الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (26)

قال ابن زيد : المعنى الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، وكذا الخبيثون للخبيثات ، وكذا الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات . وقال مجاهد وابن جبير وعطاء وأكثر المفسرين : المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال ، وكذا الخبيثون من الناس للخبيثات من القول ، وكذا الكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس ، والطيبون من الناس للطيبات من القول . قال النحاس في كتاب معاني القرآن : وهذا أحسن ما قيل في هذه الآية . ودل على صحة هذا القول " أولئك مبرؤون مما يقولون " أي عائشة وصفوان مما يقول الخبيثون والخبيثات . وقيل : إن هذه الآية مبنية على قوله " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة " [ النور : 3 ] الآية ؛ فالخبيثات الزواني ، والطيبات العفائف ، وكذا الطيبون والطيبات . واختار هذا القول النحاس أيضا ، وهو معنى قول ابن زيد . " أولئك مبرؤون مما يقولون " يعني به الجنس . وقيل : عائشة وصفوان فجمع كما قال : " فإن كان له إخوة " [ النساء : 11 ] والمراد أخوان{[11855]} ، قاله الفراء . و " مبرؤون " يعني منزهين{[11856]} مما رموا به . قال بعض أهل التحقيق : إن يوسف عليه السلام لما رمي بالفاحشة برأه الله على لسان صبي في المهد ، وإن مريم لما رميت بالفاحشة برأها الله على لسان ابنها عيسى صلوات الله عليه ، وإن عائشة لما رميت بالفاحشة برأها الله تعالى بالقرآن ، فما رضي لها ببراءة صبي ولا نبي حتى برأها الله بكلامه من القذف والبهتان . وروي عن علي بن زيد بن جدعان عن جدته عن عائشة رضي الله عنها [ أنها ]{[11857]}قالت : ( لقد أعطيت تسعا ما أعطيتهن امرأة : لقد نزل جبريل عليه السلام بصورتي في راحته حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني ، ولقد تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري ، ولقد توفي صلى الله عليه وسلم وإن رأسه لفي حجري ، ولقد قبر في بيتي ، ولقد حفت الملائكة بيتي ، وإن كان الوحي لينزل عليه وهو في أهله فينصرفون{[11858]} عنه ، وإن كان لينزل عليه وأنا معه في لحافه فما يبينني عن جسده ، وإني لابنة خليفته وصديقه ، ولقد نزل عذري من السماء ، ولقد خلقت طيبة وعند طيب{[11859]} ، ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما ، تعني قوله تعالى : " لهم مغفرة ورزق كريم " وهو الجنة .


[11855]:راجع ج 5 ص 72.
[11856]:في ك: يعني منزهون.
[11857]:من ط وك.
[11858]:فيتفرقون عليه.
[11859]:في ك: لقد خلقت من طيبة عند طيب.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَـٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ} (26)

قوله تعالى : { الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ( 26 ) } اختلف المفسرون في المراد بالطيبين والطيبات والخبيثين والخبيثات . فقد قيل : يعني الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء . والطيبات من النساء للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء . أي كل مختص بما هو له . فالخبيثات من النساء مختصات بالخبيثين من الرجال وهكذا . أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله ( ص ) إلا وهي طيبة ، فهو عليه الصلاة والسلام أطيب الطيبين جميعا ولو كانت خبيثة ما صلحت له .

وقيل : بل المراد ، الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال . والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول . والطيبات من القول للطيبين من الرجال ، والطيبون من الرجال للطيبات من القول . وقد روي ذلك عن ابن عباس . وقال به أكثر المفسرين . ووجه ذلك : أن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس . والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس . فما نسبه المنافقون إلى عائشة من فاحش القول هم أولى به .

وهي أولى بالبراءة والنزاهة والطهر . ويعضد هذا المعنى قوله عز من قائل : ( أولئك مبرءون مما يقولون ) أي عائشة وصفوان بن المعطل الذي رميت به . وعلى هذا القول كان الجمع بأولئك والمراد ذانك . كقوله تعالى : ( كان له إخوة ) والمراد أخوان . و ( مبرءون ) ، أي منزهون مما رموا به من الفاحشة{[3242]} .


[3242]:- تفسير الطبري جـ 18 ص 85، 86 وتفسير ابن كثير جـ 3 ص 278.