" ابتغاء " نصب على المفعول من أجله . ولما ذكر صنيع المنافقين ذكر بعده صنيع المؤمنين . قيل : نزلت في صهيب{[1860]} فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه نفر من قريش ، فنزل عن راحلته ، وانتثل ما في كنانته{[1861]} ، وأخذ قوسه ، وقال : لقد علمتم أني من أرماكم ، وايْم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ، ثم افعلوا ما شئتم . فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا ، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك ، وعاهدوه على ذلك ففعل ، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم نزلت : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " الآية ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ربح البيع أبا يحيى ) ، وتلا عليه الآية ، أخرجه رزين ، وقاله سعيد بن المسيب رضي الله عنهما . وقال المفسرون : أخذ المشركون صهيبا فعذبوه ، فقال لهم صهيب : إني شيخ كبير ، لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم ، فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني ؟ ففعلوا ذلك ، وكان شرط عليه راحلة ونفقة ، فخرج إلى المدينة فتلقاه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ورجال ، فقال له أبو بكر : ربح بيعك أبا يحيى . فقال له صهيب : وبيعك فلا يخسر ، فما ذاك ؟ فقال : أنزل الله فيك كذا ، وقرأ عليه الآية . وقال الحسن : أتدرون فيمن نزلت هذه الآية ، نزلت في المسلم لقي الكافر فقال له : قل لا إله إلا الله ، فإذا قلتها عصمت مالك ونفسك ، فأبى أن يقولها ، فقال المسلم : والله لأشرين نفسي لله ، فتقدم فقاتل حتى قتل . وقيل : نزلت فيمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر ، وعلى ذلك تأولها عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم ، قال علي وابن عباس : ( اقتتل الرجلان ، أي قال المغير{[1862]} للمفسد : اتق الله ، فأبى المفسد وأخذته العزة ، فشرى المغير نفسه من الله وقاتله فاقتتلا ) . وقال أبو الخليل : سمع عمر بن الخطاب إنسانا يقرأ هذه الآية ، فقال عمر : ( إنا لله وإنا إليه راجعون ، قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل ) . وقيل : إن عمر سمع ابن عباس يقول : ( اقتتل الرجلان عند قراءة القارئ هذه الآية ) ، فسأله عما قال ففسر له هذا التفسير ، فقال له عمر ، ( لله تلادك يا ابن عباس ) ! وقيل : نزلت فيمن يقتحم القتال . حمل هشام بن عامر على الصف في القسطنطينية فقاتل حتى قتل ، فقرأ أبو هريرة : " ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله " ، ومثله عن أبي أيوب . وقيل : نزلت في شهداء غزوة الرجيع . وقال قتادة : هم المهاجرون والأنصار . وقيل : نزلت في علي رضي الله عنه حين تركه النبي صلى الله عليه وسلم على فراشه ليلة خرج إلى الغار ، على ما يأتي بيانه في " براءة " إن شاء الله تعالى . وقيل : الآية عامة ، تتناول كل مجاهد في سبيل الله ، أو مستشهد في ذاته أو مغير منكر . وقد تقدم حكم من حمل على الصف{[1863]} ، ويأتي ذكر المغير للمنكر وشروطه وأحكامه في " آل عمران " إن شاء الله تعالى .
و " يشري " معناه يبيع ، ومنه " وشروه بثمن بخس " {[1864]} أي باعوه ، وأصله الاستبدال ، ومنه قوله تعالى : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة " {[1865]} . ومنه قول الشاعر :
وإن كان ريبُ الدهر أمضاك في الألى *** شروا هذه الدنيا بجناته الخلد
وشريت بُرْداً ليتني *** من بعد بُرْدٍ كنتُ هَامَهْ
البرد هنا اسم غلام . وقال آخر :
يعطى بها ثمنا فيمنعها *** ويقول صاحبها أَلاَ فاشْرِ
وبيع النفس هنا هو بذلها لأوامر الله . " ابتغاء " مفعول من أجله . ووقف الكسائي على " مرضات " بالتاء ، والباقون بالهاء . قال أبو علي : وقف الكسائي بالتاء إما على لغة من يقول : طلحت وعلقمت ، ومنه قول الشاعر :
بل جَوْزِتَيْهَاءَ كظهر الحَجَفَت{[1866]}
وإما أنه لما كان هذا المضاف إليه في ضمن اللفظة ولا بد أثبت التاء كما ثبتت في الوصل ليعلم أن المضاف إليه مراد . والمرضاة الرضا ، يقال : رضي يرضى رضا ومرضاة . وحكى قوم أنه يقال : شرى بمعنى اشترى ، ويحتاج إلى هذا من تأول الآية في صهيب ؛ لأنه اشترى نفسه بماله ولم يبعها ، اللهم إلا أن يقال : إن عرض صهيب على قتالهم بيع لنفسه من الله . فيستقيم اللفظ على معنى باع .
