الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (197)

فيه أربع عشرة مسألة :

الأولى : قوله تعالى : " الحج أشهر معلومات " لما ذكر الحج والعمرة سبحانه وتعالى في قوله : " وأتموا الحج والعمرة لله " [ البقرة : 196 ] بين اختلافهما في الوقت ، فجميع السنة وقت للإحرام بالعمرة ، ووقت العمرة . وأما الحج فيقع في السنة مرة ، فلا يكون في غير هذه الأشهر . و " الحج أشهر معلومات " ابتداء وخبر ، وفي الكلام حذف تقديره : أشهر الحج أشهر ، أو وقت الحج أشهر ، أو وقت عمل الحج أشهر . وقيل التقدير : الحج في أشهر . ويلزمه مع سقوط حرف الجر نصب الأشهر ، ولم يقرأ أحد بنصبها ، إلا أنه يجوز في الكلام النصب على أنه ظرف . قال الفراء : الأشهر رفع ، لأن معناه وقت الحج أشهر معلومات . قال الفراء : وسمعت الكسائي يقول : إنما الصيف شهران ، وإنما الطيلسان{[1760]} ثلاثة أشهر . أراد وقت الصيف ، ووقت لباس الطيلسان ، فحذف .

الثانية : واختلف في الأشهر المعلومات ، فقال ابن مسعود وابن عمر وعطاء والربيع ومجاهد والزهري : أشهر الحج شوال وذو العقدة وذو الحجة كله . وقال ابن عباس والسدي والشعبي والنخعي : هي شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة ، وروي عن ابن مسعود ، وقاله ابن الزبير ، والقولان مرويان عن مالك ، حكى الأخير ابن حبيب ، والأول ابن المنذر . وفائدة الفرق تعلق الدم ، فمن قال : إن ذا الحجة كله من أشهر الحج لم ير دما فيما يقع من الأعمال بعد يوم النحر ، لأنها في أشهر الحج . وعلى القول الأخير ينقضي الحج بيوم النحر ، ويلزم الدم فيما عمل بعد ذلك لتأخيره عن وقته .

الثالثة : لم يسم الله تعالى أشهر الحج في كتابه ، لأنها كانت معلومة عندهم . ولفظ الأشهر قد يقع على شهرين وبعض الثالث ؛ لأن بعض الشهر يتنزل منزلة كله ، كما يقال : رأيتك سنة كذا ، أو على عهد فلان . ولعله إنما رآه في ساعة منها ، فالوقت يذكر بعضه بكله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيام منى ثلاثة ) . وإنما هي يومان وبعض الثالث . ويقولون : رأيتك اليوم ، وجئتك العام . وقيل : لما كان الاثنان وما فوقهما جمع{[1761]} قال أشهر ، والله أعلم .

الرابعة : اختلف في الإهلال بالحج في غير أشهر الحج ، فروي عن ابن عباس : من سنة الحج أن يحرم به في أشهر الحج . وقال عطاء ومجاهد وطاوس والأوزاعي : من أحرم بالحج قبل أشهر الحج لم يجزه ذلك عن حجة ويكون عمرة ، كمن دخل في صلاة قبل وقتها فإنه لا تجزيه وتكون نافلة ، وبه قال الشافعي وأبو ثور . وقال الأوزاعي : يحل بعمرة . وقال أحمد بن حنبل : هذا مكروه ، وروي عن مالك ، والمشهور عنه جواز الإحرام بالحج في جميع السنة كلها ، وهو قول أبي حنيفة . وقال النخعي : لا يحل حتى يقضي حجه ، لقوله تعالى : " يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج " [ البقرة : 189 ] وقد تقدم القول فيها . وما ذهب إليه الشافعي أصح ؛ لأن تلك عامة ، وهذه الآية خاصة . ويحتمل أن يكون من باب النص على بعض أشخاص العموم ، لفضل هذه الأشهر على غيرها ، وعليه فيكون قول مالك صحيح ، والله أعلم .

الخامسة : قوله تعالى : " فمن فرض فيهن الحج " أي الزمه نفسه بالشروع فيه بالنية قصدا باطنا ، وبالإحرام فعلا ظاهرا ، وبالتلبية نطقا مسموعا ، قاله ابن حبيب وأبو حنيفة في التلبية . وليست التلبية عند الشافعي من أركان الحج ، وهو قول الحسن بن حي . قال الشافعي : تكفي النية في الإحرام بالحج . وأوجب التلبية أهل الظاهر وغيرهم . وأصل الفرض في اللغة : الحز والقطع ، ومنه فرضة{[1762]} القوس والنهر والجبل . ففرضية الحج لازمة للعبد الحر كلزوم الحز للقدح . وقيل : " فرض " أي أبان ، وهذا يرجع إلى القطع ، لأن من قطع شيئا فقد أبانه عن غيره . و " من " رفع بالابتداء ومعناها الشرط ، والخبر قوله : " فرض " ، لأن " من " ليست بموصولة ، فكأنه قال : رجل فرض . وقال : " فيهن " ولم يقل فيها ، فقال قوم : هما سواء في الاستعمال . وقال المازني أبو عثمان : الجمع الكثير لما لا يعقل يأتي كالواحدة المؤنثة ، والقليل ليس كذلك ، تقول : الأجذاع انكسرن ، والجذوع انكسرت ، ويؤيد ذلك قول الله تعالى : " إن عدة الشهور " [ التوبة : 36 ] ثم قال : " منها " .

