الهجرة : مفارقة بلدٍ إلى غيره ، فإن كانت قُرْبةً إلى الله فهي الهجرة الشرعية .
قسم الله المؤمنين أربعة أقسام وبيّن حُكم كل منها ومنزلته من بينها :
1- المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى قبل غزوة بدر إلى صلح الحديبية .
2- الأنصار الذين كانوا بالمدينة وآووا النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين من أصحابه عند الهجرة .
3- المؤمنون الذين لم يهاجروا .
4- المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .
1- { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } هؤلاء هم الكَمَلَة المؤمنون الذين هجروا أوطانهم فِراراً بدِينهم من فتنة المشركين ، وإرضاء لربهم ونصراً لرسوله ، ثم جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله .
2- { والذين آوَواْ ونصروا } والأنصار من أهل المدينة الذي آووا الرسول الكريم ومن هاجر من أصحابه ونصروهم ، وأمّنوهم من المخاوف ، وشاركوهم في أموالهم حتى آثروهم على أنفسهم ، فحُكمهم حكم المهاجرين الأولين . { أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } بعضهم نصراء بعض في تأييد الحق وإعلاء كلمة الله على الحق .
3- { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ } والذين لم يهاجروا من المؤمنين ، لا يثبت لهم شيءٌ من ولاية المؤمنين ونصرتهم ، إذ لا سبيل إلى وَلايتهم حتى يهاجروا .
{ وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } وإن طلبوا منكم النصر على من اضطهدوهم في الدّين ، فانصرُوهم ، فإن طلبوا النصر على قوم معاهِدين لكم ، لم ينقضوا الميثاق معكم فلا تجيبوهم .
{ والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } لا يخفى عليه شيء .
قرأ حمزة : «ولايتهم » بكسر الواو ، والباقون بفتحها .
وبهذه المحافظة على العهود والمواثيق سِراً وجهراً امتازت الشريعة الإسلامية على غيرها ، فشعارُ أهل الإسلام الوفاءُ بالعهود ، والبعد عن الخيانة والغدر .
ثم ختم الله - تعالى - سورة الأنفال بالحديث عن علاقة المسلمين بعضهم بببعض ، وعن علاقتهم بغيرهم من الكفار عن الأحكام المنظمة لهذه العلاقات فقال - تعالى - : { إِنَّ الذين آمَنُواْ . . . بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
هذه الآيات الكريمة التي ختم الله - تعالى - بها سورة الأنفال ، وضحت أن المؤمنين في العهد النبوى أقسام ، وذكرت حكم كل قسم منهم .
أما القسم الأول : فهم المهاجرون الأولون أصحاب الهجرة الأولى .
وأما القسم الثانى : فهم الأنصار من أهل المدينة .
والقسم الثالث : المؤمنون الذين لم يهاجروا .
والقسم الرابع : المؤمنون الذين هاجروا بعد صلح الحديبية .
وقد عبر - سبحانه - عن القسمين : الأول والثانى بقوله : { إِنَّ الذين آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله والذين آوَواْ ونصروا } .
أى : { إِنَّ الذين آمَنُواْ } بالله - تعالى - حق الإِيمان { وَهَاجَرُواْ } أي تركوا ديارهم وأوطانهم وكل نفيس من زينة الحياة الدنيا . من أجل الفرار بدينهم من فتنة المشركين ، ومن أجل نشر دبن الله في الأرض { وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله } أى : أنهم مع إيمانهم الصادق ، وسبقهم بالهجرة إرضاء الله - تعالى - ، قد بالغوا في إتعاب أنفسهم من أجل نصرة الحق ، فقدموا ما يملكون من أموال ، وقدموا نفوسهم رخيصة لا في سبيل عرض من أعراض الدنيا ، وإنما في سبيل مرضاة الله ونصرة دينه .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذا القسم الأول من ال مؤمنين وهم الذين سبقوا إلى الهجرة . بأعظم الصفات وأكرمها .
فقد وصفهم بالإِيمان الصادق ، وبالمهاجرة فرار بدينهم من الفتن ، وبالمجاهد بالمال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله .
وقد جاءت هذه الأوصاف الجليلة مرتبة حسب الوقوع ، فإن أول ما حصل منهم هو الإِيمان ، ثم جاءت من بعده الهجرة ، ثم الجهاد .
ولعل تقديم المجاهدة بالأموال هنا على المجاهدة بالأنفس ، لأن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعا ، وأتم دفعا للحاجة ، حيث لا تتصور المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالأموال .
وقوله { فِي سَبِيلِ الله } متعلق بقوله { وَجَاهَدُواْ } لإِبراز أن جهادهم لم يكن لأى غرض دنيوى ، وإنما كان من أجل نصرة الحق وإعلاء كلمته - سبحانه - .
