غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ} (120)

119

وقوله { ولن ترضى } فيه إقناط لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس ، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى { قل إن هدى الله } الذي هو الإسلام { هو الهدى } الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها { ولو اتبعت أهواءهم } مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة

{ بعد الذي جاءك من العلم } بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل { ما لك من الله } من عقابه وسخطه { من ولي } معين يعصمك

{ ولا نصير } يذب عنك .

قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية { بعدما جاءك من العلم } كما قال في آية القبلة على ما يجيء ، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله ، فكأن لفظ { الذي } أليق لأنه في التعريف أبلغ ، فإن { الذي } يعرفه صلته ولا يتنكر قط ، ويلزمه الألف واللام . بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة " بما " و " من " التي لابتداء الغاية ، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية ، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران { من بعدما جاءك من العلم } [ آل عمران : 61 ] فلهذا جاء بلفظ " ما " وزاد لفظة " من " وأما في سورة الرعد فإنه { ولو اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم } [ الرعد : 37 ] لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن ، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ " ما " ولم يزد لفظ " من " التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه . وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى ، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله { بعدما جاءك من العلم } فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى ، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق . وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله { لئن أشركت ليحبطن عملك } [ الزمر : 65 ] وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه ، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي صلى الله عليه وسلم لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك .