحانه - لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا فى السماء .

والمقصود بهذه الآية الكريمة ، بيان شمول علم الله - تعالى - لكل شىء ، وأنه - سبحانه - يحصى على الناس أعمالهم إحصاء الحاضر معهم ، المشاهد لهم ، الذي لا يعزب عنه شىء من حركاتهم أو سكناتهم ، ولذا افتتح - سبحانه - الآية بالعلم ، واختتمها بالعلم - أيضا - .

قال الإمام الرازى ما ملخصه : ذكر - سبحانه - الثلاثة والخمسة لوجوه : أحدها : أن هذه إشارة إلى كمال رحمته ، وذلك لأن الثلاثة إذا اجتمعوا ، فإذا أخذ اثنان فى التناجي والمشاورة بقي الواحد ضائعا وحيداً ، فيضيق قلبه فيقول الله - تعالى - له : أنا جليسك وأنيسك .

وثانيها : أن الآية نزلت في قوم من المنافقين ، اجتمعوا على التناجي مغايظة للمؤمنين ، وكانوا على هذين العددين : أي كانوا في مرة ثلاثة وفي مرة أخرى خمسة - فنزلت الآية الكريمة بيانا للواقع . ويبدو لنا أن ذكر العدد إنما هو من باب التمثيل ، وأن المقصود الأصلي من الآية الكريمة ، بيان أن علم الله - تعالى - يشمل كل كبير وصغير ، وكثير وقليل ، ولذا قال - سبحانه - : { وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ } .

قال القرطبى : قال الفراء : المعنى غير مقصود ، والعدد غير مقصودن لأنه - تعالى - إنما قصد - وهو أعلم - أنه مع كل عدد قل أو كثر ، يعلم ما يقولون سراً وجهراً ، ولا تخفى عليه خافية ، فمن أجل ذلك اكتفى بذكر بعض العدد ، دون بعض . .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (7)

قوله : { ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض } الله عليم بأخبار الكون كله ، فما من شيء ولا خبر ولا حدث ولا سر ولا علن إلا والله مطلع عليه ، خبير بحقيقة أمره .

قوله : { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم } من ، حرف جر زائد ويكون تامة ، ونجوى فاعل يكون . والنجوى بمعنى السرار وهي مصدر ، والنجو معناه السر بين اثنين . يقال نجوته نجوا ، أي ساررته . وانتجى القوم وتناجوا أي تساروا ، أو ناجى بعضهم بعضا{[4478]} وثلاثة ، مجرور بالإضافة ، أو مجرور على البدل ، أي ما يكون من متناجيين ثلاثة{[4479]} . والمعنى : ما يقع من سرار ثلاثة أو مسارّة ثلاثة إلا كان الله رابعهم يسمع إسرارهم وما يتناجون به { ولا خمسة إلا هو سادسهم } فليس من خمسة يتناجون بينهم في السر إلا كان الله سادسهم .

والعدد هنا غير مقصود . وإنما المراد التذكير بأن الله مع كل عدد من العباد قلّ العدد أو كثر . فالله يعلم ما يقولون أو يخفون أو يستسرون وهو قوله : { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } إن ذلكم خطاب كريم مؤثر ، وكلمات ربانية بلغية نفّاذة تثير في الأذهان والقلوب دوام اليقظة والحذر ، ليستيقن الإنسان أنه محوط بقدرة الله وسلطانه ، وأنه ينفذ إلى أعماقه علم الله المحيط ، فلا يخفى عليه من أخباره أو أسراره شيء . ويوم القيامة يخبرهم الله بما قدموه في الدنيا من عمل ، خيرا أو شرا ليجدوا في مقابلة الجزاء . قوله { إن الله بكل شيء عليم } الله عليم بأخبار الكون كله ولا يغيب عن علمه شيء من أخبار العباد وما قدموه من عمل{[4480]} .


[4478]:مختار الصحاح ص 648 والمصباح المنير جـ 2 ص 262.
[4479]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 427.
[4480]:فتح القدير جـ 5 ص 186 والكشاف جـ 4 ص 73.