السادسة : قوله تعالى : " فلا رفث " قال ابن عباس وابن جبير والسدي وقتادة والحسن وعكرمة والزهري ومجاهد ومالك : الرفث الجماع ، أي فلا جماع لأنه يفسده . وأجمع العلماء على أن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج ، وعليه حج قابل والهدي . وقال عبدالله بن عمر وطاوس وعطاء وغيرهم : الرفث الإفحاش للمرأة بالكلام ، لقوله : إذا أحللنا فعلنا بك كذا ، من غير كناية ، وقاله ابن عباس أيضا ، وأنشد وهو محرم :

وهن يمشين بنا هَمِيسَا *** إن تَصْدُقِ الطَّيرُ نَنِكْ لَمِيسَا{[1763]}

فقال له صاحبه حصين بن قيس : أترفث وأنت محرم فقال : إن الرفث ما قيل عند النساء . وقال قوم : الرفث الإفحاش بذكر النساء ، كان ذلك بحضرتهن أم لا . وقيل : الرفث كلمة جامعة لما يريده الرجل من أهله . وقال أبو عبيدة : الرفث اللغا من الكلام ، وأنشد :

وربَّ أسرابِ حجيج كُظَّمِ *** عن اللّغَا ورَفَثِ التكلم

يقال : رفث يرفث ، بضم الفاء وكسرها . وقرأ ابن مسعود " فلا رفوث " على الجمع . قال ابن العربي : المراد بقوله " فلا رفث " نفيه مشروعا لا موجدا ، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده ، وخبر الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره ، وإنما يرجع النفي إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا ، كقوله تعالى : " والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء " {[1764]} [ البقرة : 228 ] معناه : شرعا لا حسا ، فإنا نجد المطلقات لا يتربصن ، فعاد النفي إلى الحكم الشرعي لا إلى الوجود الحسي . وهذا كقوله تعالى : " لا يمسه إلا المطهرون{[1765]} " [ الواقعة : 79 ] إذا قلنا : إنه وارد في الآدميين - وهو الصحيح - أن معناه لا يمسه أحد منهم شرعا ، فإن وجد المس فعلى خلاف حكم الشرع ، وهذه الدقيقة هي التي فاتت العلماء فقالوا : إن الخبر يكون بمعنى النهي ، وما وجد ذلك قط ، ولا يصح أن يوجد ، فإنهما مختلفان حقيقة ومتضادان وصفا .

السابعة : قوله تعالى : " ولا فسوق " يعني جميع المعاصي كلها ، قاله ابن عباس وعطاء والحسن . وكذلك قال ابن عمر وجماعة : الفسوق إتيان معاصي الله عز وجل في حال إحرامه بالحج ، كقتل الصيد وقص الظفر وأخذ الشعر ، وشبه ذلك . وقال ابن زيد ومالك : الفسوق الذبح للأصنام ، ومنه قوله تعالى : " أو فسقا أهل لغير الله به{[1766]} " [ الأنعام : 145 ] . وقال الضحاك : الفسوق التنابز بالألقاب ، ومنه قوله : " بئس الاسم الفسوق{[1767]} " [ الحجرات : 11 ] . وقال ابن عمر أيضا : الفسوق السباب ، ومنه قوله عليه السلام : ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ) . والقول الأول أصح ، لأنه يتناول جميع الأقوال . قال صلى الله عليه وسلم : ( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه ) ، ( والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ) خرجه مسلم وغيره . وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( والذي نفسي بيده ما بين السماء والأرض من عمل أفضل من الجهاد في سبيل الله أو حجة مبرورة لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال ) . وقال الفقهاء : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله تعالى فيه أثناء أدائه . وقال الفراء : هو الذي لم يعص الله سبحانه بعده ، ذكر القولين ابن العربي رحمه الله .

قلت : الحج المبرور هو الذي لم يعص الله سبحانه فيه لا بعده . قال الحسن : الحج المبرور هو أن يرجع صاحبه زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة . وقيل غير هذا ، وسيأتي .

الثامنة : قوله تعالى : " ولا جدال في الحج " قرئ " فلا رفث ولا فسوق " بالرفع والتنوين فيهما . وقرئا بالنصب بغير تنوين . وأجمعوا على الفتح في " ولا جدال " ، وهو يقوي قراءة النصب فيما قبله ، ولأن المقصود النفي العام من الرفث والفسوق والجدال ، وليكون الكلام على نظام واحد في عموم المنفي كله ، وعلى النصب أكثر القراء . والأسماء الثلاثة في موضع{[1768]} رفع ، كل واحد مع " لا " . وقوله " في الحج " خبر عن جميعها . ووجه قراءة الرفع أن " لا " بمعنى " ليس " فارتفع الاسم بعدها ، لأنه اسمها ، والخبر محذوف تقديره : فليس رفث ولا فسوق في الحج ، دل عليه " في الحج " الثاني الظاهر وهو خبر " لا جدال " . وقال أبو عمرو بن العلاء : الرفع بمعنى فلا يكونن رفث ولا فسوق ، أي شيء يخرج من الحج ، ثم ابتدأ النفي فقال : ولا جدال .

قلت : فيحتمل أن تكون كان تامة ، مثل قوله : " وإن كان ذو عسرة " فلا تحتاج إلى خبر . ويحتمل أن تكون ناقصة والخبر محذوف ، كما تقدم آنفا . ويجوز أن يرفع " رفث وفسوق " بالابتداء ، " ولا " للنفي ، والخبر محذوف أيضا . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع بالرفع في الثلاثة . ورويت عن عاصم في بعض الطرق وعليه يكون " في الحج " خبر الثلاثة ، كما قلنا في قراءة النصب ، وإنما لم يحسن أن يكون " في الحج " خبر عن الجميع مع اختلاف القراءة ؛ لأن خبر ليس منصوب وخبر " ولا جدال " مرفوع ؛ لأن " ولا جدال " مقطوع من الأول وهو في موضع رفع بالابتداء ، ولا يعمل عاملان في اسم واحد . ويجوز " فلا رفث ولا فسوق " تعطفه على الموضع . وأنشد النحويون :

لا نَسَب اليوم ولا خُلَّةٌ *** اتَّسع الخَرْقُ على الرَّاقِعِ{[1769]}

ويجوز في الكلام " فلا رفث ولا فسوقا ولا جدالا في الحج " عطفا على اللفظ على ما كان يجب في " لا " قال الفراء : ومثله :

فلا أبَ وابناً مثلَ مروانَ وابنه *** إذا هو بالمجد ارتَدَى وتَأَزَّرَا

وقال أبو رجاء العطاردي : " فلا رفث ولا فسوق " بالنصب فيهما ، " ولا جدال " بالرفع والتنوين . وأنشد الأخفش :

هذا وجدِّكم الصَّغَارُ بعينه *** لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أبُ

وقيل : إن معنى " فلا رفث ولا فسوق " النهي ، أي لا ترفثوا ولا تفسقوا . ومعنى " ولا جدال " النفي ، فلما اختلفا في المعنى خولف بينهما في اللفظ . قال القشيري : وفيه نظر ، إذ قيل : " ولا جدال " نهي أيضا ، أي لا تجادلوا ، فلم فرق بينهما .

