الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

قوله تعالى : { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله } فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى : " ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله " أي بالقلب ، وهو توبيخ ووصية من المؤمن للكافر ورد عليه ، إذ قال " ما أظن أن تبيد هذه أبدا " [ الكهف : 35 ] و " ما " في موضع رفع ، تقديره : هذه الجنة هي ما شاء الله . وقال الزجاج والفراء : الأمر ما شاء الله ، أو هو ما شاء الله ، أي الأمر مشيئة الله تعالى . وقيل : الجواب مضمر ، أي ما شاء الله كان ، وما لا يشاء لا يكون . " لا قوة إلا بالله " أي ما اجتمع لك من المال فهو بقدرة الله تعالى وقوته لا بقدرتك وقوتك ، ولو شاء لنزع البركة منه فلم يجتمع .

الثانية : قال أشهب قال مالك : ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا . وقال ابن وهب وقال لي حفص بن ميسرة : رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا " ما شاء الله لا قوة إلا بالله " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي هريرة : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة - أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى يا رسول الله ، قال ( لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قالها العبد قال الله عز وجل أسلم عبدي واستسلم ) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى . وفيه : فقال ( يا أبا موسى أو يا عبدالله بن قيس ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة - في رواية على كنز من كنوز الجنة - ) قلت : ما هي يا رسول الله ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة أو قال كنز من كنوز الجنة ) قلت : بلى ، فقال ( لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ) . وروي أنه من دخل منزل أو خرج منه فقال : باسم الله ما شاء الله لا قوة إلا بالله تنافرت عنه الشياطين من بين يديه وأنزل الله تعالى عليه البركات . وقالت عائشة : إذا خرج الرجل من منزله فقال : باسم الله قال الملك : هديت ، وإذا قال : ما شاء الله قال : الملك كفيت ، وإذا قال : لا قوة إلا بالله قال الملك وقيت . خرجه الترمذي من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قال - يعني إذا خرج من بيته - باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله يقال كفيت ووقيت وتنحى عنه الشيطان ) هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . خرجه أبو داود أيضا وزاد فيه - فقال له : ( هديت وكفيت ووقيت ) . وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا خرج الرجل من باب بيته أو باب داره كان معه ملكان موكلان به فإذا قال باسم الله قالا هديت وإذا قال لا حول ولا قوة إلا بالله قالا : وقيت ، وإذا قال : توكلت على الله قالا : كفيت ، قال : فيلقاه قريناه فيقولان : ماذا تريدان من رجل قد هدي ووقي وكفي ) . وقال الحاكم أبو عبد الله في علوم الحديث : سئل محمد بن إسحاق بن خزيمة عن قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحاجت الجنة والنار فقالت هذه - يعني الجنة - يدخلني الضعفاء ) من الضعيف ؟ قال : الذي يبرئ نفسه من الحول والقوة يعني في اليوم عشرين مرة أو خمسين مرة . وقال أنس بن مالك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رأى شيئا فأعجبه فقال ما شاء الله لا قوة إلا بالله لم يضره عين ) . وقد قال قوم : ما من أحد قال ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي به . وروي أن من قال أربعا أمن من أربع : من قال هذه أمن من العين ، ومن قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الشيطان ، ومن قال وأفوض أمري إلى الله أمن مكر الناس ، ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم .

قوله تعالى : " إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا " " إن " شرط " ترن " مجزوم به ، والجواب " فعسى ربي " و " أنا " فاصلة لا موضع لها من الإعراب . ويجوز أن تكون في موضع نصب توكيدا للنون والياء . وقرأ عيسى بن عمر " إن ترن أنا أقل منك " بالرفع ، يجعل " أنا " مبتدأ و " أقل " خبره ، والجملة في موضع المفعول الثاني ، والمفعول الأول النون والياء ، إلا أن الياء حذفت لأن الكسرة تدل عليها ، وإثباتها جيد بالغ وهو الأصل لأنها الاسم على الحقيقة . و " فعسى " بمعنى لعل أي فلعل ربي . " أن يؤتيني خيرا من جنتك " أي في الآخرة . وقيل في الدنيا . " ويرسل عليها " أي على جنتك . " حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا " أي مرامي من السماء ، واحدها حسبانة ، قاله الأخفش والقتبي وأبو عبيدة . وقال ابن الأعرابي : والحسبانة السحابة ، والحسبانة الوسادة ، والحسبانة الصاعقة . وقال الجوهري : والحسبان ( بالضم ) : العذاب . وقال أبو زياد الكلابي : أصاب الأرض حسبان أي جراد . والحسبان أيضا الحساب ، قال الله تعالى : " الشمس والقمر بحسبان{[10541]} " [ الرحمن : 5 ] . وقد فسر الحسبان هنا بهذا . قال الزجاج : الحسبان من الحساب ، أي يرسل عليها عذاب الحساب ، وهو حساب ما اكتسبت يداك ، فهو من باب حذف المضاف . والحسبان أيضا : سهام قصار يرمى بها في طلق واحد ، وكان من رمي الأكاسرة . والمرامي من السماء عذاب . " فتصبح صعيدا زلقا " يعني أرضا بيضاء لا ينبت فيها نبات ولا يثبت عليها قدم ، وهي أضر أرض بعد أن كانت جنة أنفع أرض ؛ و " زلقا " تأكيد لوصف الصعيد ، أي وتزل عنها الأقدام لملاستها . يقال : مكان زلق ( بالتحريك ) أي دحض ، وهو في الأصل مصدر قولك : زَلَقَتْ رجلُه تَزْلِقُ زَلَقًا ، وأزلقها غيره . والزلق أيضا عجز الدابة . قال رؤبة :

