الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

قوله تعالى : " ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا " ، نهى عن الرشا وأخذ الأموال على نقض العهد ، أي : لا تنقضوا عهودكم لعرض قليل من الدنيا . وإنما كان قليلا وإن كثر ؛ لأنه مما يزول ، فهو على التحقيق قليل ، وهو المراد بقوله : " ما عندكم ينفد وما عند الله باق " ، فبين الفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة بأن هذه تنفد وتحول ، وما عند الله من مواهب فضله ونعيم جنته ثابت لا يزول لمن وفّى بالعهد وثبت على العقد . ولقد أحسن من قال :

المال ينفد حِلّه وحرامه *** يوما وتبقى في غدٍ آثامُه

ليس التَّقِيُّ بمُتَّقٍ لإلههِ{[10045]} *** حتى يطيبَ شرابُه وطعامُه

آخر :

هبِ الدنيا تُسَاقُ إليك عفوًا*** أليس مصيرُ ذاك إلى انتقالِ

وما دُنْيَاكَ إلا مثلُ فيء*** أظلَّك ثم آذنَ بالزَّوَالِ

قوله تعالى : " ولنجزين الذين صبروا " ، أي : على الإسلام والطاعات وعن المعاصي . " أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون " ، أي : من الطاعات ، وجعلها أحسن ؛ لأن ما عداها من الحسن مباح ، والجزاء إنما يكون على الطاعات من حيث الوعد من الله . وقرأ عاصم وابن كثير " ولنجزين " : بالنون على التعظيم . الباقون بالياء . وقيل : إن هذه الآية : " ولا تشتروا . . . " ، نزلت في امرئ القيس بن عابس الكندي ، وخصمه ابن أسوع{[10046]} ، اختصما في أرض ، فأراد امرؤ القيس أن يحلف ، فلما سمع هذه الآية نكل وأقر له بحقه ، والله أعلم .


[10045]:في نسخ الأصل: ليس التقى بمن يمير بأهله وفي ي: يميز، والتصويب عن أدب الدنيا والدين ص 212 طبع بولاق.
[10046]:الذي في كتب الصحابة في ترجمة امرئ القيس بن عابس أنه ربيعة بن عيدان، وقال صاحب كتاب الإصابة في ترجمة عيدان بن أسوغ: "ذكر مقاتل في تفسيره أنه الذي حاصر امرئ القيس بن عابس الكندي في أرضه، وفيه نزلت : "إن الذين يشترون بعهد الله..." الآية.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

ثم بين خيريته وكثرته بقوله تعالى على سبيل التعليل : { ما عندكم } ، أي : من أعراض الدنيا ، وهو الذي تتعاطونه بطباعكم ، { ينفد } ، أي : يفنى ، فصاحبه منغص العيش ، أشد ما يكون به اغتباطاً بانقطاعه ، أو بتجويز انقطاعه إن كان في عداد من يعلم . { وما عند الله } ، أي : الذي له الأمر كله من الثواب ، { باق } ، فليؤتينكم منه إن ثبتم على عهده ، ثم لوح بما في ذلك من المشقة عطفاً على هذا المقدر فقال تعالى مؤكداً لأجل تكذيب المكذبين : { ولنجزين } ، أي : الله - على قراءة الجماعة بالياء ، ونحن - على قراءة ابن كثير وعاصم بالنون التفاتاً إلى التكلم للتعظيم ، { الذين صبروا } على الوفاء بما يرضيه من الأوامر والنواهي ، { أجرهم } ، ولما كان كرماء الملوك يوفون الأجور بحسب الأعمال من الأحسن وما دونه ، أخبر بأنه يعمد إلى الأحسن فيرفع الكل إليه ويسوي الأدون به فقال : { بأحسن ما كانوا } ، أي : كوناً هو جبلة لهم { يعملون * } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} (96)

قوله : ( ما عندكم ينفد وما عند الله باق ) ، ( ما عندكم ) ، مبتدأ ، وخبره ( ينفد ) . والنفاد معناه الذهاب والفناء . ونفد ، بالكسر ، ينفد ، بالفتح ، نفادا ونفودا{[2603]} . وذلك إعلان رباني داو يثير الأذهان ويبعث على طول التدبر والاعتبار . وجملة ذلك : أن ما عندكم أيها الناس من مال وزخرف وزينة على اختلاف صورها وأشكالها وضروبها ؛ فإنه داثر زائل . والأصل في ذلك أن هذه الدنيا بكليتها وبما حوته من أموال وخيرات تشتهيها الأنفس ليست إلا الحطام الذي سيفضي لا محالة إلى الفناء . لكن ما عند الله من جزاء أعده لعباده المؤمنين الصادقين الأوفياء لهو الدائم الباقي .

قوله : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ، أي : ليثيبن الله الذين صبروا على الفاقة وأذى الكافرين ، وعلى طاعة ربهم والتزام شرعه وأحكامه يوم القيامة بجزاء أحسن من أعمالهم . أو بأحسن ما كانوا يعملون من الأعمال دون أسوئها{[2604]} .


[2603]:- الدر المصون جـ7 ص 284.
[2604]:- تفسير الطبري جـ14 ص 113- 115 والدر المصون جـ7 ص 284 وتفسير البيضاوي ص 365.