الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ} (2)

" رب " لا تدخل على الفعل ، فإذا لحقتها " ما " هيأتها للدخول على الفعل تقول : ربما قام زيد ، وربما يقوم زيد . ويجوز أن تكون " ما " نكرة بمعنى شيء ، و " يود " صفة له ، أي رب شيء يود الكافر . وقرأ نافع وعاصم " ربما " مخفف الباء . الباقون مشددة ، وهما لغتان . قال أبو حاتم : أهل الحجاز يخففون ربما ؛ قال الشاعر :

ربَّما ضربةٍ بسيف صقيل*** بين بُصْرَى وطعنةٍ نَجْلاَءِ{[9593]}

وتميم وقيس وربيعة يثقلونها . وحكي فيها : رَُبَّمَا ورَُبَمَا ، ورُبَّتَمَا ورُبَتَمَا ، بتخفيف الباء وتشديدها أيضا{[9594]} . وأصلها أن تستعمل في القليل وقد تستعمل في الكثير ، أي يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين ، قاله الكوفيون . ومنه قول الشاعر :

ألا ربما أهدت لك العينُ نظرةً *** قُصاراك منها أنها عنك لا تُجدِي{[9595]}

وقال بعضهم : هي للتقليل في هذا الموضع ؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع لا في كلها ؛ لشغلهم بالعذاب ، والله أعلم . قال : " ربما يود " وهي إنما تكون لما وقع ؛ لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان . وخرج الطبراني أبو القاسم من حديث جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن ناسا من أمتي يدخلون النار بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون : ما نرى ما كنتم تخالفونا فيه من تصديقكم وإيمانكم نفعكم ، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله من النار - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم - " ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين " ) . قال الحسن : إذا رأى المشركون المسلمين وقد دخلوا الجنة ومأواهم في النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين . وقال الضحاك : هذا التمني إنما هو عند المعاينة في الدنيا حين تبين لهم الهدي من الضلالة . وقيل : في القيامة إذا رأوا كرامة المؤمنين وذل الكافرين .


[9593]:البيت لعدي بن الرعلاء الغساني. وبصرى: بلدة قرب الشام، هي كرسي حوران، كان يقوم فيها سوق للجاهلية. قال صاحب خزانة الأدب: ".... وإنما صح إضافة بين إلى بصرى لاشتمالها على متعدد من الأمكنة، أي بين أماكن بصرى ونواحيها. وروى الشريف الحسيني في حماسته: "دون بصرى" ودون هنا بمعنى قبل أو بمعنى خلف. وقال العيني: بمعنى عند". راجع الخزانة في الشاهد التاسع والتسعين بعد السبعمائة.
[9594]:قال ابن هشام في المغني: "وفي رب ست عشرة لغة: ضم الراء وفتحها، وكلاهما مع التشديد والتخفيف. والأوجه الأربعة مع تاء التأنيث، ساكنة أو محركة، ومع التجرد منها: فهذه اثنا عشرة. والضم والفتح مع إسكان الباء وضم الحرفين مع التشديد ومع التخفيف".
[9595]:أي لا تغني، يقال: ما يجدي عنك هذا، أي ما يغني. وفي بعض نسخ الأصل: لا تجزي، بالزاي، وهي بمعنى لا تغني.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ} (2)