ولما أتم الخبر عن هذا القسم الذي هو شر الأقسام أتبعه خيرها ليكون ختاماً{[9092]} وبينهما تباين فإن{[9093]} الأول من يهلك الناس لاستبقاء نفسه وهذا يهلك نفسه لاستصلاح الناس{[9094]} فقال : { ومن الناس من } {[9095]}أي شخص أو الذي{[9096]} { يشري } أي يفعل هذا الفعل كلما{[9097]} لاح له وهو أنه يبيع{[9098]} بغاية الرغبة والانبعاث { نفسه }{[9099]} فيقدم على إهلاكها أو يشتريها{[9100]} بما يكون سبب {[9101]}إعتاقها وإحيائها{[9102]} بالاجتهاد في أوامر الله بالنهي لمثل هذا الألد عن فعله الخبيث والأمر له بالتقوى والتذكير بالله ، وروي{[9103]} أنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لأنه لما هاجر أرادت قريش رده فجعل لهم ماله حتى خلوا سبيله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :
" ربح البيع " فعلى هذا يكون شرى بمعنى اشترى ، ثم علل ذلك بقوله : { ابتغآء } أي تطلب {[9104]}وتسهل وتيسر بغاية ما يمكن أن يكون كل من ذلك{[9105]} { مرضات الله } {[9106]}أي رضى المحيط بجميع صفات الكمال وزمان الرضى ومكانه بما دل عليه كون المصدر ميمياً{[9107]} ويكون ذلك غاية في بابه بما دل عليه من وقفه{[9108]} بالتاء الممدودة لما يعلم من شدّة رحمة الله تعالى به { والله رؤوف } أي بالغ الرحمة ، {[9109]}وأظهر موضع الإضمار دلالة على العموم وعلى الوصف المقتضي للرحمة والشرف فقال{[9110]} : { بالعباد{[9111]} } كلهم حيث أسبغ عليهم نعمه{[9112]} ظاهرة وباطنة مع كفرهم به أو تقصيرهم في أمره ، وبين لهم الطريق غاية البيان بالعقل أولاً والرسل ثانياً والشرائع ثالثاً والكتب الحافظة لها رابعاً ، ولعل الفصل بين الأقسام الأربعة بالأيام المعدودات اهتماماً بأمرها لكونها من فعل{[9113]} الحج وتأخيرها عن أخواتها إشارة إلى أنها ليست من دعائم المناسك بل {[9114]}تجبر بدم{[9115]} .
قوله : ( ومن الناس من يشتري نفسه ابتغاء مرضات الله ) نزلت في صهيب بن سنان الرومي . هذا الصحابي العظيم الذي استهان بالمال والشهوة والأرض في سبيل العقيدة . واستهان بالكرامة في المقام في الوطن ليهجر الأهل والصحب والوطن نفسه ؛ كيما تبقى العقيدة التي يعتبرها المؤمن أغلى من كل ما في الدنيا من اعتبارات ، فلا المال ولا الولد ولا الخلان ولا الزوجة ولا العشيرة ولا المنزلة الرفيعة ولا الأوطان ولا غير ذلك يغني عن أعظم وأقدس رباط وتلكم هي عقيدة الإسلام . وهي من أجلها يهجر المرء كل شيء ليؤثر الهجران على المقام في الأوطان ، ويؤثر البؤس والافتقار والموت على الراحة واليسر والحياة والرخاء . وذلك كله من أجل العقيدة .
وذلكم هو صهيب الرومي يتحدث عن قصته مع المشركين لدى هجرته من مكة إلى المدينة : لما أردت الهجرة من مكة إلى النبي ( ص ) قالت لي قريش : يا صهيب قدمت إلينا ولا مال لك وتخرج أنت ومالك ؟ والله لا يكون ذلك أبدا فقلت لهم : أرأيتم إن دفعت إليكم مالي تخلّون عني ؟ قالوا : نعم ، فدفعت إليهم مالي ، فخلوا عني ، فخرجت حتى قدمت المدينة ، فبلغ ذلك النبي ( ص ) ، فقال : " ربح صهيب ربح صهيب " مرتين{[287]} .
وقوله : ( يشري نفسه ) أي يبيعها . وذلك كقوله تعالى : ( وشروه بثمن بخس ) أي باعوه به .
وقوله : ( ابتغاء مرضات الله ) ( ابتغاء ) مفعول لأجله منصوب . مرضات مضاف إليه مجرور . لفظ الجلالة مجرور بالإضافة . و ( مرضات الله ) أي رضوانه .
ويستفاد من الآية العموم . فهي تناسب كل مجاهد في سبيل الله يبيع نفسه لله فداء لدينه وعقيدته ، لا لشيء من أشياء هذه الدنيا الفانية العاجلة ، بل طلبا لرضوان الله سبحانه وهو أقصى ما يرمي إليه المؤمن وأبعد غاية يرومها طيلة مكثه في هذه الدنيا الزائلة . والله جلت قدرته سوف يتولى أمثال أولئك الأبرار المجاهدين الذين باعوا أنفسهم طلبا لرضاه ، وهو سبحانه مجازيهم بفضله وكرمه ورحمته ( والله رؤوف بالعباد ) .