قوله تعالى : " اذهبوا بقميصي هذا " نعت للقميص ، والقميص مذكر ، فأما قول الشاعر{[9265]} :
تدعو هوازنُ والقميصُ مُفَاضَةٌ *** فوق النِّطَاقِ تُشَدُّ بالأزرارِ
فتقديره : [ والقميص ]{[9266]} درع مفاضة . قاله النحاس . وقال ابن السدي عن أبيه عن مجاهد : قال لهم يوسف : " اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا " قال : كان يوسف أعلم بالله من أن يعلم أن قميصه يرد على يعقوب بصره ، ولكن ذلك قميص إبراهيم الذي ألبسه الله في النار من حرير الجنة ، وكان كساه إسحاق ، وكان إسحاق كساه يعقوب ، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في قصبة من فضة وعلقه في عنق يوسف ، لما كان يخاف عليه من العين ، وأخبره جبريل بأن ارسل قميصك فإن فيه ريح الجنة ، وإن{[9267]} ريح الجنة لا يقع على سقيم{[9268]} ولا مبتلى إلا عوفي . وقال الحسن : لولا أن الله تعالى أعلم يوسف بذلك لم يعلم أنه يرجع إليه بصره وكان الذي حمل قميصه يهوذا ، قال ليوسف : أنا الذي حملت إليه قميصك بدم كذب فأحزنته ، وأنا الذي أحمله الآن لأسره ، وليعود إليه بصره ، فحمله ، حكاه السدي . " وأتوني بأهلكم أجمعين " لتتخذوا مصر دارا . قال مسروق : فكانوا ثلاثة وتسعين ، ما بين رجل وامرأة . وقد قيل : إن القميص الذي بعثه هو القميص الذي قد من دبره ، ليعلم يعقوب أنه عصم من الزنى ، والقول الأول أصح ، وقد روى مرفوعا من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ذكره القشيري والله أعلم .
ولما أقر أعينهم{[42704]} بعد اجتماع شملهم بإزالة ما يخشونه دنيا وأخرى ، بقي ما يخص أباهم من ذلك ، فكأنه وقع السؤال عنه فأجيب بقوله : { اذهبوا بقميصي } ولما كان قوله هذا ربما أوقع في أفهامهم قميصه الذي سلبوه إياه ، احترز عن ذلك بقوله : { هذا فألقوه } أي عقب وصولكم { على وجه أبي يأت } أي يرجع إلى ما كان { بصيراً } أو يأت إلى حالة{[42705]} كونه بصيراً ، فإنه إذا رد إليه بصره وعلم مكاني لم يصبر عن{[42706]} القصد إليّ لما عنده من وفور المحبة وعظيم الشوق{[42707]} ، وكونه قميصاً من ملابس يوسف المعتادة أدخل في الغرابة وأدل على الكرامة ؛{[42708]} والقميص ألصق الثياب بالجسم ، فإظهار الكرامة{[42709]} به أدل{[42710]} على كمال دين صاحبه وعراقته في أمور الإيمان ، وهو يؤول في المنام بالدين ، وذلك أدخل في كمال السرور ليعقوب{[42711]} عليه الصلاة والسلام { وأتوني } أي بأبي{[42712]} وأنتم { بأهلكم } أي مصاحبين لهم { أجمعين * } لا يتخلف منهم أحد ، فرجعوا بالقميص لهذا القصد ، قيل : كان{[42713]} يهوذا هو الذي حمل قميصه لما لطخوه بالدم ، فقال : لا يحمل{[42714]} هذا غيري لأفرحه{[42715]} كما أحزنته ، فحمله وهو حافٍ حاسر من مصر إلى كنعان وبينهما ثمانون فرسخاً
قوله تعالى : { اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ 93 وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ 94 قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ } القميص : الذي يلبس ، جمعه قمصان وأقمصة{[2293]} ، والقميص هنا من ملبوس يوسف . والباء فيه للحال ؛ أي اذهبوا مصحوبين له أو ملتبسين به . وقيل : الباء للتعدية ؛ أي أذهبوا قميصي بمعنى احملوا قميصي . والمراد : أن يوسف أمر إخوته أن يذهبوا بقميصه فيلقوه على وجه أبيه يعقوب ، وكان قد عمي من فرط البكاء .
قوله : { يَأْتِ بَصِيرًا } سيصير بإلقاء القميص على وجهه بصيرا بعد ما عمي . { بصيرا } ، منصوب على الحال{[2294]} ؛ فقد صار يعقوب بصيرا بتقدير الله وإرادته . لا جرم أن هذه واحدة من جملة معجزات حسية يؤتاها نبي عظيم كيعقوب عليه السلام . وما يعز على الله أن يفعل ذلك أو أعظم منه ؛ فهو سبحانه بيده مقاليد الكون كله وما فيه من قوانين ونواميس وأشياء ومقادير .
قوله : { وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } { أجمعين } ، تأكيد . ويجوز أن تكون حالا{[2295]} ؛ فقد أمرهم يوسف أن يبرحوا موطنهم في بلاد الشام ليأتوا غليه في مصر . والمراد بأهلهم هنا : بنو يعقوب جميعا وذريتهم . وقيل : كانوا سبعين وقيل : كانوا ثمانين ، وقيل غير ذلك ؛ فقد حلوا بمصر في كنف النبي الكريم ابن الكريم ابن الكريم فنموا وتناسلوا حتى خرج من ذريتهم من موسى عليه السلام ستمائة ألف . أولئك الذين أنجاهم الله من ظلم فرعون ، وفلق لهم البحر فمضوا فيه طريقا يبسا سالمين آمنين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.