" فإن زللتم " أي تنحيتم عن طريق الاستقامة . وأصل الزلل في القدم ، ثم يستعمل في الاعتقادات والآراء وغير ذلك ، يقال : زل يزل زلا وزللا وزلولا ، أي دحضت قدمه . وقرأ أبو السمال العدوي " زللتم " بكسر اللام ، وهما لغتان . وأصل الحرف ، من الزلق ، والمعنى ضللتم وعجتم عن الحق . " من بعد ما جاءتكم البينات " أي المعجزات وآيات القرآن ، إن كان الخطاب للمؤمنين ، فإن كان الخطاب لأهل الكتابين فالبينات ما ورد في شرعهم من الإعلام بمحمد صلى الله عليه وسلم والتعريف به . وفي الآية دليل على أن عقوبة العالم بالذنب أعظم من عقوبة الجاهل به ، ومن لم تبلغه دعوة الإسلام لا يكون كافرا بترك الشرائع . وحكى النقاش أن كعب الأحبار لما أسلم كان يتعلم القرآن ، فأقرأه الذي كان يعلمه " فاعلموا أن الله غفور رحيم " فقال كعب : إني لأستنكر أن يكون هكذا ، ومر بهما رجل فقال كعب : كيف تقرأ هذه الآية ؟ فقال الرجل : " فاعلموا أن الله عزيز حكيم " فقال كعب : هكذا ينبغي . و " عزيز " لا يمتنع عليه ما يريده . " حكيم " فيما يفعله .
ولما أقام سبحانه وتعالى الأدلة على عظمته التي منها الوحدانية وأزال الشبه{[9155]} ومحا الشكوك وذكر بأنواع اللطف والبر إلى أن ختم الآيتين بما ذكر من ولايته وعداوة المضل عن طريقه{[9156]} سبب عن ذلك قوله{[9157]} { فإن زللتم{[9158]} } مشيراً بأداة الشك إلى أنهم صاروا إلى حالة من وضوح الطريق الواسع الأمكن الأمين المستقيم الأسلم يبعد معها{[9159]} كل البعد أن يزلوا{[9160]} عنه ولذلك{[9161]} قال : { من بعد ما جاءتكم البينات } أي بهذا الكتاب الذي لا ريب فيه . قال الحرالي : بينات التجربة شهوداً ونبأ عما مضى وتحققاً{[9162]} بما وقع ، وقال : إن{[9163]} التعبير بأن يشعر بأنهم يستزلون{[9164]} ، والتعبير بالماضي إشعار بالرجوع عنه رحمة من الله لهم كرحمته قبل لأبويهم حين أزلهما{[9165]} الشيطان فكما أزل{[9166]} أبويهم في الجنة عن محرم الشجرة أزلهم في الدنيا عن{[9167]} شجرة المحرمات من الدماء والأموال والأعراض - انتهى .
ولما كان الخوف حاملاً على لزوم{[9168]} طريق السلامة قال : { فاعلموا } فإن العلم أعون{[9169]} شيء على المقاصد { أن الله } الحاوي{[9170]} لصفات الكمال { عزيز } لا يعجزه من زل ولا يفوته من ضل { حكيم{[9171]} } يبرم ما لا يقدر أحد على نقض{[9172]} شيء منه .
قوله : ( فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات ) ( زللتم ) ، زل فعل ماض والتاء في محل رفع فاعل ، والميم للجمع . وهي من الزلل ومعناه الانحراف والتنحي عن الصراط المستقيم . و ( البينات ) هي البراهين والمعجزات والحجج التي جاء بها القرآن العظيم .
والمعنى أنكم إذا انحرفتم عن دين الله وعن شرعه وتعاليمه بعد أن سمعتم بالأدلة والبراهين الدامغة على صدق هذا الدين ( فاعلموا أن الله عزيز حكيم ) فهو عزيز أي قوي قادر ، ولا يتمنع عليه شيء يريده . وهو حكيم في أمره وتقديره وما يفرضه أو يفضله ، فليس من شيء أو فعل أو تقدير يصدر عنه عبثا من غير قصد أو معنى ، وإنما هو في ذلك كله له الحكمة البالغة التي قد ندرك جزاء منها ثم نغفل عن أكثرها . {[288]}
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.