قوله تعالى : : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } فيه مسألتان :
الأولى : قوله تعالى :{ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } المعنى : ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا ، بل لو أتيتهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك ، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم . يقال : رضي يرضى رِضا ورُضا ورُضوانا ورِضوانا ومَرضاة ، وهو من ذوات الواو ، ويقال في التثنية : رِضَوَان ، وحكى الكسائي : رِضَيان . وحكي رضاء ممدود ، وكأنه مصدر راضى يراضي مُراضاة ورِضاء . { تتبع } منصوب بأن ولكنها لا تظهر مع حتى ، قاله الخليل . وذلك أن حتى خافضة للاسم ، كقوله : { حتى مطلع الفجر }
[ القدر : 5 ] وما يعمل في الاسم لا يعمل في الفعل البتة ، وما يخفض اسما لا ينصب شيئا . وقال النحاس : " تتبع " منصوب بحتى ، و " حتى " بدل من أن . والملة : اسم لما شرعه الله لعباده في كتبه وعلى ألسنة رسله . فكانت الملة والشريعة سواء ، فأما الدين فقد فرق بينه وبين الملة والشريعة ، فإن الملة والشريعة ما دعا الله عباده إلى فعله ، والدين ما فعله العباد عن أمره .
الثانية : تمسك بهذه الآية جماعة من العلماء منهم أبو حنيفة والشافعي وداود وأحمد بن حنبل على أن الكفر كله ملة واحدة ، لقوله تعالى :
{ ملتهم } فوحد الملة ، وبقوله تعالى : { لكم دينكم ولي دين{[1125]} } [ الكافرون : 6 ] ، وبقوله عليه السلام : " لا يتوارث أهل ملتين " ، على أن المراد به الإسلام والكفر ، بدليل قوله عليه السلام : " لا يرث المسلم الكافر " . وذهب مالك وأحمد في الرواية الأخرى إلى أن الكفر ملل ، فلا يرث اليهودي النصراني ، ولا يرثان المجوسي ، أخذا بظاهر قوله عليه السلام : " لا يتوارث أهل ملتين " ، وأما قوله تعالى : { ملتهم } فالمراد به الكثرة وإن كانت موحدة في اللفظ بدليل إضافتها إلى ضمير الكثرة ، كما تقول : أخذت عن علماء أهل المدينة - مثلا - علمهم ، وسمعت عليهم حديثهم ، يعني علومهم وأحاديثهم .
قوله تعالى : { قل إن هدى الله هو الهدى } المعنى ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي ، لا ما يدعيه هؤلاء .
قوله تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم } الأهواء جمع هوى ، كما تقول : جمل وأجمال ، ولما كانت مختلفة جمعت ، ولو حمل على أفراد الملة لقال هواهم . وفي هذا الخطاب وجهان : أحدهما : أنه للرسول ، لتوجه الخطاب إليه . والثاني : أنه للرسول والمراد به أمته ، وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته ، إذ منزلتهم دون منزلته . وسبب الآية أنهم كانوا يسألون المسالمة والهدية ، ويعدون النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام ، فأعلمه الله أنهم لن يرضوا عنه حتى يتبع ملتهم ، وأمره بجهادهم .
قوله تعالى : { بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } مثل أحمد بن حنبل عمن يقول : القرآن مخلوق ، فقال : كافر ، فقيل : بم كفرته ؟ فقال : بآيات من كتاب الله تعالى : { ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم{[1126]} } [ البقرة : 145 ] والقرآن من علم الله . فمن زعم أنه مخلوق فقد كفر .
قوله تعالى : { ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون } .
ذلك إعلان من الله مسبق للنبي والمسلمين يفيد أن اليهود والنصارى سوف لا يرضون عن هذه الملة الإسلام ولا أهلها . وسوف لا تُجدي معهم كل أسباب الحوار والإقناع والمنطق ، ولا تؤثر في طبائعهم ونفوسهم الكزة كل البراهين والحجج . وليس هناك إلا سبيل واحدة يرضون عنها وهي أن يتبع النبي والمسلمون من بعده ملة الشرك التي عليها اليهود والنصارى ، أما غير هذه السبيل من سبل المناقشة والمحاجة والبرهان فهو أمر ميئوس منه ، وهو إنما يفضي بهم إلى مزيد من المكابرة والعناد والانتكاس . فإن أولئك فريق من البشر المتعصب الذي انكمشت فيه ظواهر اللين والخير ، وغارت فيه معاني اللين والتواضع والاستحياء ، وما باتت فيه عز النفوس التي مزقها الحسد والحقد ، وألبسها التعصب أغشية صفاقا من سوء الطبع ورغبة مستديمة في الكيد والتآمر على الإسلام وأهله .
وقوله : { ملتهم } يستفاد منه أن ملة الكفر واحدة ، وذلك الذي عليه كثير من العلماء والمفسرين . والملة هي الدين ، وقيل الشريعة{[125]} .
وبعد التيئيس من إرضاء اليهود والنصارى واستحالة موادتهم للنبي والمسلمين إلا باتباع ملة الارتكاس والتولي عن ملة الإسلام ، فإنه بعد ذلك يأمر الله نبيه عليه السلام ليقرر في حسم قاطع ومكشوف بأن ( هدى الله هو الهدى ) فإن الهدى الصحيح الذي يقوم على الحق والاستقامة والرشاد لهو هدى لله . وهو سبيله العدل وصراطه المستقيم الذي لا زيغ فيه ولا عوج والذي تجتمع فيه كل عناصر الخير والصلوح . وليس غير هدى الله إلا السبل المعوجة التي أفرزتها أهواء البشر ورغبائهم الشاذة الضالة .
قوله : { ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير } وذلك تهديد من الله يخوف به عباده ، عسى أن يكون في ذلك ما يردعهم عن اتباع أهواء أهل الكتاب بعد أن عرفوا وجه الحقيقة والصواب بنزول القرآن . وليعلم المسلمون بعد ذلك أنهم إذا انحرفوا عن دين الله ، وحادوا عن سبيله التي لا تعرف العوج وغرتهم الأماني الواهمة ، فاتبعوا أهل الكتاب ، ومضوا على أثرهم يقلدونهم في كل مناحي الحياة أو جلها ، بعد أن نزل القرآن عليهم فلا جرم أن يكونوا خاسرين . فقد خسروا دنياهم ؛ لتجردهم من أصالة الانتماء إلى شريعة الله والانسلاخ من ملة التوحيد الخالص . وهم بخسارتهم هذه باتوا فاسقين مما سيخ . وكذلك قد خسروا الدار الآخرة ، فما لهم من الله حينئذ من عاصم ينصرهم ويدفع عنهم هول العذاب وبطش الإله المنتقم الجبار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.