التاسعة : قوله تعالى : " ولا جدال " الجدال وزنه فعال من المجادلة ، وهي مشتقة من الجدل وهو الفتل ، ومنه زمام مجدول . وقيل : هي مشتقة من الجدالة التي هي الأرض فكأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه ، فيكون كمن ضرب به الجدالة . قال الشاعر :

قد أركب الآلة بعد الآلهْ{[1770]} *** وأترك العاجز بالجَدَالَهْ

مُنعَفِراً ليستْ لهُ مَحَالَهْ

العاشرة : واختلفت العلماء في المعنى المراد به هنا على أقوال ستة ، فقال ابن مسعود وابن عباس وعطاء : الجدال هنا أن تماري مسلما حتى تغضبه فينتهي إلى السباب ، فأما مذاكرة العلم فلا نهي عنها . وقال قتادة : الجدال السباب . وقال ابن زيد ومالك بن أنس : الجدال هنا أن يختلف الناس : أيهم صادف موقف إبراهيم عليه السلام ، كما كانوا يفعلون في الجاهلية حين كانت قريش تقف في غير موقف سائر العرب ، ثم يتجادلون بعد ذلك ، فالمعنى على هذا التأويل : لا جدال في مواضعه . وقالت طائفة : الجدال هنا أن تقول طائفة : الحج اليوم ، وتقول طائفة : الحج غدا . وقال مجاهد وطائفة معه : الجدال المماراة في الشهور حسب ما كانت عليه العرب من النسيء ، كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ، ويقف بعضهم بجمع{[1771]} وبعضهم بعرفة ، ويتمارون في الصواب من ذلك .

قلت : فعلى هذين التأويلين لا جدال في وقته ولا في موضعه ، وهذان القولان أصح ما قيل في تأويل قوله " ولا جدال " ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض . . . ) الحديث ، وسيأتي في " براءة{[1772]} " . يعني رجع أمر الحج كما كان ، أي عاد إلى يومه ووقته . وقال صلى الله عليه وسلم لما حج : ( خذوا عني مناسككم ) فبين بهذا مواقف الحج ومواضعه . وقال محمد بن كعب القرظي : الجدال أن تقول طائفة : حجنا أبر من حجكم . ويقول الآخر مثل ذلك . وقيل : الجدال كان في الفخر بالآباء ، والله أعلم .

الحادية عشرة : قوله تعالى : " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " شرط وجوابه ، والمعنى : أن الله يجازيكم على أعمالكم ؛ لأن المجازاة إنما تقع من العالم بالشيء . وقيل : هو تحريض وحث على حسن الكلام مكان الفحش ، وعلى البر والتقوى في الأخلاق مكان الفسوق والجدال . وقيل : جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد ما نهوا عنه .

الثانية عشرة : قوله تعالى : " وتزودوا " أمر باتخاذ الزاد . قال ابن عمر وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن زيد : نزلت الآية في طائفة من العرب كانت تجيء إلى الحج بلا زاد ، ويقول بعضهم : كيف نحج بيت الله ولا يطعمنا ، فكانوا يبقون عالة على الناس ، فنهوا عن ذلك ، وأمر بالزاد . وقال عبدالله بن الزبير : كان الناس يتكل بعضهم على بعض بالزاد ، فأمروا بالزاد . وكان للنبي صلى الله عليه وسلم في مسيره راحلة عليها زاد ، وقدم عليه ثلاثمائة رجل من مزينة ، فلما أرادوا أن ينصرفوا قال : ( يا عمر زود القوم ) . وقال بعض الناس : " تزودوا " الرفيق الصالح . وقال ابن عطية : وهذا تخصيص ضعيف ، والأولى في معنى الآية : وتزودوا لمعادكم من الأعمال الصالحة .

قلت : القول الأول أصح ، فإن المراد الزاد المتخذ في سفر الحج المأكول حقيقة كما ذكرنا ، كما روى البخاري عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون ، فإذا قدموا مكة سألوا الناس ، فأنزل الله تعالى : " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " وهذا نص فيما ذكرنا ، وعليه أكثر المفسرين : قال الشعبي : الزاد التمر والسويق . ابن جبير : الكعك والسويق . قال ابن العربي : " أمر الله تعالى بالتزود لمن كان له مال ، ومن لم يكن له مال فإن كان ذا حرفة تنفق في الطريق أو سائلا فلا خطاب عليه ، وإنما خاطب الله أهل الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد ويقولون : نحن المتوكلون . والتوكل له شروط ، من قام بها خرج بغير زاد ولا يدخل في الخطاب ، فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة التوكل الغافلون عن حقائقه ، والله عز وجل أعلم " . قال أبو الفرج الجوزي : وقد لبس إبليس على قوم يدعون التوكل ، فخرجوا بلا زاد وظنوا أن هذا هو التوكل وهم على غاية الخطأ . قال رجل لأحمد بن حنبل : أريد أن أخرج إلى مكة على التوكل بغير زاد ، فقال له أحمد : اخرج في غير القافلة . فقال لا ، إلا معهم . قال : فعلى جُرُب{[1773]} الناس توكلت ؟ !

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " فإن خير الزاد التقوى " أخبر تعالى أن خير الزاد اتقاء المنهيات فأمرهم أن يضموا إلى التزود التقوى . وجاء قول " فإن خير الزاد التقوى " محمولا على المعنى ؛ لأن معنى " وتزودوا " اتقوا الله في اتباع ما أمركم به من الخروج بالزاد : وقيل : يحتمل أن يكون المعنى : فإن خير الزاد ما اتقى به المسافر من الهلكة{[1774]} أو الحاجة إلى السؤال والتكفف . وقيل : فيه تنبيه على أن هذه الدار ليست بدار قرار . قال أهل الإشارات : ذكرهم الله تعالى سفر الآخرة وحثهم على تزود التقوى ، فإن التقوى زاد الآخرة . قال الأعشى :

إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمتَ على ألا تكون كمثله *** وأنك لم ترصُدْ كما كان أرصدا

وقال آخر :

الموت بحرٌ طامحٌ موجه *** تذهب فيه حيلة السابِح

يا نفس إني قائل فاسمعي *** مقالةَ من مشفق ناصِح

لا يصحب الإنسان في قبره *** غير التقى والعمل الصالح

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " واتقون يا أولي الألباب " خص أولي الألباب بالخطاب - وإن كان الأمر يعم الكل - لأنهم الذين قامت عليهم حجة الله ، وهم قابلو أوامره والناهضون بها . والألباب جمع لب ، ولب كل شيء : خالصه ، ولذلك قيل للعقل : لب . قال النحاس : سمعت أبا إسحاق يقول قال لي أحمد بن يحيى ثعلب : أتعرف في كلام العرب شيئا من المضاعف جاء على فعل ؟ قلت : نعم ، حكى سيبويه عن يونس : لَبُبْتَ تلب ، فاستحسنه وقال : ما أعرف له نظيرا .


