قوله تعالى : " ولو ترى إذ وقفوا على النار " أي إذ{[6298]} وقفوا غدا و( إذ ) قد تستعمل في موضع ( إذا ) و( إذا ) في موضع ( إذ ) وما سيكون فكأنه كان ؛ لأن خبر الله تعالى حق وصدق ، فلهذا عبر بالماضي . ومعنى ( إذ وقفوا ) حبسوا يقال : وقفته وقفا فوقف وقوفا . وقرأ ابن السميقع ( إذ وقفوا ) بفتح الواو والقاف من الوقوف . " على النار " أي هم فوقها على الصراط وهي تحتهم . وقيل : ( على ) بمعنى الباء ، أي وقفوا بقربها وهم يعاينونها . وقال الضحاك : جمعوا ، يعني على أبوابها . ويقال : وقفوا على متن جهنم والنار تحتهم . وفي الخبر : أن الناس كلهم يوقفون على متن جهنم كأنها متن إهالة{[6299]} ، ثم ينادي مناد خذي أصحابك ودعي أصحابي . وقيل : ( وقفوا ) دخلوها - أعاذنا الله منها - فعلى بمعنى ( في ) أي وقفوا في النار . وجواب ( لو ) محذوف ليذهب الوهم إلى كل شيء فيكون أبلغ في التخويف ، والمعنى : لو تراهم في تلك الحال لرأيت أسوأ حال ، أو لرأيت منظرا هائلا ، أو لرأيت أمرا عجبا وما كان مثل هذا التقدير .
قوله تعالى : " فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين " بالرفع في الأفعال الثلاثة عطفا قراءة أهل المدينة والكسائي ؛ وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالضم{[6300]} . ابن عامر على رفع ( نكذب ) ونصب ( ونكون ) وكله داخل في معنى التمني ، أي لا تمنوا الرد وألا يكذبوا وأن يكونوا من المؤمنين . واختار سيبويه القطع في ( ولا نكذب ) فيكون غير داخل في التمني ، المعنى : ونحن لا نكذب على معنى الثبات على ترك التكذيب ، أي لا نكذب رددنا أو لم نرد . قال سيبويه : وهو مثل قوله دعني ولا أعود أي لا أعود على كل حال تركتني أو لم تتركني . واستدل أبو عمرو على خروجه من التمني بقوله : " وإنهم لكاذبون " لأن الكذب لا يكون في التمني إنما يكون في الخبر . وقال من جعله داخلا في التمني : المعنى وإنهم لكاذبون في الدنيا في إنكارهم البعث وتكذيبهم الرسل . وقرأ حمزة وحفص بنصب ( نكذب ) و( نكون ) جوابا للتمني ؛ لأنه غير واجب ، وهما داخلان في التمني على معنى أنهم تمنوا الرد وترك التكذيب والكون مع المؤمنين . قال أبو إسحاق : معنى ( ولا نكذب ) أي إن رددنا لم نكذب . والنصب في ( الكذب ) و( نكون ) بإضمار ( أن ) كما ينصب في جواب الاستفهام والأمر والنهي والعرض ؛ لأن جميعه غير واجب ولا واقع بعد ، فينصب ، الجواب مع الواو كأنه عطف على مصدر الأول ، كأنهم قالوا : يا ليتنا يكون لنا رد وانتفاء من الكذب ، وكون من المؤمنين ، فحملا على مصدر ( نرد ) لانقلاب المعنى إلى الرفع ، ولم يكن بد من إضمار ( أن ) فيه يتم النصب في الفعلين . وقرأ ابن عامر ( ونكون ) بالنصب على جواب التمني كقولك : ليتك تصير إلينا ونكرمك ، أي ليت مصيرك يقع وإكرامنا يقع ، وأدخل الفعلين الأولين في التمني ، أو أراد : ونحن لا نكرمك{[6301]} على القطع على ما تقدم ؛ يحتمل . وقرأ أبي{[6302]} ( ولا نكذب بآيات ربنا أبدا ) . وعنه وابن مسعود ( يا ليتنا نرد فلا نكذب ) بالفاء والنصب ، والفاء ينصب بها في الجواب كما ينصب بالواو ، عن الزجاج . وأكثر البصريين لا يجيزون الجواب إلا بالفاء .
قوله تعالى : { ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بئيت ربنا ونكون من المؤمنين ( 27 ) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون ( 28 ) وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين ( 29 ) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } .
لو أداة امتناع لامتناع . وقيل : بمعنى ( إن ) الشرطية . وإذ بمعنى إذا فإن العرب قد تضع إذ مكان إذا . وتضع إذا مكان إذ . أما جواب لو فهو محذوف . والتقدير : لرأيت شيئا عظيما وهولا مفظعا . وحذف الجواب أبلغ في التخويف ، لأن السامع بذلك تذهب نفسه كل مذهب . فلو صرح له بالجواب لكان قد وطن نفسه عليه فلم يخش كثيرا منه{[1145]} .
وقوله : { وقفوا } مبني للمجهول ، يعني حبسوا . وقوله : { على النار } أي فوقها . قيل : على تعني الباء . أي وقفوا بقرب النار وهم يعاينونها . وشبيه بذلك أنهم جمعوا على أبوابها . وهو ما نختاره . فإن الكافرين يوقفون يوم القيامة قريبا من النار تجمعهم الملائكة جمعا كاثرا متراكما مجردين من كل كرامة أو اعتبار وهم واجمون شاخصون وجلون أمام جهنم يعاينون شواظها واستعارها معاينة ، وقد غشيهم الرعب المريع وأحاطت بهم كل ظواهر اليأس والشقوة وانقطاع الرجاء . لا جرم أن ذلك مشهد مرعب لا يطيقه كائن من الكائنات بل لا تطيقه الجبال الشم الشواهق . أعاذنا الله منه عوذا .
قوله : { فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بئايات ربنا } نكذب منصوب بأن بعد واو المعية . كقوله : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . وقيل : منصوب بإضمار أن على جواب التمني . وقيل غير ذلك كلام طويل . لكن الأول أصوب{[1146]} .
والمراد أن هؤلاء المشركين الذين ظلموا أنفسهم بشركهم وكفرهم يتمنون يوم القيامة أن لو يردهم الله إلى الدنيا ثانية حتى يتوبوا أو يبادروا الطاعة لله ، وأن لا نكذب بما أنزل الله من الدلائل والآيات قوله : { ونكون من المؤمنين } أي نكون من المصدقين بالله وآياته ورسالاته والمتبعين لدينه وشرعه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.