الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا} (68)

قوله تعالى : " فوربك لنحشرنهم " أقسم بنفسه بعد إقامة الحجة بأنه يحشرهم من قبورهم إلى المعاد كما يحشر المؤمنين . " والشياطين " أي ولنحشرن الشياطين قرناء لهم . قيل : يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة ، كما قال " احشروا الذين ظلموا وأزواجهم{[10905]} " [ الصافات : 22 ] الزمخشري : والواو في " والشياطين " يجوز أن تكون للعطف وبمعنى مع ، وهي بمعنى مع أوقع ، والمعنى : أنهم يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذي أغووهم ، يقرنون{[10906]} كل كافر مع شيطان في سلسلة . فإن قلت : هذا إذا أريد بالإنسان الكفرة خاصة ، فإن أريد الأناسي على العموم فكيف يستقيم حشرهم مع الشياطين ؟ قلت : إذا حشر جميع الناس حشرا واحدا ، وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين ، فقد حشروا مع الشياطين كما حشروا مع الكفرة ، فإن قلت : هلا عزل السعداء عن الأشقياء في الحشر كما عزلوا عنهم في الجزاء ؟ قلت : لم يفرق بينهم في المحشر ، وأحضروا حيث تجاثوا حول جهنم ، وأوردوا معهم النار ليشاهد السعداء الأحوال التي نجاهم الله منها وخلصهم ، فيزدادوا لذلك غبطة وسرورا إلى سرور ، ويشمتوا بأعداء الله تعالى وأعدائهم فتزداد مساءتهم وحسرتهم{[10907]} وما يغيظهم من سعادة أولياء الله وشماتتهم بهم . فإن قلت : ما معنى إحضارهم جثيا ؟ قلت : أما إذا فسر الإنسان بالخصوص ، فالمعنى : أنهم يعتلون من المحشر إلى شاطئ جهنم عَتْلاً{[10908]} على حالهم التي كانوا عليها في الموقف ، جثاة على ركبهم غير مشاة على أقدامهم ، وذلك أن أهل الموقف وصفوا بالجثو قال الله تعالى " وترى كل أمة جاثية " {[10909]} على الحالة المعهودة في مواقف المقاولات والمناقلات من تجاثي أهلها على الركب ؛ لما في ذلك من الاستيفاز{[10910]} والقلق وإطلاق الجُثَا خلاف الطمأنينة ، أو{[10911]}لما يدهمهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على أرجلهم فيجثون على ركبهم جثوا وإن فسر بالعموم ، فالمعنى أنهم يتجاثون عند موافاة شاطئ جهنم . على أن " جثيا " حال مقدرة كما كانوا في الموقف متجاثين ؛ لأنه من توابع التواقف للحساب ، قبل التواصل إلى الثواب والعقاب ، ويقال : إن معنى " ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " أي جثيا على ركبهم عن مجاهد وقتادة أي أنهم لشدة ما هم فيه لا يقدرون على القيام " وحول جهنم " يجوز أن يكون داخلها كما تقول : جلس القوم حول البيت أي داخله مطيفين به . فقوله ( حول جهنم ) على هذا يجوز أن يكون بعد الدخول ، ويجوز أن يكون قبل الدخول ، و " جثيا " جمع جاث . يقال : جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوا وجثيا ، على فعول فيهما ، وأجثاه غيره وقوم جثي أيضا ، مثل جلس جلوسا وقوم جلوس وجثي أيضا بكسر الجيم لما بعدها من الكسر . وقال ابن عباس : " جثيا " جماعات . وقال مقاتل : جمعا جمعا ، وهو على هذا التأويل جمع جُثْوة وجَثْوة وجِثْوة ثلاث لغات ، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع ، فأهل الخمر على حدة وأهل الزنى على حدة ، وهكذا قال طرفة :

ترى جُثْوَتَيْنِ من تراب عليها *** صفائحُ صُمٌّ من صفيحٍ مُنَضَّدِ

وقال الحسن والضحاك : جاثية على الركب ، وهو على هذا التأويل جمع جاث ، على ما تقدم ، وذلك لضيق المكان أي لا يمكنهم أن يجلسوا جلوسا تاما ، وقيل : جثيا على ركبهم للتخاصم ، كقوله تعالى " ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون{[10912]} " وقال الكميت :