وقوله : { والذين آوَواْ ونصروا } بيان للقسم الثانى من أقسام المؤمنين في العهد النبوى ، وهم الأنصار من أهل المدينة الذين فتحوا للمهاجرين قلوبهم ، واستقبلوهم أحسن استقبال ، حيث أسكنوهم منازلهم ، وبذلوا لهم أموالهم ، وآثروهم على أانفسهم ، ونصروهم على أعدائهم .
فالآية الكريمة قد وصفت الأنصار بوصفين كريمين .
أولهما : الإِيواء الذي يتضمن التأمين من الخوف ، إذا المأوى هو المجلأ والمأمن مما يخشى منه ، ومن ذلك قوله - تعالى - { إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف . . . } وقوله - تعالى - { وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ . . . } ولقد كانت المدينة مأوى وملجأ للمهاجرين ، وكان اهلها مثالا للكرم والإِيثار . .
ثانيهما : النصرة ، لأن أهل المدينة قد نصروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين بكل ما يملكون من وسائل التأييد والمؤازرة ، فقد قاتلوا من قاتلهم ، وعادوا من عاداهم ، ولذا جعل الله - تعالى - حكمهم المهاجرين واحدا فقال : { أولئك بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ } .
فاسم الإِشارة يعود إلى المهاجرين السابقين ، وإلى الانصار .
وقوله : { أَوْلِيَآءُ } جمع ولى ويطلق على الناصر والمعين والصديق والقريب . .
والمراد بالولاية هنا : الولاية العامة التي تتناول التناصر والتعاون والتوارث . .
أى : أولئك المذكورون الموصوفون بهذه الصفات الفاضلة يتولى بعضهم بعضا في النصرة والمعاونة والتوارث . . . وغير ذلك ، لأن حقوقهم ومصالحهم مشتركة .
قال الالوسى ما ملخصه : " روى عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم - آخى بين المهاجرين والأنصار ، فكان المهاجر يرثه أخوه الأنصارى ، إذا لم يكن له بالمدينة ولى مهاجرى وبالعكس ، واستمر أمهرهم على ذلك إلى فتح مكة ثم توارثوا بالنسب بعد إذ لم تكن هجرة . . وعليه فالآية منسوخة بقوله - تعالى - بعد ذلك { وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله . . . } " .
وقال الأصم : الآية محكمة ، والمرد الولاية بالنصرة والمظاهرة .
والذى نراه أن الولاية هنا عامة فهى تشمل كل ما يحتاج إليه المسلمون فيما بينهم من تعاون وتناصر وتكافل وتوارث وغير ذلك . .
وقوله - تعالى - : { والذين آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حتى يُهَاجِرُواْ . . . } بيان لحكم القسم الثالث من أقسام المؤمنين في العهد النبوى . .
أى : هذا الذي ذكرته لكم قبل ذلك في الآية هو حكم المهاجرين السابقين والأنصار الذي آووهم ونصروهم أما حكم الذين آمنوا ولم يهاجروا ، وهم المقيمون في أرض الشرك تحت سلطان المشركين وحكمهم . فإنهم ليس بينهم وبين المهاجرين والأنصار ولاية إرث { حتى يُهَاجِرُواْ } إلى المدينة ، كما أنكم - أيها المؤمنون - لا تنتظروا منهم تعاونا أو مناصرة ، لأنهم بسبب إقامتهم في أرض الشرك وتحت سلطانه - أصبحوا لا يملكون وسائل المناصرة لكم .
ثم قال - تعالى - : { وَإِنِ استنصروكم فِي الدين فَعَلَيْكُمُ النصر إِلاَّ على قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ } .
أى : وان طلب منكم هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا النصرة على أعدائكم في الدين ، فيجب عليكم أن تنصروهم ، لأنهم إخوانكم في العقدية ، بشرط ألا يكون بينكم وبين هؤلاء الأعداء عهد ومهادنة ، فإنكم في هذه الحالة يحظر عليكم نصرة هؤلاء المؤمنين الذين لم يهاجروا ، لأن في نصرتهم - على من بينكم وبينهم عند - نقضا لهذا العهد .
أى : إن نصرتكم لهم إنما تكون على الكفار الحربين لا على الكفار المعاهدين وهذا يدل على رعاية الإِسلام للعهود ، واحترامه للشروط والعقود .
قال الجمل : أثبت الله - تعالى - للقسمين الأولين النصرة والإِرث ، ونفى عن هذا القسم الإِرث وأثبت لها النصرة .
وقوله : { والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } تذييل قصد به الترغيب في طاعة الله ، والتحذير عن مصعيته .
أى : والله - تعالى - مطلع على كل أعمالكم فأطيعوه ، ولا تخالفوا أمره .