الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

فيه مسألتان :

الأولى - قوله تعالى : " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها " إنما قال " لها " لأن السلم مؤنثة . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة . والجنوح الميل . يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة ، أي الصلح ، فمل إليها . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ، ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة{[7781]} . وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير . وقال ذو الرمة :

إذا مات فوق الرحل أحييتُ روحه *** بذكراك والعِيسُ المراسيل{[7782]} جُنَّحُ

وقال النابغة{[7783]} :

جوانح قد أيقنَّ أن قبيله *** إذا ما التقى الجمعان أولُ غالب

يعني الطير . وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض . والسلم والسلام هو الصلح . وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل " للسلم " بكسر السين . الباقون بالفتح . وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة{[7784]} " مستوفى . وقد يكون السلام من التسليم . وقرأ الجمهور " فاجنح " بفتح النون ، وهي لغة تميم . وقرأ الأشهب العقيلي " فاجنح " بضم النون ، وهي لغة قيس . قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس .

الثانية - وقد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا . فقال قتادة وعكرمة : نسخها " فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم{[7785]} " [ التوبة : 5 ] . " وقاتلوا المشركين كافة " [ التوبة : 36 ] وقالا : نسخت براءة كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله . ابن عباس : الناسخ لها " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم " [ محمد : 35 ] . وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية . وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم ، على ما أخذوه منهم ، وتركوهم على ما هم فيه ، وهم قادرون على استئصالهم . وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه ، من ذلك خيبر ، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف . قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة ، لأن الجزية تقبل منهم ، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء . وقال السدي وابن زيد . : معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم . ولا نسخ فيها . قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه ، وقد قال الله عز وجل : " فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم{[7786]} " [ محمد : 35 ] . فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة ، وجماعة عديدة ، وشدة شديدة فلا صلح ، كما قال :

فلا صلح حتى تُطعن الخيل بالقَنَا *** وتضربُ بالبيض الرقاق الجماجم

وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح ، لنفع يجتلبونه ، أو ضرر يدفعونه ، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به{[7787]} إذا احتاجوا إليه . وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم . وقد صالح الضمري{[7788]} وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده . وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة . قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة . وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ، ولا تجوز الزيادة . وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقال عروة : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين . وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة ، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة . قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين ، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة ، حين توجه إليها فبركت . وقال : ( حبسها حابس الفيل ) . على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة . ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم ، إذا رأى ذلك الإمام وجها . ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري{[7789]} يوم الأحزاب ، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة ، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ، ويرجعا بقومهما عنهم . وكانت هذه المقالة مراوضة{[7790]} ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ فقال : ( بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ) ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أنتم وذاك ) . وقال لعيينة والحارث : ( انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف ) . وتناول سعد الصحيفة ، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله{[7791]} فمحاها .


[7781]:الحشوة (بالضم والكسر) : الأمعاء.
[7782]:العيس: الإبل البيض. والمراسيل: سهلة السير وهي التي تعطيك ما عندها عفوا. وجنح: مائلة صدورها إلى الأرض. وقيل: مائلة في سيرها من النشاط.
[7783]:في الأصول: (وقال عنترة) والتصويب عن كتاب البحر لأبي حيان وديوان النابغة.
[7784]:راجع ج 3 ص 22.
[7785]:راجع ص 72 وص 136 من هذا الجزء.
[7786]:راجع ج 16 ص 255.
[7787]:من ك و ز و ى و هـ.
[7788]:الضمري: هو مخشى بن عمرو الضمري، من بني ضمرة بن بكر، وكان هذا في غزوة الأبواء...وأكيدر: هو اكيدر بن عبد الملك: رجل من كندة. ودومة: هي دومة الجندل مدينة قريبة من دمشق.
[7789]:في الأصول.: "....بن نوفل" والتصويت عن كتب السيرة.
[7790]:المراوضة: المداراة والمخاتلة.
[7791]:من ز.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{۞وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (61)

قوله تعالى : { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم 61 وإن يريدون أن يخادعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين 62 وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } .

{ جنحوا } ، من الجنوح وهو الميل{[1685]} والسلم ، بفتح السين . وقيل بالكسر . والسلم والسلام بمعنى المصالحة والمهادنة . والسلم مؤنثة ، لذلك قال : { لها } والمعنى : إن مال الكافرون إلى مسالمتكم ومتاركة الحرب ؛ إما بدخولهم الإسلام ، أو بإعطاء الجزية ، أو بالموادعة ، أو نحو ذلك من أسباب الصلح { فاجنح لها } أي فمل إليها وابذل للكافرين الجانحين ما مالوا إليه من المصالحة .

