قوله تعالى : " سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة " " سل " من السؤال : بتخفيف الهمزة ، فلما تحركت السين لم يحتج إلى ألف الوصل . وقيل : إن للعرب في سقوط ألف الوصل في ، " سل " وثبوتها في " واسأل " وجهين :
أحدهما - حذفها في إحداهما وثبوتها في الأخرى ، وجاء القرآن بهما ، فاتبع خط المصحف في إثباته للهمزة وإسقاطها .
والوجه الثاني - أنه يختلف إثباتها وإسقاطها باختلاف الكلام المستعمل فيه ، فتحذف الهمزة في الكلام المبتدأ ، مثل قوله : " سل بني إسرائيل " ، وقوله : " سلهم أيهم بذلك زعيم " {[1884]} . وثبت في العطف ، مثل قوله : " واسأل القرية " {[1885]} ، " واسألوا الله من فضله " {[1886]} قاله علي بن عيسى . وقرأ أبو عمرو في رواية ابن عباس عنه " اسأل " على الأصل . وقرأ قوم " اسل " على نقل الحركة إلى السين وإبقاء ألف الوصل ، على لغة من قال : الاحمر . و " كم " في موضع نصب ؛ لأنها مفعول ثان لآتيناهم . وقيل : بفعل مضمر ، تقديره كم آتينا آتيناهم . ولا يجوز أن يتقدمها الفعل لأن لها صدر الكلام . " من آية " في موضع نصب على التمييز على التقدير الأول ، وعلى الثاني مفعول ثان لآتيناهم ، ويجوز أن تكون في موضع رفع بالابتداء ، والخبر في آتيناهم ، ويصير فيه عائد على كم ، تقديره : كم آتيناهموه ، ولم يعرب وهي اسم لأنها بمنزلة الحروف لما وقع فيه معنى الاستفهام ، وإذا فرقت بين كم وبين الاسم كان الاختيار أن تأتي بمن كما في هذه الآية ، فإن حذفتها نصبت في الاستفهام والخبر ، ويجوز الخفض في الخبر كما قال الشاعر :
كم بِجُودٍ مُقْرِفٍ{[1887]} نالَ العُلاَ *** وكريمٍ بُخْلُه قد وضَعه
والمراد بالآية كم جاءهم في أمر محمد عليه السلام من آية معرفة به دالة عليه . قال مجاهد والحسن وغيرهما : يعني الآيات التي جاء بها موسى عليه السلام من فلق البحر والظلل من الغمام والعصا واليد وغير ذلك . وأمر الله تعالى نبيه بسؤالهم على جهة التقريع لهم والتوبيخ .
قوله تعالى : " ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته " لفظ عام لجميع العامة ، وإن كان المشار إليه بني إسرائيل ، لكونهم بدلوا ما في كتبهم وجحدوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، فاللفظ{[1888]} منسحب على كل مبدل نعمة الله تعالى . وقال الطبري : النعمة هنا الإسلام ، وهذا قريب من الأول . ويدخل في اللفظ أيضا كفار قريش ، فإن بعث محمد صلى الله عليه وسلم فيهم نعمة عليهم ، فبدلوا قبولها والشكر عليها كفرا .
قوله تعالى : " فإن الله شديد العقاب " خبر يتضمن الوعيد . والعقاب مأخوذ من العقب ، كأن المعاقب يمشي بالمجازاة له في آثار عقبه ، ومنه عقبة{[1889]} الراكب وعقبة القدر{[1890]} . فالعقاب والعقوبة يكونان بعقب الذنب ، وقد عاقبه بذنبه .
ولما كان بنو إسرائيل أعلم الناس بظهور {[9228]}مجد الله{[9229]} في الغمام لما رأى أسلافهم منه عند خروجهم من مصر وفي جبل الطور {[9230]}وقبة الزمان{[9231]} وما في ذلك {[9232]}على ما{[9233]} نقل إليهم من وفور الهيبة وتعاظم الجلال قال تعالى : جواباً لمن كأنه{[9234]} قال : كيف يكون{[9235]} هذا ؟ { سل } {[9236]}بنقل حركة العين إلى{[9237]} الفاء فاستغنى عن همزة الوصل { بني إسرائيل } أي الذين هم أحسد {[9238]}الناس للعرب{[9239]} ثم استفهم أو استأنف الإخبار{[9240]} { كم آتيناهم } من ذلك ومن غيره { من آية بينة } {[9241]}بواسطة أنبيائهم{[9242]} فإنهم لا يقدرون على إنكار ذلك ، وسكوتهم على سماعه منك إقرار{[9243]} منهم . وقال الحرالي : ولما كان هذا الذي أنذروا به أمراً مجملاً أحيلوا في تفاصيل الوقائع وتخصيص الملاحم ووقوع الأشباه{[9244]} والنظائر على ما تقدم ووقع{[9245]} مثاله في بني إسرائيل لتكرار ما وقع فيهم في هذه الأمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة{[9246]} فقال{[9247]} : { سل } ، استنطاقاً لحالهم{[9248]} لا {[9249]}لإنبائهم وإخبارهم{[9250]} ، فالتفات النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يشهده الله من أحوال بني إسرائيل وأحوال ملوكهم وأحبارهم{[9251]} وأيامهم وتفرقهم واختلافهم وصنوف بلاياهم هو سؤاله واستبصاره لا{[9252]} أن يسأل واحداً فيخبره{[9253]} ؛ انتهى - كذا قال ، والظاهر أنه إباحة لسؤالهم{[9254]} فإنه صلى الله عليه وسلم ما سألهم عن شيء وكذبوا في جوابه فبين كذبهم{[9255]} إلا عرفوا{[9256]} بالكذب ، كقصة{[9257]} حد الزنا وقضية سؤالهم{[9258]} عن أبيهم وقضية سم الشاة ونحو هذا ، وفي ذلك زيادة لإيمان من يشاهده وإقامة للحجة{[9259]} عليهم وغير هذا{[9260]} من الفوائد .
