الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

قوله تعالى : { أوكلما عاهدوا عهدا } الواو واو العطف ، دخلت عليها ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله : { أفحكم الجاهلية

{[998]} " [ المائدة : 50 ] ، { أفأنت تسمع الصم{[999]} } [ الزخرف : 40 ] ، { أفتتخذونه وذريته{[1000]} } [ الكهف : 50 ] . وعلى ثم كقوله : { أثم إذا ما وقع{[1001]} }[ يونس : 51 ] هذا قول سيبويه . وقال الأخفش : الواو زائدة . ومذهب الكسائي أنها أو ، حركت الواو منها تسهيلا . وقرأها قوم أو ، ساكنة الواو فتجيء بمعنى بل ، كما يقول القائل : لأضربنك ، فيقول المجيب : أو يكفي الله . قال ابن عطية : وهذا كله متكلف ، والصحيح قول سيبويه . " كلما " نصب على الظرف ، والمعني في الآية مالك بن الصيف ، ويقال فيه ابن الضيف{[1002]} ، كان قد قال : والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ولا ميثاق ، فنزلت الآية . وقيل : إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمن به ولنكونن معه على مشركي العرب ، فلما بعث كفروا به . وقال عطاء : هي العهود التي كانت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين اليهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير ، دليله قوله تعالى : { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون{[1003]} }[ الأنفال : 56 ] .

قوله تعالى : { نبذه فريق منهم } النبذ : الطرح والإلقاء ، ومنه النبيذ والمنبوذ ، قال أبو الأسود :

وخبرني من كنت أرسلت إنما *** أخذت كتابي معرضاً بشمالكا

نظرت إلى عنوانه فنبذته *** كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا

آخر :

إن الذين أمرتهم أن يعدلوا *** نبذوا كتابك واستحلوا المَحْرَما

وهذا مثل يضرب لمن استخف بالشيء فلا يعمل به ، تقول العرب : اجعل هذا خلف ظهرك ، ودبرا منك ، وتحت قدمك ، أي اتركه وأعرض عنه ، قال الله تعالى : { واتخذتموه وراءكم ظهريا{[1004]} } [ هود : 92 ] . وأنشد الفراء :

تميمَُ بنَُ زيد لا تكونن حاجتي *** بظهر فلا يعيا علي جوابها{[1005]}

قوله تعالى : { بل أكثرهم } ابتداء . { لا يؤمنون } فعل مستقبل في موضع الخبر .


[998]:راجع ج 6 ص 214
[999]:راجع ج 8 ص 346
[1000]:راجع ج 10 ص 420
[1001]:راجع ج 8 ص 351.
[1002]:في 1، ب، ح: "الصيت" بالتاء المثناة، وفي ج: "الصيب" بالباء. والتصويب عن سيرة ابن هشام ص 352 طبع أوربا.
[1003]:ج 8 ث 30.
[1004]:ج 9 ص 91
[1005]:البيت للفرزدق يخاطب تميم بن زيد القيني وكان على السند. (عن النقائض ص 381) طبع أوربا.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

ولما أنكر عليهم أولاً ردهم للرسل لأمرهم{[3998]} بمخالفة الهوى في قوله :{ أفكلما جاءكم رسول }[ البقرة : 87 ] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من الأمر البين الذي يشهد{[3999]} به كتابهم وقد أخذ عليهم العهد باتباعه كما أرشد إلى قوله تعالى :{ فإما يأتينكم مني هدى }[ البقرة : 38 ] الآية ، أنكر عليهم ثانياً كفرهم بما أتى به الرسل بقوله : { أ{[4000]}و كلما عاهدوا عهداً نبذه } أي طرحه محتقراً له { فريق منهم } أي ناس{[4001]} شأنهم السعي في الفرقة . ولما كان هذا متردداً بين التقليل والتكثير لتردد{[4002]} التنوين بين التعظيم والتحقير رد احتمال التقليل{[4003]} بقوله : { بل } أي وليس الفريق الكافر بالنبذ أقلهم بل { أكثرهم لا يؤمنون } حالاً ولا مآلاً .


[3998]:في مد: أمرهم
[3999]:في م ومد: شهد
[4000]:والمراد بهذا الاستفهام الإنكار وإعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها، فصار ذلك عادة لهم وسجية فينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب ذلك، فهي تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم إذ كفروا بما أنزل عليه، لأن ما كان ديدنا للشخص وخلقا لا ينبغي أن يحتفي بأمره –فإنه أبو حيان
[4001]:في مد: من
[4002]:زيد في م و ظ: أي
[4003]:وقع في م و مد: التعليل -مصحفا
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ} (100)

قوله تعالى : { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل وهاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرين من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون } .

ذلك بيان لنكث يهود المواثيق ونقضهم للعهود التي طالما ألزموا أنفسهم بها . والله سبحانه ينكر عليهم هذا الطبع الفاسد فيسأل في إنكار وتنديد { أو كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم } الهمزة للاستفهام بمعنى التوبيخ والواو للعطف . وكلما تفيد الشرط . فكأن هذا الخلق الذميم بات فيهم طبعا متمكنا وديدنا قد مردت عليه نفوسهم وأعصابهم فما عادوا يوفون بعهد أو ميثاق . فما يكون من ميثاق تعقده يهود إلا وينبذه فريق منهم . والنبذ الإلقاء والاطراح .

قوله : { بل أكثرهم لا يؤمنون } أكثر هؤلاء القوم مكذبون رسالة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من أن التوراة قد احتوت ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام والأمر باتباعه ومؤازرته . يقول سبحانه في مثل ذلك : { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } .