قوله تعالى : " قل من كان في الضلالة " أي في الكفر " فليمدد له الرحمن مدا " أي فليدعه في طغيان جهله وكفره فلفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر أي من كان في الضلالة مده الرحمن مدا حتى يطول اغتراره فيكون ذلك اشد لعقابه نظيره " إنما نملي لهم ليزدادوا إثما " {[10934]} [ آل عمران :178 ] وقوله : " ونذرهم في طغيانهم يعمهون{[10935]} " [ الأنعام : 110 ] ومثله كثير ، أي فليعش ما شاء ، وليوسع لنفسه في العمر ، فمصيره إلى الموت والعقاب . وهذا غاية في التهديد والوعيد . وقيل : هذا دعاء أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، تقول : من سرق مالي فليقطع الله تعالى يده ، فهو دعاء على السارق . وهو جواب الشرط وعلى هذا فليس قوله " فليمدد " خبرا . " حتى إذا رأوا ما يوعدون " قال " رأوا " لأن لفظ " من " يصلح للواحد والجمع . و " إذا " مع الماضي بمعنى المستقبل ، أي حتى يروا ما يوعدون والعذاب هنا ، إما أن يكون بنصر المؤمنين عليهم فيعذبونهم بالسيف والأسر ، وإما أن تقوم الساعة فيصيرون إلى النار . " فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا
أي تنكشف حينئذ الحقائق وهذا رد لقولهم : ( أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ) .
فكأنه قيل : فما يقال لهم ؟ فقال : { قل } أي{[48623]} لهم {[48624]}رداً عليهم وقطعاً لمعاذيرهم وهتكاً لشبههم{[48625]} : هذا الذي افتخرتم به لا يدل على حسن الحال في الآخرة ، بل على عكس ذلك ، فقد جرت عادته سبحانه أنه { من كان في الضلالة } مثلكم كوناً راسخاً{[48626]} بسط له في الدنيا وطيب عيشه في ظاهر الحال{[48627]} فيها ، ونعم بأنواع الملاذ ، وعبر عن أن ذلك لا يكاد يتخلف عن غير من حكم{[48628]} بإلزامه المسكنة من اليهود بلام الأمر ، إيذاناً {[48629]}بوجوده وجود المأمور به الممتثل{[48630]} في قوله : { فليمدد } وأشار إلى التحلي لهم بصفة الإحسان بقوله : { له الرحمن } أي العام الامتنان { مداً * } في العاجلة بالبسط في الآثار ، والسعة في الديار ، والطول في الأعمار ، وإنفاقها فيما يستلذ من الأوزار الكبار ، {[48631]} فيزيده العزيز الجبار بذلك ضلالة{[48632]} ، فيا له من خسار ، وتباب وتبار ، لمن له{[48633]} استبصار ، ولا نزال نمد هل استدراجاً { حتى } {[48634]}وحقق أخذهم بأداة التحقيق{[48635]} فقال : { إذا رأوا } أي كل من كفر بالله بأعينهم{[48636]} وإن ادعوا أنهم يتعاضدون ويتناصرون ، ولذلك جمع باعتبار المعنى{[48637]} { ما يوعدون } من قبل الله { إما العذاب } في الدنيا بأيدي المؤمنين أو غيرهم ، أو في البرزخ { وإما الساعة } التي هم بها مكذبون ، وعن الاستعداد لها معرضون ، ولا شيء يشبه أهوالها ، وخزيها ونكالها .
ولما كان الجواب : علموا أن مكانهم شر الأماكن ، وأن جندهم أضعف الجنود ، عبر عنه بقوله تهديداً : { فسيعلمون } إذا رأوا ذلك { من هو شر مكاناً } {[48638]}أي من جهة المكان الذي قوبل به{[48639]} المقام { وأضعف جنداً * }{[48640]} هم أو المؤمنون{[48641]} ، {[48642]}أي أضعف{[48643]} من جهة الجند الذي أشير به إلى النديّ ، لأن القصد من فيه ، وكأنه عبر بالجند لأن قصدهم المغالبة وما{[48644]} كل من في النديّ يكون مقاتلاً .
قوله تعالى : ( قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا ( 75 ) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا ( 76 ) } .
يقول الله جل وعلا لهؤلاء الضالين السفهاء الذين يفاخرون بزينة الدنيا وحظوظها من الأموال والأثاث وحسن المظهر ( فليمدد له الرحمان مدا ) جواب للشرط ( قل من كان في الضلالة ) والمدّ ، والإمداد بمعنى الإمهال والبسط{[2924]} .
والطلب أو الأمر بالمد هنا ، في معنى الخبر ؛ أي من كفر بالله وضل عن سبيله وغفل عن الآخرة وتلهى بمتاع الحياة الدنيا ، مد الله له وأمهله بطول العمر واستدرجه بالعطاء من الخيرات والزينة ( حتى إذا رأوا ما يوعدون ) أي لا يزالون غافلين عن الحق ، لاهين في التفاخر بالحظوظ الدنيوية إلى أن يعاينوا الموعود رأي العين وهو ( إما العذاب وإما الساعة ) ( إما ) ، حرف عطف ومن معانيها التفصيل . وكلا ( العذاب ) و ( الساعة ) منصوب على أنه بدل من قوله : ( ما يوعدون ) المنصوبة بقوله : ( رأوا ) وتفصيل للموعود{[2925]} ، والمراد بالعذاب ، ما كان في الدنيا من قهرهم واستيلاء المؤمنين عليهم . والمراد بالساعة ، أن تغشاهم غاشية القيامة بما فيها من نكال وأهوال .
قوله : ( فسيعملون من هو شر مكانا ) ( فسيعملون ) جواب للشرط . والمعنى : أن هؤلاء المكذبين الغافلين إذا عاينوا ما يوعدون من عذاب الدنيا والآخرة ، عندئذ سيعلمون مَن مِن الفريقين أسوأ حظا وشر مصيرا وعاقبة ( وأضعف جندا ) فقد كان المشركون التائهون اللاهون يتفاخرون بكثرة العشيرة والأنصار والرؤساء والوجهاء ، فإذا عاينوا الموت ثم سيقوا بعد ذلك إلى الحشر والحساب أيقنوا أنهم الأخسرون وأنهم لن تنفعهم زينتهم وأموالهم وأعوانهم من الرؤساء والزعماء . وأيقنوا أيضا أن هذه الفئة المؤمنة التي كانت في الدنيا موضع استسخارهم وتحقيرهم ، هم الآن الأعلون وهم الفائزون الآمنون .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.