ولما كان التقدير : فكانوا إذا بدلوا شيئاً من آياتنا واستهانوا به عاقبناهم فشددنا{[9261]} عقابهم ، كما دل عليه ما سقته من التوراة في هذا الديوان لمن تدبر عطف عليه{[9262]} قوله : { ومن يبدل }{[9263]} من التبديل وهو تصيير{[9264]} الشيء على غير ما كان { نعمة الله } {[9265]}أي الذي لا نعمة إلا منه{[9266]} التي هي سبب الهدى فيجعلها{[9267]} سبباً لضلال أو سبباً لشكر{[9268]} فيجعلها سبب الكفر{[9269]} كائناً من كان . قال الحرالي{[9270]} : وأصل هذا التبديل رد علم العالم عليه ورد صلاح الصالح إليه وعدم الاقتداء بعلم العالم والاهتداء بصلاح الصالح وذلك المشاركة{[9271]} التي تقع بين العامة وبين العلماء والصلحاء وهو كفر نعمة الله وتبديلها - انتهى .
ولما كان الفطن{[9272]} من الناس يستجلب النعم قبل إتيانها إليه و{[9273]}الجامد الغبي{[9274]} يغتبط بها بعد سبوغها عليه {[9275]}وكان المحذور تبديلها في وقت ما لا في كل وقت{[9276]} قال تعالى : { من بعد{[9277]} ما جآءته } أي وتمكن{[9278]} من الرسوخ في علمها{[9279]} تنبيهاً على أن من بدلها في تلك الحال فقد{[9280]} سفل{[9281]} عن أدنى الإنسان والتحق بما لا يعقل من الحيوان . ولما كان التقدير : يهلكه الله ، علله{[9282]} بقوله : { فإن الله } أي العظيم الشأن { شديد العقاب * } وهو عذاب يعقب{[9283]} الجرم{[9284]} ، و{[9285]}ذكر بعض ما يدل على صدق الدعوى{[9286]} في معرفة بني إسرائيل بما في ظهور المجد في الغمام من الرعب وما آتاهم من الآيات البينات ، قال في أوائل السفر الخامس{[9287]} من التوراة : فاسمعوا الآن يا بني إسرائيل السنن والأحكام التي أعلمكم لتعملوا{[9288]} بها وتعيشوا وتدخلوا وترثوا الأرض التي يعطيكم الله رب آبائكم ، لا تزيدوا{[9289]} على الوصية التي أوصيكم بها{[9290]} ، قد رأيتم ما صنع {[9291]}الله ببعلصفون{[9292]} من أجل أن كل رجل اتبع بعلصفون أهلكه الله ربكم من بينكم وأنتم الذين تبعتم الله ربكم أنتم{[9293]} أحياء -{[9294]} سالمون إلى اليوم ، انظروا أني قد علمتكم السنن والأحكام كما أمرني الله لتعملوا{[9295]} بها في الأرض التي تدخلونها وتحفظوها{[9296]} وتعملوا بها ، لأنها حكمتكم وفهمكم تجاه الشعوب التي تسمع منكم هذه السنن كلها ويقولون إذا سمعوها : ما أحكم هذا الشعب العظيم ! وما أحسن فهمه ! أي شعب عظيم إلهه{[9297]} قريب منه مثل الله ربنا فيما دعوناه ! وأي شعب عظيم{[9298]} له سنن وأحكام معتدلة مثل هذه السنة التي أتلو عليكم اليوم ! ولكن احتفظوا{[9299]} واحترسوا بأنفسكم ولا تنسوا جميع الآيات التي رأيتم ولا تزل عن قلوبكم كل{[9300]} أيام حياتكم بل علموها بنيكم{[9301]} وبني بنيكم{[9302]} وأخبروهم بما رأيتم يوم وقفتم أمام الله ربكم في حوريب{[9303]} يوم قال{[9304]} الرب : اجمع هذا الشعب أمامي لأسمعهم آياتي و{[9305]}يتعلموا أن يتقوني{[9306]} كل أيام حياتهم على الأرض ويعلموا بنيهم أيضاً وتقدمتم وقمتم في سفح الجبل والجبل يشتعل ناراً يرتفع لهيبها إلى جو السماء ورأيتم الظلة والضباب والسحاب فكلمكم الرب في الجبل{[9307]} من النار ، كنتم تسمعون{[9308]} صوت الكلام ولم تكونوا{[9309]} ترون شبهاً ، فأظهر لكم عهده وأمركم أن تعلموا العشر آيات{[9310]} .