[1760]:الطيلسان: كساء مدورا خضر، لحمته أو سداه من صوف يلبسه الخواص من العلماء والمشايخ، وهو من لباس العجم.
[1761]:كذا في نسخ الأصل. ووجه: أن اسم كان ضمير الشأن، وجملة "الاثنان وما..." الخ في محل نصب خبر كان.
[1762]:فرضة القوس (بضم أوله وسكون ثانيه): الحز يقع عليه الوتر، وفرضة النهر: مشرب الماء منه، وفرضة الجبل: ما انحدر من وسطه وجانبه.
[1763]:اللميس: المرأة اللينة الملمس.
[1764]:راجع ج 3 ص 112
[1765]:راجع ج 17 ص 225
[1766]:راجع ج 7 ص 115
[1767]:راجع ج 16 ص 328
[1768]:هذا على أحد قولين للنحويين، والثاني أن "لا" عاملة في الاسم النصب وما بعدها خبر.
[1769]:البيت لأنس بن العباس السلمي، راجع الكلام عليه في شرح الشواهد الكبرى للعيني.
[1770]:الآلة: الحالة، والشدة.
[1771]:هي المزدلفة.
[1772]:راجع ج 8 ص 132.
[1773]:جرب (بضمتين): جمع جراب وهو الوعاء.
[1774]:الهلكة (بالتحريك): الهلاك.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (197)

ولما ذكر سبحانه وتعالى أن الحج موقت بالأهلة ولم يعين{[8604]} له وقتاً من شهور السنة وختم ذلك بالتفرقة في بعض أحكام الحج بسبب الأماكن تشوفت{[8605]} النفس إلى تعيين{[8606]} وقته وأنه هل هو كالمكان أو عام الحكم فقال { الحج{[8607]} } {[8608]}أي وقته{[8609]} { أشهر } فذكره بصيغة من{[8610]} جموع القلة الذي أدناه ثلاث وهي ثلاث بجر المنكسر{[8611]} : {[8612]}شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة وليلة العيد بدليل أنه يفوت بطلوع الفجر يوم النحر ؛ ولما أبهم عين فقال{[8613]} : { معلومات } أي قبل نزول الشرع فأذن هذا أن الأمر بعد الشرع على ما كان عليه ولا شك أن في الإبهام ثم التعيين إجلالاً وإعظاماً للمحدث عنه .

ولما ختم الآية التي قبلها بالتحذير من سطواته أمر بإخلاص الحج عن الشوائب ناهياً بصيغة النفي تفخيماً له وتأكيداً للنهي{[8614]} ولما كان الحج لا يقع إلا فرضاً قال : { فمن فرض } أي أوجب بالإحرام ، وهو من الفرض وهو الحز{[8615]} في الشيء لينزل فيه ما يسد فرضته{[8616]} حساً أو معنى فمن تعظيمه سبحانه وتعالى له أنه جعله دون سائر العبادات لا نفل فيه بعد التلبس به . قال الحرالي : لأن الفرائض من لم يقمها{[8617]} تساقط عضواً عضواً قائم دينه كما أن النوافل من لم يأت بها عري من زينتها{[8618]} فكانت الفروض صحة والنوافل زينة . وفي قوله : { فيهن } إشعار بصحة وقوع الحج في بعضهن وأن الحج ليس كالصوم طبق زمانه ، فكان من العبادات ما هو طبق زمانه كالصوم ، وما يتسع{[8619]} فيه كالصلاة ، وما{[8620]} لا بد أن ينتهي إلى خاتمته كالحج وتقع{[8621]} التوسعة في الشروع - انتهى { الحج } أي تلبس به كيف{[8622]} كان .

{[8623]}ولما كان في الإنسان قوى أربع : شهوانية بهيمية ، وغضبية{[8624]} سَبُعية و{[8625]}وهمية شيطانية تبعث مع مساعدة القوتين الأخريين على المنازعة والمغالبة في كل شيء{[8626]} ، وعقلية ملكية ؛ وكان المقصود من جميع العبادات قهر{[8627]} القوى الثلاث لأن منشأ الشرور{[8628]} كلها محصور فيها بالعقلية قال دالاً عليها محذراً منها مرتبة : { فلا رفث } أي{[8629]} مواجهة للنساء بشيء من أمور النكاح . ولما كان الرفث هو{[8630]} داعياً إلى الوقاع{[8631]} الذي هو فسق بالخروج عن الإحرام الصحيح قال ضاماً إليه كل ما دخل في هذا الاسم : { ولا فسوق } قال الحرالي : هو الخروج عن إحاطة العلم والعقل والطبع - انتهى . ولما كان المراء{[8632]} قد يجر إلى الفسق بما يثير{[8633]} من الإحن وتوعير{[8634]} الصدور فكان فسقاً خاصاً عظيماً ضرره{[8635]} قال : { ولا جدال{[8636]} } أي مدافعة بالقول بفتل{[8637]} عن القصد{[8638]} كمدافعة الجلاد باليد أو السيف{[8639]} ولعله عبر بهذا المصدر الذي شأنه أن يكون مزيداً دون الجدل{[8640]} الذي معناه الدرء{[8641]} في الخصومة لأن ينصب{[8642]} النفي على المبالغة فيفهم العفو عن أصله{[8643]} لأنه لا يكاد{[8644]} يسلم منه أحد ، وكذا الحال في الفسوق { في الحج } فصار الفسق واسطة{[8645]} بين أمرين جارين{[8646]} إليه والجدال لكونه قد يفسد ذات البين{[8647]} {[8648]}أعظمها{[8649]} خطراً {[8650]}ويجمع ما في الرفث من الشهوة وقد يكون فسقاً فقد اشتمل على قبائح الكل ؛ فلذلك{[8651]} أجمع القراء السبعة{[8652]} على بنائه مع لا على الفتح دون ما قبله {[8653]}لأن البناء دال على نفي الماهية ونفيها موجب لنفي جميع أفرادها ، وأما الرفع فإنما يدل على نفي فرد منكر من تلك الماهية وهو لا يوجب نفي جميع{[8654]} الأفراد ، ولأن العرب كانوا يبنون{[8655]} الحج على النسيء{[8656]} ويتخالفون{[8657]} فيه في الموقف ، فزال الجدال فيه بعد البيان بكل اعتبار من جهة الخدم والعيال وغيرهم والنسيء{[8658]} والموقف وغيرهما من حيث إنه قد علمت مشاعره{[8659]} وتقررت شرائعه{[8660]} وأحكمت شعائره وأوضحت جميع معالمه فارتفع النزاع أصلاً في أمره{[8661]} .

