قوله تعالى : " قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم " أي أذهب وانتزع . ووحد " سمعكم " لأنه مصدر يدل على الجمع . " وختم " أي طبع . وقد تقدم في البقرة{[6357]} . وجواب ( إن ) محذوف تقديره : فمن يأتيكم به ، وموضعه نصب ؛ لأنها في موضع الحال ، كقولك : اضربه إن خرج أي خارجا . ثم قيل : المراد المعاني القائمة بهذه الجوارح ، وقد يذهب الله الجوارح والأعراض جميعا فلا يبقي شيئا ، قال الله تعالى : " من قبل أن نطمس وجوها{[6358]} " [ النساء : 47 ] والآية احتجاج على الكفار . " من إله غير الله يأتيكم به " " من " رفع بالابتداء وخبرها " إله " و " غيره " صفة له ، وكذلك " يأتيكم " موضعه رفع بأنه صفة " إله " ومخرجها مخرج الاستفهام ، والجملة التي هي منها في موضع مفعولي رأيتم . ومعنى " أرأيتم " علمتم ، ووحد الضمير في ( به ) - وقد تقدم الذكر بالجمع - لأن المعنى أي بالمأخوذ ، فالهاء راجعة إلى المذكور . وقيل : على السمع بالتصريح ، مثل قوله : " والله ورسوله أحق أن يرضوه{[6359]} " [ التوبة : 62 ] . ودخلت الأبصار والقلوب بدلالة التضمين . وقيل : " من إله غير الله يأتيكم " . بأحد هذه المذكورات . وقيل : على الهدى الذي تضمنه المعنى . وقرأ عبدالرحمن الأعرج ( به انظر ) بضم الهاء على الأصل ؛ لأن الأصل أن تكون الهاء مضمومة كما تقول : جئت معه . قال النقاش : في هذه الآية دليل على تفضيل السمع على البصر لتقدمته هنا وفي غير آية ، وقد مضى هذا في أول " البقرة " {[6360]} مستوفى . وتصريف الآيات الإتيان بها من جهات ، من إعذار وإنذار وترغيب وترهيب ونحو ذلك . " ثم هم يصدفون " أي يعرضون . عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والسدي ، يقال : صدف عن الشيء إذا أعرض عنه صدفا وصدوفا فهو صادف . وصادفته مصادفة أي لقيته عن إعراض عن جهته ، قال ابن الرقاع :
إذا ذكرن حديثا قلن أحسنه *** وهُنَّ عن كل سوء يُتَّقَى صُدُفُ
والصدف في البعير أن يميل خفه من اليد أو الرجل إلى الجانب الوحشي ، فهم يصدفون{[6361]} أي مائلون معرضون عن الحجج والدلالات .
قوله تعالى : { قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الأيت ثم هم يصدفون ( 46 ) قل أرءيتكم إن أتكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم الظلمون ( 47 ) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن ءامن وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ( 48 ) والذين كذبوا بئايتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون } .
قوله : { قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم } أفرد السمع ، لأنه مصدر يدل على الجمع . والأبصار جمع ومفرده بصر . والمعنى ، قل يا محمد لهؤلاء المشركين الضالين : أرأيتم أيها المشركون إن أصمكم الله فذهب سمعكم ، وكذلك ذهب بأبصاركم فأصبحتم عميانا ، وختم على قلوبكم أي طبع عليها حتى لا تعوا قولا ولا تفهموا حجة ، فمن غير الله بعد ذلك يرد عليكم ما ذهب الله به منكم من الأسماع والأبصار والأفهام . والمراد أن الذين تعبدونهم من دون الله من الأنداد والشركاء لا يملكون لكم ضرا ولا نفعا ، وإنما الله وحده يستحق العبادة عليكم ، فهو القابض الباسط القادر على كل شيء .
قوله : { انظر كيف نصرف الأيت ثم هم يصدفون } يخاطب الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن ينظر كيف يصرف لهؤلاء المشركين الآيات ، أي كيف يضرب لهم الأمثال والعبر المتتابعة ، وهي ما بين تنبيه وتذكير وتنذير وترغيب وترهيب . وغير ذلك من الأدلة والحجج ليؤمنوا ويتعظوا فيثوبوا إلى ربهم . لكنهم مع ذلك كله { يصدفون } أي يعرضون . صدف عنه يصدف ، أي أعرض عنه . وصدف صدوفا وصدفا ، انصرف ومال{[1166]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.