هم تركوا سَرَاتَهُمُ جثيًّا *** وهم دون السَّرَاةِ مقرَّنِينَا


[10905]:راجع جـ 15 ص 72 فما بعد.
[10906]:كذا في أ وفي ب وجـ و ز و ط و ك. يقرن. وفي ي: يحشر.
[10907]:في ز: حزنهم.
[10908]:العتل: الدفع والإرهاق بالسوق العنيف. قعد مستوفزا أي غير مطمئن.
[10909]:راجع جـ 16 ص 174.
[10910]:الاستيفاز: عدم الاطمئنان؛ قاله الجوهري.
[10911]:في جـ: ولما يدهمهم.
[10912]:راجع جـ 15 ص 254.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا} (68)

ولما كان {[48561]}كلام الكافر صورته صورة استفهام ، وهو جحد في الحقيقة وإنكار ، وكان{[48562]} إنكار المهدَّد لشيء يقتدر عليه المهدد سبباً لأن يحققه لما مقسماً عليه ، قال تعالى مجيباً عن إنكاره مؤذناً بالغضب عليهم بالإعراض عنهم مخاطباً لنبيه صلى الله عليه وسلم {[48563]}تفخيماً لشأنه وتعظيماً لأمره{[48564]} : { فوربك } المحسن إليك بالانتقام منهم .

ولما كان الإنكار للبعث يلزم منه الاحتقار ، أتى بنون العظمة ، واستمر في هذا التحلي بهذا المظهر إلى آخر وصف هذا اليوم فقال : { لنحشرنهم } بعد البعث { والشياطين } الذين يضلونهم {[48565]}بجعل كل واحد{[48566]} {[48567]}منهم مع قرينه الذي أضله{[48568]} ، في سلسلة{[48569]} { ثم لنحضرنهم } بعد طول الوقوف{[48570]} { حول جهنم } التي هم بها مكذبون ، {[48571]}يحيطون بها لضيق رأسها وبعد قعرها{[48572]} ، حال كونهم { جثياً * } على الركب من هول المطلع وشدة الذل ، مستوقرين تهيؤوا للمبادرة إلى امتثال الأوامر


[48561]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48562]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48563]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48564]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48565]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48566]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48567]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48568]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48569]:زيد من مد.
[48570]:زيد من مد.
[48571]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[48572]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا} (68)

قوله : { فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا } هذا القسم من الله بإضافة المقسم به وهو الله إلى رسوله تتضمن تعظيما له ( ص ) . والواو العاطفة بمعنى مع ؛ أي يقسم الله بجلاله العظيم أن الكافرين المكذبين بيوم القيامة محشورون مع الشياطين الذين أضلوهم وأغووهم ؛ فما من شقي جاحد من البشر إلا ويجاء به يوم القيامة مقرونا مع شيطان بسلسلة ( ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا ) ( جثيا ) ، منصوب على الحال . جمع جاث ؛ أي بارك على الرُكب . يقال : جثا يجثو جُثوّا وجثيا ؛ وهم الجالسون على ركبهم{[2917]} ، وعن ابن عباس ، بمعنى : جماعات جماعات ، جمع جثوة وهو المجوع من التراب والحجارة .

والمقصود أن الكافرين مع الشياطين يساقون يوم القيامة إلى جهنم جاثين ؛ أي باركين حول جهنم ، زيادة في التعذيب والتنكيل والإيلام من هول المنظر . فيا لله لهذا الحال البئيس المرعب الذي تتوقد فيه النار ، والكافرون والشياطين باركون على ركبهم وهم مقيدون مقرونون في السلاسل من حول جهنم في تأججها الرهيب واستعارها المضطرم ! {[2918]}

هكذا يمكث هؤلاء الأخسرون في هذا التعس من المنظر الفظيع جثيا وقتا من الزمان- الله أعلم كم يستمر- قبل أن يكبكبوا في النار ! نسأل الله العافية والستر والنجاة .


[2917]:- القاموس المحيط ص 1638.
[2918]:- الدر المصون جـ7 ص 624.