قال الحرالي : فمنع في الحج من الإقبال على الخلق بما فيه كره من رفث ومسابّة{[8662]} وجدال حتى لا يقبل {[8663]}الخلق على{[8664]} الخلق في الحج إلا {[8665]}بما الإقبال فيه إقبال على الحق بالحقيقة فما ينزه الحق تعالى عن مواجهته بما{[8666]} يتحامى{[8667]} مع الخلق في زمن الحج كما تحومي{[8668]} ما يختص بالنفس من الأحداث في عمل الصلاة ؛ وفي وروده نفياً لا نهياً{[8669]} إعلام بأنه مناقض لحال الحج حين نفى لأن شأن ما يناقض أن ينفى وشأن ما لا يناقض ويخالف أن ينهى عنه ، كما قال فيما هو قابل للجدال

{ ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن{[8670]} }[ العنكبوت : 46 ] وبين خطاب النهي والنفي فوت في الأحكام الشرعية ينبني{[8671]} الفقه{[8672]} في الأحكام{[8673]} على تحقيقه في تأصيلها والتفريع عليها - انتهى .

ولما كانت هذه المنفيات شراً{[8674]} وكان التقدير : فما فعلتم{[8675]} من هذه المنهيات على هذا الوجه الأبلغ عوقبتم عليه عطف عليه : { وما } و{[8676]}قال الحرالي : ولما حمي من سوء معاملة الخلق {[8677]}مع الخلق{[8678]} عرض{[8679]} بأن يوضع موضع ذلك الإحسان فيقع في محل إخراج الأنفس أن يتودد{[8680]} إليها {[8681]}بإسداء الخير{[8682]} وهو الإحسان من خير الدنيا ، ففي إعلامه تحريض على إحسان الحج بعضهم لبعض لما يجمع وفده من الضعيف والمنقطع فقال{[8683]} : وما { تفعلوا } انتهى{[8684]} . أي يوجد لكم فعله في وقت من الأوقات { من خير{[8685]} } في الحج أو غيره بتوكل{[8686]} في تجرد أو تزود في تزهد أو غير ذلك{[8687]} من القول{[8688]} الحسن عوض الرفث ، والبر{[8689]} والتقوى مكان الفسق ، والأخلاق الجميلة واليسر والوفاق مكان الجدال { يعلمه الله } الذي له جميع{[8690]} صفات الكمال فيجازيكم عليه {[8691]}فهو أشد ترغيب وترهيب{[8692]} .

ولما عمم في الحث على الخير على وجه شامل للتزود وتركه بعد التخصيص أشار إلى أن الخير هو الزاد على وجه يعم الحسي والمعنوي زيادة في الحث عليه إذ لا أضر من إعواز الزاد لأكثر - {[8693]}العباد فقال : { وتزودوا } أي التقوى لمعادكم الحاملة على التزود الحسي لمعاشكم الحامل على الزهد فيما{[8694]} في أيدي الناس ، {[8695]}والمواساة لمحتاجهم{[8696]} الواقية للعبد من عذاب الله

" اتقوا النار ولو بشق تمرة " وذلك هو ثمرة التقوى ؛ والزاد هو{[8697]} متعة {[8698]}المسافر . ثم علل ذلك بما أنتجه بقوله{[8699]} { فإن خير } ، ويجوز{[8700]} أن يكون التقدير : وتزودوا واتقوا الله في تزودكم { فإن خير الزاد التقوى } وفي التجرد مداخل خلل{[8701]} في بعض نيات الملتبسين{[8702]} بالمتوكلين من الاتكال على الخلق ، فأمر الكل بالتزود ستراً للصنفين ، إذ كل جمع لا بد فيه من كلا الطرفين - قاله{[8703]} الحرالي و{[8704]}قال : وفي ضمنه تصنيفهم ثلاثة أصناف : متكل لا زاد معه فمعه خير الزادين ، ومتمتع لم يتحقق{[8705]} تقواه فلا زاد له في الحقيقة ، وجامع بين التقوى والمتعة فذلك على كمال السنة ؛ كما قال عليه الصلاة والسلام : " قيّدها وتوكل " لأن ذلك أستر للطرفين ؛ وحقيقة التقوى في أمر التزود النظر{[8706]} إلى الله تعالى في إقامة خلقه وأمره ، قال بعض أهل المعرفة : من عوده الله سبحانه وتعالى دوام النظر إليه بالغيبة{[8707]} عما سواه فقد ملك الزاد فليذهب حيث شاء فقد استطاع سبيلاً{[8708]} - انتهى .

ولما علم من ذلك أن التقدير : فأكثروا من الزاد مصحوباً بالتقوى وكان الإنسان محل النقصان فكان الإكثار حاملاً له في العادة على الطغيان إلاّ من عصم الله وقليل ما هم قال سبحانه وتعالى مؤكداً لأمر التقوى مشرفاً{[8709]} لها بالإضافة إلى نفسه الشريفة تنبيهاً{[8710]} على الإخلاص لأجل ذاته السنية لا{[8711]} بالنظر إلى شيء من رجاء أو خوف أو اتصاف{[8712]} بحج أو غيره عاطفاً على ما أرشد إلى تقديره السياق : { واتقون{[8713]} } أي في تقواكم بالتزود{[8714]} ، وزاد الترغيب فيها بقوله : { يا أولي الألباب * } أي العقول الصافية والأفهام النيرة الخالصة التي تجردت عن جميع العلائق{[8715]} الجسمانية فأبصرت جلالة التقوى فلزمتها .