ولما وصف سبحانه هذا القرآن بما وصفه من العظمة والإبانة لجميع المقاصد التي منها سؤال الكفرة عند رؤية العذاب التأخير للطاعة في قوله تعالى { وانذر الناس يوم يأتيهم العذاب } كان كأنه قيل : ما له لم يبين للكفرة سوء عاقبتهم بياناً يردهم ؟ فقال سبحانه باسطاً لقوله { ولينذروا به } { ربما يود } أشار تعالى بكونه مضارعاً إلى أن ودهم لذلك يكون كثيراً جداً متكرراً ، وإيلاءه لربما - وإنما يليها في الأغلب الماضي - معلم بأنه مقطوع به كما يقطع بالماضي الذي تحقق ووقع { الذين كفروا } أي ولو وقتاً ما والود : التمني وهو تقدير المعنى في النفس للاستمتاع ، وإظهار ميل الطباع له إليه ، وفيه اشتراك بين التمني والحب - قاله الرماني ، وهو هنا للتمني فإنه بين مودودهم بقوله : { لو كانوا } أي كوناً جبلياً { مسلمين * } أي عريقين في وصف الإسلام من أول أمرهم إلى آخره ؛ قال الرماني : والإسلام : إعطاء الشيء على حال سلامة كإسلام الثوب إلى من يقصره ، وإسلام الصبي إلى من يعلمه ، فالإسلام الذي هو الإيمان - إعطاء معنى الحق في الدين بالإقرار والعمل به - انتهى . وقد كان ما أخبر الله به فقد ندم كل من أسلم من الصحابة على تأخير إسلامه لما علموا فضل الإسلام ورأوا فضائل السابقين - كما هو مذكور في السير وفتوح البلدان وسيكون ما شاء الله من ذلك في القيامة وما قبلها ، فالمعنى أنكم إن كذبتم في القطع - في نحو قوله{ فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا }[ إبراهيم :44 ] ، الآية - بأنكم ترجعون عن هذا الشمم وتتبرؤون من هذه السجايا والهمم فتسألون الله تعالى في الطاعة ، وقد فات الفوت بحلول حادث الموت إلى غيره ، فلا أقل من أن يكون عندكم شك في الأمور التي يجوز كونها ، ولا ينبغي حينئذ للعاقل ترك الاهتمام بالاستعداد على تقدير هذا الاحتمال ، هذا - أعني التقليل - مدلول " رب " ، وقال بعضهم : إنها قد ترد للتكثير ، وقال الجمال ابن هشام في كتاب المغني : إنه أغلب أحوالها ، واستدل بشواهد لا تدل عند التأمل . ولا يصح قول من نسب إلى الكشاف ذلك ، فإن كلامه مأخوذ من الزجاج ، وعبارة الزجاج - كما نقلها الإمام جمال الدين محمد بن المكرم في كتابه لسان العرب ومن خطه نقلت : من قال : إن رب يعني بها التكثير فهو ضد ما تعرفه العرب ، فإن قال قائل : فلم جازت في قوله { ربما يود الذين كفروا } و { رب } للتقليل ؟ فالجواب أن العرب خوطبت بما تعلمه في التهدد ، والرجل يتهدد الرجل فيقول : لعلك ستندم على فعلك ؟ وهو لا يشك أنه يندم ، ويقول : ربما ندم الإنسان على ما صنعت ، وهو يعلم أن الإنسان يندم كثيراً ، ولكن مجازه أن هذا لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف أن يندم على الشيء لوجب عليه اجتنابه ، والدليل عل أنه معنى التهدد قوله تعالى { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا } انتهى .

فقد علم من هذا أنهم يطلقونها بمعنى القلة فيما يعلمون أنه كثير إرخاء للعنان وتنبيهاً على وجوب الأخذ بالأحوط ، وذلك واقع في التهديد ، وفرق كبير بين ما يعلم أنه كثير من أمر خارج عن العبارة المخبر بها عنه وبين ما تعرف كثرته من تلك العبارة ، وزيدت ما فيها تأكيداً من حيث إنها تفهم أن الأمر لا يكون إلا كذلك ، ولتهيئتها لمجيء الفعل بعدها ؛ قال الإمام أبو حيان : والظاهر أن ما في رب ، مهيئة ، وذلك أنها من حيث هي حرف جر - على خلاف فيه - لا يليها إلا الأسماء ، فجيء بها مهيئة لمجيء الفعل بعدها ، وعلى كثرة مجيء رب في كلام العرب لم تجىء في القرآن إلا في هذا الموضع - انتهى . ودخلت ههنا على المضارع - وهي للماضي - لأنه لصدق الوعد كأنه عيان قد كان ، أو لأن " ما " إذا لحقتها سوغت دخولها على المستقبل كما تدخل على المعرفة - قاله الرماني .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ} (2)

قوله : { ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين } قرئ قوله : ( ربما ) بالتشديد والتخفيف . فالتشديد على الأصل . والتخفيف لكثرة الاستعمال . وما ، كافة عن العمل فخرجت بها عن كونها حرفا ؛ لأن رب ، حرف جر ، وحرف الجر يلزم للأسماء . فلما دخلت " ما " عليها جاز أن يقع بعدها الفعل فخرجت عن كونها حرفا وصارت بمنزلة ( ما ) في طالما وقلما . فإن ( طال وقل ) فعلان ماضيان ، دخلت عليهما ( ما ) فخرجا عن مذهب الفعل . ولا يدخل بعد ( ربما ) إلا الفعل الماضي . وإنما جاء ههنا المضارع بعدها على سبيل الحكاية{[2429]} .

والآية إخبار عن المشركين الظالمين الذين خسروا أنفسهم فصاروا إلى أسوأ المصير ؛ فغشيهم بذلك ندم شديد ، ثم تمنوا أن لو كانوا في الدنيا مسلمين لينجوا مما حاق بهم من شديد العقاب . وقيل : نزلت في كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين . وقيل : إن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا .

وهذه واحدة من أهوال كاثرة جسام تغشى المجرمين الخاسرين ليذوقوا الوبال الشديد . سواء في الدنيا عند الاحتضار ومفارقة هذه الحياة ، أو في الآخرة حيث البلايا والقوارع وكبريات النوازل مما لا يتصوره بشر . نجانا الله من هول ذلك كله نجاة تفضي بنا إلى الأمان والرضوان .


[2429]:- البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 63