تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته  
{أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ} (7)

1

المفردات :

ألم تر : ألم تعلم .

ما يكون : ما يوجد .

النجوى : التناجي والمسارة ، وقد تستعمل في المتناجين ، كما قال تعالى : { وإذ هم نجوى } . . ( الإسراء : 47 ) . أي : أصحاب نجوى

التفسير :

7- { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

تشير الآية إلى علم الله الواسع ، ورقابته وشهادته وحضوره بالرؤية والمعية المعنوية ، فهو سبحانه منزه عن الكم والكيف ، ومنزه عن أن يكون جسما أو حالا في جسم ، فمعية الله للبشر معية رقابة ومشاهدة ، وعلم واطلاع ، وهو سبحانه لا يحل في مكان ، ولا يمر عليه زمان ، وكل من المكان والزمان من خلقه تعالى ، فلا يجتمع ثلاثة إلا كان رابعهم ، ولا خمسة إلا كان سادسهم ، ولا أقل من ذلك العدد ولا أكثر منه ، إلا هو معهم بعلمه وشهادته ، ثم يخبرهم بأعمالهم التي عملوها يوم القيامة ، فهو سبحانه محيط بكل كلام ، عليم بكل شيء .

أما لماذا خص العدد بذكر ثلاثة أو خمسة أو أقل أو أكثر ، فهو مجرد مثال ، والعدد غير مقصود ، لأنه تعالى يعلم ما فوق ذلك وما دون ذلك ، لكنه على طريقة القرآن في إبراز المعنى المجرد ماثلا في صور ملموسة محسوسة ، صورة أشخاص يتناجون ، اثنان كل منهما يقاوم الآخر ، وثالث يكون بمنزلة الحكم ، فالله تعالى مطلع ومشاهد لهذه المجموعة ، أو لمجموعة أكثر منها أو أقل منها ، إنه محيط بالأفراد والجماعات ، وبالعائلات والأسر والبلاد ، وهو سبحانه بكل شيء عليم ، وبهذا العلم المحيط يحاسب عباده يوم القيامة .

قال تعالى : { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب } . ( التوبة : 78 ) .

ولعلنا نلمح من الآية أن المنافقين واليهود كانوا يتناجون في جماعات قليلة العدد ، ثلاثة أو خمسة ، فكشف الله سترهم ، وأخبرهم أنه عليم بهم ، مطلع على مناجاتهم ، وسيحاسبهم ويجازيهم على ذلك يوم القيامة .

قال تعالى : { أم يحسبون أنّا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون } . ( الزخرف : 80 ) .

من تفسير ابن كثير

حكى غير واحد الإجماع على أن المراد بقوله تعالى : { وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ . . . }معية علمه تعالى ، ولا شك في إرادة ذلك ، ولكن سمعه أيضا مع علمه محيط بهم ، وبصره نافذ فيهم ، فهو سبحانه مطلع على خلقه ، لا يغيب عنه من أمورهم شيء ، ثم قال تعالى : { ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .

قال الإمام أحمد : افتتح الآية بالعلم واختتمها بالعلم .