[8604]:من م وظ ومد، وفي الأصل: لم يبين.
[8605]:من م وظ ومد، وفي الأصل: تشوقت.
[8606]:في ظ: تعين.
[8607]:لما أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة كانت العمرة لا وقت لها معلوما بين أن الحج له وقت معلوم، فهذه مناسبة هذه الآية لما قبلها، و" الحج أشهر" مبتدأ وخبر ولا بد من حذف، إذ الأشهر ليست الحج، وذلك الحذف إما في المبتدأ فالتقدير: أشهر الحج أو وقت الحج، أو في خبر أي الحج حج أشهر، أو يكون الأصل: في أشهر ، فاتسع فيه وأخبر بالظرف عن الحج لما كان يقع فيه وجعل إياه على سبيل التوسع والمجاز – البحر المحيط 2 / 84.
[8608]:ليست في ظ.
[8609]:ليست في ظ.
[8610]:زيد من م ومد وظ.
[8611]:في الأصل: المنكر، والتصحيح من بقية الأصول.
[8612]:العبارة من هنا إلى "كان عليه" ليست في ظ.
[8613]:ليس في م.
[8614]:من م ومد وظ، وفي الأصل: النهى.
[8615]:من م ومد ، وفي الأصل: الجرء وفي ظ الحر. وفي البحر المحيط 2 / 86: وأصل الفرض الحز الذي يكون في السهام والقسي وغيرها ومنه فرضة النهر والجبل والمراد بهذا الفرض ما يصير به المحرم محرما.
[8616]:من مد وظ، وفي الأصل: فرضيته، وفي م: فرضه.
[8617]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يتمها.
[8618]:في مد: رتبتها.
[8619]:في م: يتبع.
[8620]:ليس في م.
[8621]:زيد في ظ: فيه.
[8622]:من م ومد وظ، وفي الأصل: كلسيف – مصحفا.
[8623]:العبارة من هنا إلى "محذرا منها مرتبة" ليست في ظ.
[8624]:في مد: غضبيته.
[8625]:ليس في م ومد.
[8626]:ليس في م.
[8627]:من م ومد وفي الأصل: فهو.
[8628]:من م ومد، وفي الأصل: السرور.
[8629]:زيد في م: لا.
[8630]:ليس في م ومد وظ.
[8631]:في ظ: الوقوع.
[8632]:من مد وظ، وفي الأصل: المرء.
[8633]:في الأصل: يبير، والتصحيح من بقية الأصول، والعبارة من هنا إلى "بالقول بفتل" ليست في ظ.
[8634]:من م، وفي الأصل ومد: توغير.
[8635]:من م وفي الأصل ومد: ضرورة.
[8636]:الجدال فعال مصدر جادل وهي المخاصمة الشديدة مشتق ذلك من الجدالة وهي الأرض كأن كل واحد من الخصمين يقاوم صاحبه حتى يغلبه فيكون كمن ضرب منه الجدالة ومنه قول الشاعر: قد أنزل الآلة بعد الآله وأنزل العاجز بالجداله. أي الأرض وقيل: اشتق ذلك من الجدل وهو الفتل ومنه قيل: زمام مجدول وقيل له: جديل، لفتله؛ وقيل للصقر: الأجدل لشدته واجتماع خلقه كان بعضه فتل في بعض فقوى – البحر المحيط 2 / 82، وفي صفحة 87: والجدال هنا مماراة المسلم حتى يغضب فأما في مذاكرة العلم فلا نهى عنها – قاله ابن مسعود وابن عباس وعطاء ومجاهد.
[8637]:في الأصل: بعقل ، وفي م: تقتل وفي مد: تفتل.
[8638]:في م: الصيد.
[8639]:العبارة من هنا إلى "في الفسوق" ليست في ظ.
[8640]:في م: الجدال.
[8641]:من م، وفي الأصل: الرد وفي مد: المدد.
[8642]:في م: بنصب.
[8643]:في م: لئلا يكاد.
[8644]:في م: لئلا يكاد.
[8645]:ليس في ظ.
[8646]:من م ومد وظ، وفي الأصل: حارس.
[8647]:في الأصل: اليمين والتصحيح من م وظ ومد.
[8648]:زيد في ظ: فلذلك.
[8649]:في م: أعظمهما.
[8650]:العبارة من هنا إلى "قبائح الكل" ليست في ظ.
[8651]:زيد في م ومد.
[8652]:ليس في ظ.
[8653]:العبارة من هنا إلى "نفى جميع الأفراد" ليست في ظ.
[8654]:زيد من م ومد.
[8655]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يبتون.
[8656]:في الأصل: الشيء والتصحيح من م وظ ومد.
[8657]:من م ومد وظ وفي الأصل: يتحالفون.
[8658]:وفي البحر المحيط 2 / 27: الجدال الاختلاف أيهم صادف موقف أبيهم وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية تقف قريش في غير موقف العرب ثم يتجادلون بعد ذلك – قاله ابن زيد ومالك أو يقول قوم: الحج اليوم، وقوم: الحج غدا – قاله القاسم، أو المماراة في الشهور حسبما كانت العرب عليه من الذي كانوا ربما جعلوا الحج في غير ذي الحجة ويقف بعضهم يجمع وبعضهم بعرفة ويتمارون في الصواب من ذلك – قاله مجاهد؛ قال ابن عطية: هذا أصح الأقوال وأظهرها، قرر الشارع وقت الحج وإحرامه حتم لا جدال فيه.
[8659]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مشاعرة.
[8660]:في الأصل: رابعة والتصحيح من م وظ ومد.
[8661]:زيد في ظ: بالقول وقبل.
[8662]:وقع في الأصل: وما به – مصحفا. والتصحيح من م ومد وظ.
[8663]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الحج في.
[8664]:من م ومد وظ، وفي الأصل: الحج في.
[8665]:ليس في م.
[8666]:من ظ وفي الأصل: به وليس في م ومد.
[8667]:زيد من م ومد وظ.
[8668]:من م ومد وظ وفي الأصل: نحو.
[8669]:في الأصل: منهيا، والتصحيح من بقية الأصول.
[8670]:سورة 29 آية 46.
[8671]:في الأصل: ينبغي والتصحيح من م ومد وظ.
[8672]:زيد قبله في م ومد: على.
[8673]:زيد في م: الشرعية.
[8674]:من م ومد،وفي الأصل وظ: سرا.
[8675]:في ظ: علمتم