وكتبها على لوحين{[9311]} من حجارة ، احترسوا واحتفظوا بأنفسكم جداً لأنكم لم تروا{[9312]} شبهاً في اليوم الذي كلمكم الله{[9313]} ربكم من الجبل من النار ، احتفظوا{[9314]} ، لا تفسدوا ولا تتخذوا أصناماً وأشباهها من كل جنس شبه ذكر أو أنثى أو شبه{[9315]} بهيمة في الأرض أو شبه كل طير في الهواء أو شبه كل هوام الأرض ، ولا ترفعوا أعينكم إلى السماء وتنظروا إلى الشمس والقمر والكواكب وإلى كل أجناد السماء {[9316]}وتضلوا بها وتسجدوا لها وتعبدوها ، التي اتخذها جميع{[9317]} الشعوب الذين{[9318]} تحت السماء ؛ فأما أنتم فقربكم الله وأخرجكم من كور الحديد من أرض مصر لتصيروا له ميراثاً كاليوم - هذا نصه وقد تقدم ذلك مستوفى من السفر الثاني من التوراة عند قوله تعالى :{ وإذ استسقى موسى لقومه{[9319]} }[ البقرة : 60 ] فكان الرجوع إلى قص ما يريد الله{[9320]} سبحانه وتعالى من أحوال بني إسرائيل للأغراض الماضية على غاية ما{[9321]} يكون من الأحكام وفي الذروة{[9322]} العليا من حسن الانتظام وتجلي الملائكة في ظلل{[9323]} الغمام أمر مألوف منه ما في الصحيح عن البراء{[9324]} رضي الله تعالى عنه قال :
" كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين فتغشته سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر ؛ فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرذلك له ، فقال : تلك السكينة تنزلت بالقرآن " وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه " أنه بينما هو يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس ، فسكت وسكنت ، ثم قرأ فجالت ، فانصرف ؛ فلما أصبح حدث النبي صلى الله عليه وسلم وقال : فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فرفعت{[9325]} حتى لا أراها ، قال : وتدري ما ذاك ؟ قال : لا ، قال : تلك الملائكة دنت لصوتك ، ولو قرأت لأصبحت {[9326]}ينظر الناس{[9327]} إليها لا تتوارى منهم " .
قوله تعالى : ( سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينات ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) ( سل ) من السؤال وأصلها اسأل ، حذفت الهمزة وحركت السين فلا حاجة للألف فصارت سل . والفاعل ضمير يعود على المخاطب وهو الرسول ( ص ) ( بني ) مفعول به منصوب بالياء . ( إسرائيل ) مضاف إليه . ( كم ) في محل نصب مفعول به ثان مقدم للفعل آتينا . والضمير في آتيناهم في محل نصب مفعول به والميم للجمع . ( من آياته ) . ( من ) حرف جر زائد . ( آية ) تمييز .
وفي الآية إخبار عن كثرة البينات والدلائل التي أحسّها بنو إسرائيل على يدي نبيهم ومنقذهم موسى عليه السلام ، وذلك كتحول العصا إلى أفعى ، وانفلاق البحر بعد ضربه بالعصا ، ثم انبجاس الماء من الحجر الصلد بعد أن ضربه موسى بعصاه ، وكذلك تظليلهم بالغمام لوقايتهم من حر الصحراء ، وإطعامهم المن والسلوى رزقا كريما ميسورا . كل ذلك كان من جملة البراهين والآيات على صدق النبوة التي قدرها الله لكليمه موسى ، لكن ذلك لم يجد إلى أسماع بني إسرائيل أو طبائعهم وأذهانهم سبيلا ، بل صدوا عن سبيل الله ودينه صدودا وتولوا عن نداء العقل والحجة مدبرين . وذلك منهم بمثابة التبديل الأثيم لنعمة الله بالكفر والتمرد . ونعمة الله تتجلى في دينه الحق .
وقيل : المراد الإخبار عن كثرة البينات القاطعة على صدق نبوة محمد ( ص ) . فقد كانوا يتلون في كتابهم التوراة عن خبر هذا النبي الأمي وعن صفته فيعرفون عنه الخبر اليقين ، إلا أنهم ركبوا متن التعصب والحسد والشطط ، فما آمنوا ولا امتثلوا ، بل إنهم جحدوا وأنكروا هذه الحقيقة الجلية القاطعة الكبرى . وذلك هو التبديل لنعمة الله وهي الإسلام بالكفر حيث الجحود والزيغ واتباع الهوى والشهوات .
وليس من جزاء لمن يبدل نعمة الحق بالباطل إلا أن يبوء بإثمه الكبير لتكون عاقبته الهوان والتخسير ؛ لذلك قال : ( ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب ) .