كأنها حَقْبَاءُ بلقاءُ الزَّلَقْ

والمَزْلَقَة والمُزْلَقَة : الموضع الذي لا يثبت عليه قدم . وكذلك الزَّلاَقة . والزَّلْق الحلق ، زَلَقَ رأسَه يزلقه زلقا حلقه ، قاله الجوهري . والزلق المحلوق ، كالنَّقْض والنَّقَض . وليس المراد أنها تصير مزلقة ، بل المراد أنها لا يبقى فيها نبات كالرأس إذا حلق لا يبقى عليه شعر ، قاله القشيري .


[10541]:راجع جـ 17 ص 152.

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

ولما أقر هذا المؤمن بالعجز والافتقار ، في نظير ما أبدى الكافر من التقوى والافتخار ، سبب عن ذلك ما جرت به{[46339]} العادة في{[46340]} كل جزاء ، داعياً{[46341]} بصورة التوقع فقال تعالى{[46342]} : { فعسى ربي } المحسن إليّ { أن يؤتين } من خزائن رزقه { خيراً من جنتك } فيحسن إليّ بالغنى كما أحسن إليّ بالفقر المقترن بالتوحيد ، المنتج للسعادة { ويرسل عليها } أي جنتك { حسباناً } أي مرامي من الصواعق {[46343]}والبرد الشديد{[46344]} { من السماء } .

{[46345]}ولما كانت المصابحة بالمصيبة أنكى ما يكون ، قال تعالى{[46346]} : { فتصبح } بعد كونها قرة للعين{[46347]} بما تهتز به من الأشجار والزروع { صعيداً زلقاً * } {[46348]}أي أرضاً يزلق عليها لملاستها{[46349]} باستئصال نباتها ، فلا ينبت فيها نبات ، ولا يثبت فيها قدم


[46339]:سقط من مد.
[46340]:زيد من مد.
[46341]:زيد بعده في الأصل: في ولم تكن الزيادة في مد فحذفناها.
[46342]:العبارة من "ولما أقر" إلى هنا ساقطة من ظ.
[46343]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46344]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46345]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46346]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46347]:من ظ ومد، وفي الأصل: العين.
[46348]:في ظ: أرضا ملساء.
[46349]:في ظ: أرضا ملساء.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا} (40)

وجوابه ( فعسى ربي ) في الآية التي بعدها وتقدير . ترني أقل منك مالا . و ( أنا ) ، ضمير فصل لا محل له من الإعراب . وقيل : توكيد للنون والياء{[2818]} . والمعنى : إن كنت تراني ( أقل منك مالا وولدا ) في هذه الدنيا الفانية فلعل الله يعطيني من فضله في الدنيا أو في الآخرة خيرا مما أعطاك . ولعله سبحانه أن يرسل على جنتك هذه ( حسبانا من السماء ) أي عذابا من السماء . وقيل : الحسبان الصواعق . واحدتها حسبانة .

وقيل : الحسبانة السحابة . والمراد : أن يرسل الله من السماء عذابا يأتي على جنتك بالتدمير والتخريب ( فتصبح صعيدا زلقا ) الصعيد ، التراب ، أو وجه الأرض{[2819]} ، و ( زلقا ) أي ملساء لا يثبت عليهم قدم{[2820]} ؛ أي تصبح جنتك أرضا ملساء لا نبات فيها ، ولا يثبت عليها قدم لملامستها .


[2818]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 109.
[2819]:- القاموس المحيط جـ2 ص 318.
[2820]:- مختار الصحاح ص 274.