[8676]:ليس في مد
[8677]:ليس في م.
[8678]:ليس في م.
[8679]:في الأصل: عوض والتصحيح من م ومد وظ.
[8680]:في الأصل وم: يتردد والتصحيح من ظ ومد
[8681]:في م: بايد الخير وفي مد: بأشد الخير، وفي ظ: بأسد الخير، وفي الأصل: باسر الخلق.
[8682]:في م: بايد الخير وفي مد: بأشد الخير، وفي ظ: بأسد الخير، وفي الأصل: باسر الخلق.
[8683]:ليس في مد وظ.
[8684]:ليس في م.
[8685]:وخص الخير وإن كان تعالى عالما بالخير والشر حثا على فعل الخير، ولأن ما سبق من ذكر فرض الحج هو خير، ولأن نستبدل بتلك المنهيات أضدادها فنستبدل بالرفث الكلام الحسن والفعل الجميل وبالفسوق الطاعة وبالجدال الوفاق، ولأن يكثر رجاء وجه الله تعالى ولن يكون وعدا بالثواب – البحر المحيط 2 / 92
[8686]:من م ومد وظ، وفي الأصل: يتوكل.
[8687]:العبارة من هنا إلى "مكان الجدال" ليست في ظ.
[8688]:من م ومد وفي الأصل: المقول.
[8689]:ليس في م.
[8690]:ليس في مد وظ.
[8691]:ليست في ظ.
[8692]:ليست في ظ.
[8693]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لا كبر.
[8694]:في ظ: مما.
[8695]:في ظ: فالمواساة لمحتاجيهم.
[8696]:في ظ: فالمواساة لمحتاجيهم.
[8697]:ليس في م ومد وظ.
[8698]:من ظ وفي الأصل: منعه وفي مد: متعه، وفي م: منعة.
[8699]:في م ومد وظ: من قوله.
[8700]:فعلى ما روى من سبب من نزول هذه الآية يكون أمرا بالتزود في الأسفار الدنيوية، والذي يدل عليه سياق ما قبل هذا الأمر وما بعده أن يكون الأمر بالتزود هنا بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزاد إلى سفره للآخرة، ألا ترى أن قبله "وما تفعلوا من خير بعلمه الله" ومعناه الحث والتحريض على فعل الخير الذي يترتب عليه الجزاء في الآخرة وبعده "فإن خير الزاد التقوى" والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عما يتقي به النار، ويكون مفعول "تزودوا" محذوفا وتقديره: وتزودوا التقوى أو من التقوى ولما حذف المفعول أتى بخبر "إن" ظاهرا ليدل على أن المحذوف هو هذا الظاهر، ولو لم يحذف المفعول لأتى به مضمرا عائدا على المفعول، أو كان يأتي ظاهرا تفخيما لذكر التقوى وتعظيما لشأنها – البحر المحيط 2 / 93.
[8701]:من مد وفي الأصل: وظ حلل وفي م: لخلل.
[8702]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الملتبسين.
[8703]:في م ومد وظ: أفاده.
[8704]:ليس في م ومد وظ.
[8705]:من م ومد وظ وفي الأصل: لم يحقق.
[8706]:زيد في الأصل "و" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[8707]:في م ومد: بالغيبة.
[8708]:في البحر المحيط 2 / 93بعذ ذكر الأقوال في التزود: ثم أخبر أن زاد التقوى خيرهما لبقاء نفعه ودوام ثوابه، وهذا يدل على بطلان مذهب أهل التصوف والذين يسافرون بغير زاد ولا راحة لأنه تعالى خاطب بذلك من خاطبه بالحج، وعلى هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الاستطاعة فقال: هي الزاد والراحلة – انتهى كلامه، ورد عليه بأن الكاملين في باب التوكل لا يطعن عليهم إن سافروا بغير زاد لأنه صح: لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير خماصا وتروح بطانا، وقال تعالى "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" وقد طوى قوم الأيام بلا غذاء وبعضهم اكتفى باليسير من القوت في الأيام ذوات العدد، وبعضهم بالجرع من الماء، وصح من حديث أبي ذر اكتفاؤه بما زمزم شهرا، أو خرج منها وله عكن، وإن جماعة من الصحابة اكتفوا أياما كثيرة كل واحد منهم بتمرة في اليوم؛ فأما خرق العادات من دوران الرحى بالطحين وامتلاء الفرن بالعجين، وإن لم يكن هناك طعام، ونحو ذلك فحكوا وقوع ذلك، وقد شرب سفيان بن عيينة فضلة سفيان الثوري من ماء زمزم فوجدها سويقا، وقد صح وثبت خرق العوائد بغير الأنبياء عليهم السلام فلا يتكرر ذلك إلا من مدع ذلك وليس هو على طريق الاستقامة ككثير ممن شاهدناهم يدعون ويدعون ذلك لهم.
[8709]:من م ومد وظ، وفي الأصل: مسرفا.
[8710]:العبارة من هنا إلى "أو غيره" ليست في ظ.
[8711]:في م: لن.
[8712]:من م ومد وفي الأصل: انصاف.
[8713]:ولما تقدم ما يدل على اجتناب أشياء في الحج وأمروا بالتزود للمعاد وأخبر بالتقوى عن خير الزاد ناسب ذلك كله الأمر بالتقوى والتحذير من ارتكاب ما تحل به عقوبته، ثم قال: "يا أولي الألباب" تحريكا لامتثال الأمر بالتقوى لأنه لا يحذر العواقب إلا من كان ذا لب فهو الذي تقوم عليه حجة الله وهو القابل للأمر والنهي، وإذا كان ذو اللب لا يتقي الله فكأنه لا لب له...والظاهر من اللب أنه لب مناط التكليف فيكون عاما لا اللب الذي هو مكتسب بالتجارب فيكون خاصا لن المأمور باتقاء الله هم جميع المكلفين – البحر المحيط 2 /91.
[8714]:زيد من م ومد وظ.
[8715]:في الأصل: الحلائق، والتصحيح من بقية الأصول.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ} (197)

