الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (38)

قوله تعالى : " وأقسموا بالله جهد أيمانهم " هذا تعجيب من صنعهم ، إذ أقسموا بالله وبالغوا في تغليظ اليمين بأن الله لا يبعث من يموت . ووجه التعجيب أنهم يظهرون تعظيم الله فيقسمون به ثم يعجزونه عن بعث الأموات . وقال أبو العالية : كان لرجل من المسلمين على مشرك دين فتقاضاه ، وكان في بعض كلامه : والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا ، فأقسم المشرك بالله : لا يبعث الله من يموت ، فنزلت الآية . وقال قتادة : ذكر لنا أن ابن عباس قال له رجل : يا ابن عباس ، إن ناسا يزعمون أن عليا مبعوث بعد الموت قبل الساعة ، ويتأولون هذه الآية . فقال ابن عباس : كذب أولئك ! إنما هذه الآية عامة للناس ، لو كان علي مبعوثا قبل القيامة ما نكحنا نساءه ولا قسمنا ميراثه . " بلى " هذا رد عليهم ، أي بلى ليبعثنهم . " وعدا عليه حقا " مصدر مؤكد ؛ لأن قوله " يبعثهم{[9869]} " يدل على الوعد ، أي وعد البعث وعدا حقا . " ولكن أكثر الناس لا يعلمون " أنهم مبعوثون . وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ( قال الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياي فقوله : لن يعيدني كما بدأني ، وأما شتمه إياي فقوله : اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ) . وقد تقدم{[9870]} .


[9869]:أي يبعثهم المقدر.
[9870]:راجع ج 2 ص 58.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ} (38)

قوله تعالى : { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ( 38 ) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ( 39 ) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ( 40 ) } .

ذكر في سبب نزول هذه الآية : أن رجلا من المسلمين كان له على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه ، فكان فيما تكلم به : والذي أرجوه بعد الموت . فقال المشرك : وإنك لتزعم أنك لتبعث بعد الموت ، فأقسم بالله لا يبعث الله من يموت ؛ فأنزل الله هذه الآية{[2527]} وفيها إخبار من الله عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا بالله ( جهد أيمانهم ) أي اجتهدوا في الحلف وبالغوا في تغليظ اليمين على أن الله لا يبعث من يموت . وهذا تكذيب فاجر فاضح بيوم القيامة . هذا الركن الركين في عقيدة هذا الدين ! فإنه لا يجترئ على التكذيب بالبعث أو بقيام الساعة إلا خاسر هالك تاعس ، مردود في زمرة الأشقياء الأذلين ، أو هو في عداد الكافرين الضالين الذين سقطوا في براثن الجحود والتكذيب المتوقح لرب العالمين .

قوله : ( بلى ) وهذا إثبات لما بعد النفي ؛ أي بلى ليبعثنهم يوم القيامة ليناقشوا الحساب ثم يلاقوا ما يستحقونه من جزاء .

قوله : ( وعدا عليه حقا ) ( وعدا ) ، مصدر مؤكد . و ( حقا ) صفة للوعد ؛ أي وَعَدَ العبث وعدا حقا . والبعث حقيقة كونية هائلة تصدقها الأذهان في بساطة ، وتركن إليها القلوب والفطر السليمة في راحة ورضى ؛ إذ تحس من أعماق أعماقها حقيقة هذا الحدث الكوني الأكبر ، الحدث المزلزل الجلل الذي يأتي على الحياة والكائنات والوجود كله ليصير إلى الفناء الكامل ، والانهيار المريع . وذلكم وعد من الله كتبه في الأزل . ووعد الله حق وصدق . وهو سبحانه لا يخلف الميعاد .

قوله : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) أكثر الناس لا يصدقون قيام الساعة ، وأن يبعث في القبور ليساقوا بعد ذلك مهطعين مذعورين إلى الحشر . أكثر الناس ذاهلون غافلون عن هذه الحقيقة الآتية الكبرى . وذلك لفرط جهالتهم وضلالهم وإغراقهم في شهواتهم وملذاتهم وأهوائهم ؛ ولان الشياطين من الجن والإنس جهدوا جهدا بالغا في إضلال الناس وإثارة الشكوك والظنون في تصوراتهم فسدروا خلف الشياطين والطواغيت منقادين خائرين .


[2527]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 188.