وقد اختلفوا في نسج هذه الآية ؛ فقد قيل : نسخها قوله : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وقوله أيضا : { وقاتلوا المشركين كافة } وقيل : نسخت سورة براءة كل موادعة حتى يقولوا لا إله إلا الله فيسلموا ، والناسخ هو قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الأخر } إلى قوله : { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . وقتال ابن عباس : الناسخ لهذه الآية هو قوله تعالى : { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم } .

وقيل : ليست هذه الآية منسوخة بل هي محكمة ، والمراد به قبول الجزية من أهل الجزية ، وقد قبلها منهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر ومن بعده من الأئمة ؛ إذ صالحوا كثيرا من أهل العجم على ما أخذوه منهم ، وترموهم وشأنهم من حيث عبادتهم وطقوسهم وشعائرهم الدينية . وصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بعد أن أظفره الله بهم .

على أن المسلمين إن كانت لهم مصلحة في الموادعة والصلح بما يحقق لهم المنفعة ويدفع عنهم ضرر ؛ فلا بأس أن يبادر المسلمون بالمصالحة عند الحاجة ؛ فقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عنهم معه . واختلفوا في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقد قيل : كانت أربع سنين . وقيل : كانت ثلاثا . وقيل : كانت عشرا . وذهب الإمام الشافعي إلى أنه لا يجوز أن يهادن المسلمون المشركين أكثر من عشر سنوات على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية . وذكر عن الإمام مالك أنه تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة .

وإذا حاقت بالمسلمين الخطوب والمخاطر ، واستحوذ عليهم العدو الغادر ، وضاقت بهم الدنيا ، وكانوا قلة ، ورأوا أنه لا حيلة لهم في مواجهة العدو لقوته وضعفهم ؛ جاز لهم حينئذ أن يبدلوا له المال لموادعته ومهانته حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا .

أما المشركين من غير أهل الكتاب فما ينبغي أن يقبل المسلمون منهم غير الإسلام أو القتال ؛ لأن هؤلاء المشركين الذين يقدسون الأوثان ، أو الذين يعتنقون المادية المحضة فلا يعترفون بإلهية ولا دين ، لا جرم أنهم جناة في حق أنفسهم وفي حق عقولهم التي عطلوها تعطيلا . فما كان لهم بذلك أن يستأهلوا من تكريم ؛ فلا تؤخذ منهم جزية ، ولا ينبغي لهم الصلح أو المهادنة إلا الإسلام ؛ لأنه مبعث الهداية والترشيد والخير للإنسانية جمعاء . بخلاف أهل الكتاب ؛ إذ جعل الله لهم بعضا من اعتبار بقبول الجزية منهم وتركهم وما يدينون .

أما المسلمون إذا كانوا كثيرا ، وكانت جموعهم بأعدادها وأجيالها تملأ بقاع الأرض –كحالهم في هذا العصر- فإنه ما ينبغي لهم أن يهادنوا أئمة الظلم والظلمات أو يوادعوهم ما دام هؤلاء الظالمون قد بلغوا على المسلمين ؛ فسلبوا ديارهم وأوطانهم ، وأذلوا شعبوهم وأجيالهم ، واغتصبوا أموالهم وخيرات بلادهم ، وداسوا شرفهم وكراماتهم ، وبدلوا دينهم وثقافتهم وقيمهم تبديلا . إنه لا مساغ البتة –والحال على ما هو عليه من التعس والعار والذلة- أن يهادن المسلمون أعداء الله . بل على المسلمين في كل أنحاء العالم أن يلتئموا جميعا ليكونوا أمة واحدة متآزرة متعاونة ، يشد بعضها بعضا ؛ فيواجهوا بوحدتهم والتئامهم وقوتهم وعقيدتهم عدو الله وعدوهم في حرب حامية مستعرة ، مهما عظم فيها البذل والتضحيات . حتى يكتب الله للمؤمنين العاملين الثابتين النصر ؛ فتخفق راية الإسلام فوق ربوع البلاد وفيها فلسطين والقوقاز وسمرقند وأثيوبيا والأندلس .

قوله : { وتوكل على الله إنه هو السميع العليم } أي فوض الأمر إلى الله ، ليكون لك خير معين ومجير ، ولكي يقويك وينصرك على الأعداء الظالمين إذا عدلوا عن الوفاء بالعهد فنقضوه ، والله جل وعلا عالم بما يخفيه العباد من نوايا ، وسامع لما يصدر عنهم من أقوال سواء في الخير أو الشر والكيد والتآمر ؛ فالله محيط بذلك كله ليجازي الأشرار والمتربصين وأعداء دينه ما ينبغي لهم من سوء الحساب .


[1685]:المصباح المنير جـ 1 ص 121.