قوله تعالى : ( الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقوني يأولي الألباب ) ( الحج ) مبتدأ مرفوع خبره أشهر ( معلومات ) صفة . ومن المعلوم أن جميع السنة وقت للإحرام بالعمرة . لكن الحج يقع في وقت محدد من كل عام بحيث لا يصح الإحرام به غير هذا الوقت . ذلك الذي ذهب إليه الشافعي ، وهو مروي عن ابن عباس وجابر وآخرين استنادا إلى قوله : ( الحج أشهر معلومات ) .

وقال آخرون بصحة الإحرام بالحج في جميع السنة . وذلك الذي ذهب إليه الأئمة مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق وغيرهم . وقد احتجوا لهذا القول بالآية : ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) . والراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي وهو أن الإحرام بالحج لا يصح إلا في أشهره المعلومة ، ويرجح ذلك حديث جابر عن النبي ( ص ) : " لا ينبغي لأحد أن يحرم بالحج إلا في أشهر الحج " يضاف إلى ذلك أن الإحرام طيلة العام إذا وقع ، فإن فيه حرجا عظيما . وهو في قواعد الشريعة مرفوع . وقد اختلف العلماء في حقيقة الأشهر المعلومات الواردة في الآية . وثمة قولان في ذلك :

أحدهما : أن الأشهر المعلومات هي شوال وذو القعدة وذو الحجة كله ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وعطاء ومجاهد والزهري وغيرهم .

ثانيهما : أنها شوال وذو القعدة والأيام العشرة الأولى من ذي الحجة كله ، وهو قول ابن عباس وعمر وعلي وابن الزبير والسدي والشعبي والنخعي . وهو مذهب الأئمة أبي حينفة والشافعي وأحمد بن حنبل وأبي يوسف وأبي ثور .

وقوله : ( فمن فرض فيهن الحج ) من اسم شرط في محل رفع مبتدأ وخبره فعل الشرط ( فرض ) وجواب الشرط الجملة المقترنة بها الفاء ( فلا رفث ) .

والمعني أن من أحرم بالحج فألزم نفسه به ( فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج ) الرفث هو الجماع ومقدماته وأسبابه ، فإن ذلك كله حرام في حال الإحرام . وبذلك يحرم على المحرم بالحج أو العمرة أن يباشر النساء أو يقبّل أو يعمل شيئا من دواعي الجماع كيفما كانت . وأما الفسوق فهو في اللغة الخروج ، وفعله فسق يفسق أي خرج يخرج . وقد قال الله سبحانه عن إبليس إذ تمرد على ربع وعصاه . ( ففسق عن أمر ربه ) أي خرج عن أمره ، والمراد بالفسوق جميع المعاصي التي يخرج بها المرء عن أمر الله وعن الامتثال لشرع ، والمرء إذا أحرم بالحج أو العمرة أو كليهما فإن عليه أن يكون في غاية الطاعة والامتثال والأدب مع الله سبحانه فلا يرفث بشيء من أمر النساء أو الجمع ودواعيه ، ولا يفسق بشيء من المعاصي . وهي وإن كانت محظورة في جميع أحيان السنة ، لكن تحريمها في حال الإحرام آكد وأشد . ولا يتجنب المحرم هذه المحظورات من رفث أو فسوق في الحج حتى يفوز عند الله بخير الجزاء وعظيم الغفران . فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ( ص ) : " من حج هذا البيت فلم برفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " .

وأما الجدال في الحج فقد جاء فيه أقوال عديدة ، نختار منها ما ذكر عن كثير من العلماء من الصحابة والتابعين وهو أنه المراء والملاحاة حتى إغضاب الآخرين . وقد سئل ابن عباس عن الجدال فقال : المراء ، تماري صاحبك حتى تغضبه . والمراء والملاحاة أسلوب الغلاظ الجفاة من الناس الذين ديدنهم كثرة الحديث والتكلم في غير علم أو فائدة بما يغيظ السامعين ويغضبهم . ومن خلق المسلم أن يكون ذا وقار واتزان ، وأن يؤثر طول الصمت وقلة الكلام على الثرثرة الفارغة .

وفي تجنب الجدال والفسوق في الحج يقول النبي ( ص ) : " من قضى نسكه وسلم المسلمون من لسانه ويده ، غفر له ما تقدم من ذنبه " .

ثم يرغّب الله عباده المؤمنين بفعل الخيرات . وهو سبحانه عليم بهذه الأفعال ، وسوف يجزيهم بها ؛ لذلك قال سبحانه : ( وما تفعلوا من خير يعلمه الله ) {[275]} .

وقوله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) جاء عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية أن أناسا كانوا يخرجون للحج وليست معهم أزودة ، مفردها زاد ، ويقولون : نحج بيت الله ولا يطعمنا ؟ فأمرهم الله أن يتزودوا بما يكف وجوههم عن الناس .

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال : كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون : نحن المتوكلون فأنزل الله : ( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) {[276]} وفي ذلك ما يبين للناس أن طبيعة هذا الدين عملية ، فإنه ليس من الدين التواكل الذي يعجز معه بعض الواهمين والجهلة عن السعي والبذل والعطاء ليقولوا : نحن المتوكلون . فإن المتوكلين الحقيقيين الذين يرضى عنهم الله هم العاملون الباذلون الذين يأخذون بزمام الجد والعمل في غير عجز أو كسل وهم مع ذلك كله يتوكلون على الله ، ولا يبرح أنفسهم شعور الاعتماد عليه وحده سبحانه .

ومع الدعوة للتزود بزاد الدنيا من طعام وغيره فإن الله يدعو الحجاج والمعتمرين للتزود بزاد الآخرة ليكتب الله لهم النجاة وسلامة المصير . وذلكم هو زاد التقوى وهو خير زاد تتزود به القلوب ، فقال سبحانه : ( فإن خير الزاد التقوى ) ثم يعطف الله بالتأكيد على التقوى إذ يخاطب من عباده أولي الألباب . وهم ذوو العقول والأفهام النيّرة ، يخاطبهم بالدعوة لتقواه فيبادرون لعمل الطاعات ويبتعدون سراعا عن المناهي والمحظورات ، فقال سبحانه : ( واتقوني يا أولي الألباب ) .


[275]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 405، 406 وتفسير البري جـ 2 ص 152 وما بعدها.
[276]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 37.