قوله تعالى : " لا تثريب عليكم اليوم " أي قال يوسف - وكان حليما موفقا : " لا تثريب عليكم اليوم " وتم الكلام . ومعنى " اليوم " : الوقت . والتثريب التعيير والتوبيخ ، أي تعيير ولا توبيخ ولا لوم عليكم اليوم ، قاله سفيان الثوري وغيره ، ومنه قوله عليه السلام : ( إذا زنت أمه أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها ) أي لا يعيرها ، وقال بشر :
فعفوتُ عنهم عَفْوَ غَيرِ مُثَرِّبٍ *** وتركتُهم لعقابِ يومٍ سَرْمَدِ
وقال الأصمعي : ثَرَّبْتُ عليه وعَرَّبْتُ عليه بمعنى إذا قبحت عليه فعله . وقال الزجاج : المعنى لا إفساد لما بيني وبينكم من الحرمة ، وحق الإخوة ، ولكم عندي العفو والصفح ، وأصل التثريب الإفساد ، وهي لغة أهل الحجاز . وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي الباب يوم فتح مكة ، وقد لاذ الناس بالبيت فقال : ( الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ) ثم قال : ( ماذا تظنون يا معشر قريش ) قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم وقد قدرت ، قال : ( وأنا أقول كما قال أخي يوسف " لا تثريب عليكم اليوم " فقال عمر رضي الله عنه : ففضت عرقا من الحياء من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ذلك أني قد كنت قلت لهم حين دخلنا مكة : اليوم ننتقم منكم ونفعل ، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال استحييت من قولي .
" يغفر الله لكم " مستقبل فيه معنى الدعاء ، سأل الله أن يستر عليهم ويرحمهم . وأجاز الأخفش الوقت على " عليكم " والأول هو المستعمل ، فإن في الوقف على " عليكم " والابتداء ب " اليوم يغفر الله لكم " جزم بالمغفرة في اليوم ، وذلك لا يكون إلا عن وحي ، وهذا بين . وقال عطاء الخراساني : طلب الحوائج من الشباب أسهل منه من الشيوخ ، ألم تر قول يوسف : " لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم " وقال يعقوب : " سوف أستغفر لكم ربي " .
فكأنه قيل : ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم ؟ فقيل : { قال } قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام { لا تثريب } أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك { عليكم اليوم } وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب{[42686]} ، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده !
ومادة " ثرب " تدور على البرث{[42687]} - بتقديم الموحدة ، وهو أسهل الأرض وأحسنها{[42688]} ؛ والثبرة - بتقديم المثلثة : أرض ذات حجارة بيض ، فإنه يلزمه الإخلاد ، والدعة ، ومنه : ثابر على الأمر : داوم ، والمثبر - كمنزل : لمسقط{[42689]} الولد أي موضع ولادته ، والمقطع والمفصل ، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد ، ومنه الثبور للهلاك ، والبثر{[42690]} بتقديم الموحدة : خراج معروف : والماء البثر{[42691]} : الذي بقى منه{[42692]} على الأرض شيء قليل ؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضاً : حبس الإنسان ، وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضاً ؛ والتثريب : التقرير بالذنب ، فهو{[42693]} إزالة ما على الإنسان{[42694]} من ساتر{[42695]} العفو ، من الثرب{[42696]} وهو شحم يغشى الكرش{[42697]} والأمعاء ويسترهما ، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها ، فالتثريب إزالته ، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك ، فأغلب مدار المادة الهلاك .
ولما أعفاهم من الترثيب ، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله ، فأتبعه الجواب{[42698]} عن ذلك بالدعاء لهم بقوله : { يغفر الله } أي الذي له صفات الكمال { لكم } أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا ؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص{[42699]} التوبة ، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران ، فقال : { وهو } أي وحده { أرحم الراحمين * } أي لجميع{[42700]} العباد ولا سيما التائب ، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم ، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا{[42701]} إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي لما فرط منا ، فقال : إن أهل مصر ينظرونني{[42702]} - وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع{[42703]} بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي ، وأني من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام .
وكان عليه السلام بالغا في تسامحه وإحسانه ؛ فقد عفا عنهم وصفح ؛ إذ خاطبهم { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ } { تثريب } اسم لا النافية للجنس . و { عليكم } خبرها . والتثريب : اللوم والعتب والتأنيب ، أو التعبير بالذنب{[2291]} . والمقصود : أن يوسف عليه السلام أجابهم بسجيته الكريمة وطبعه المتسامح والودود ، وخلقه العظيم المفضال : إنه لا لوم عليكم ولا تعبير ولا عقوبة ، فلا أقربكم اليوم ولا في غيره من الأيام بتعبير أو عتب { يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ } دعا الله لهم بالمغفرة والستر لما فرط منهم من خطيئة أو ذنب { وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } بعد أن دعا الله لهم بالمغفرة والإحسان أثنى على الله بما هو أهله ؛ إذ اخبر عن صفة من صفات الله وهي أنه تعالى أحرم الرحمين ؛ فهو سبحانه بفيض رحمته وجميل فضله وإحسانه يتجاوز عن المسيئين والمذنبين والخاطئين{[2292]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.