" هل ينظرون " يعني التاركين الدخول في السلم{[1870]} ، و " هل " يراد به هنا الجحد ، أي ما ينتظرون : " إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة " . نظرته وانتظرته بمعنى . والنظر الانتظار . وقرأ قتادة وأبو جعفر يزيد بن القعقاع والضحاك " في ظلال من الغمام " . وقرأ أبو جعفر " والملائكة " بالخفض عطفا على الغمام ، وتقديره مع الملائكة ، تقول العرب : أقبل الأمير في العسكر ، أي مع العسكر . " ظلل " جمع ظلة في التكسير ، كظلمة وظلم وفي التَّسْليم ظُلُلات ، وأنشد سيبوبه :
إذا الوحشُ ضمَّ الوَحْشُ في ظُلُلاَتِهَا *** سواقطُ من حَرٍّ وقد كانَ أظهرا{[1871]}
وظُلاَّت وظلال ، جمع ظل في الكثير ، والقليل أظلال . ويجوز أن يكون ظلال جمع ظلة ، مثل قوله : قلة وقلال ، كما قال الشاعر : مَمْزُوجَةٌ بماءِ القِلاَلِ{[1872]}
قال الأخفش سعيد : و " الملائكة " بالخفض بمعنى وفي الملائكة . قال : والرفع أجود ، كما قال : " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " {[1873]} ، " وجاء ربك والملك صفا صفا " {[1874]} . قال الفراء : وفي قراءة عبد الله : " هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام " . قال قتادة : الملائكة يعني تأتيهم لقبض أرواحهم ، ويقال يوم القيامة ، وهو أظهر . قال أبو العالية والربيع : تأتيهم الملائكة في ظلل من الغمام ، ويأتيهم الله فيما شاء . وقال الزجاج : التقدير في ظلل من الغمام ومن الملائكة . وقيل : ليس الكلام على ظاهره في حقه سبحانه ، وإنما المعنى يأتيهم أمر الله وحكمه . وقيل : أي بما وعدهم من الحساب والعذاب في ظلل ، مثل : " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " {[1875]} أي بخذلانه إياهم ، هذا قول الزجاج ، والأول قول الأخفش سعيد . وقد يحتمل أن يكون معنى الإتيان راجعا إلى الجزاء ، فسمى الجزاء إتيانا كما سمى التخويف والتعذيب في قصة نمروذ إتيانا فقال : " فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم " {[1876]} . وقال في قصة النضير : " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب " ، وقال : " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " {[1877]} . وإنما احتمل الإتيان هذه المعاني لأن أصل الإتيان عند أهل اللغة هو القصد إلى الشيء ، فمعنى الآية : هل ينظرون إلا أن يظهر الله تعالى فعلا من الأفعال مع خلق من خلقه يقصد إلى مجازاتهم ويقضي في أمرهم ما هو قاض ، وكما أنه سبحانه أحدث فعلا سماه نزولا واستواء كذلك يحدث فعلا يسميه إتيانا ، وأفعاله بلا آلة ولا علة ، سبحانه ! وقال ابن عباس في رواية أبي صالح : هذا من المكتوم الذي لا يفسر . وقد سكت بعضهم عن تأويلها ، وتأولها بعضهم كما ذكرنا . وقيل : الفاء بمعنى الباء ، أي يأتيهم بظلل ، ومنه الحديث : ( يأتيهم الله في صورة ) أي بصورة امتحانا لهم ولا يجوز أن يحمل هذا وما أشبهه مما جاء في القرآن والخبر على وجه الانتقال والحركة والزوال ؛ لأن ذلك من صفات الأجرام والأجسام ، تعالى الله الكبير المتعال ، ذو الجلال والإكرام عن مماثلة الأجسام علوا كبيرا . والغمام : السحاب الرقيق الأبيض ، سمي بذلك لأنه يغم ، أي يستر ، كما تقدم{[1878]} . وقرأ معاذ بن جبل : " وقضاء الأمر " . وقرأ يحيى بن يعمر " وقضي الأمور " بالجمع . والجمهور " وقضي الأمر " فالمعنى وقع الجزاء وعذب أهل العصيان . وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي " ترجع الأمور " على بناء الفعل للفاعل ، وهو الأصل ، دليله " ألا إلى الله تصير الأمور " {[1879]} ، " إلى الله مرجعكم " {[1880]} . وقرأ الباقون " ترجع " على بنائه للمفعول ، وهي أيضا قراءة حسنة ، دليله " ثم تردون " {[1881]} " ثم ردوا إلى الله " {[1882]} ، " ولئن رددت إلى ربي " {[1883]} . والقراءتان حسنتان بمعنى ، والأصل الأولى ، وبناؤه للمفعول توسع وفرع ، والأمور كلها راجعة إلى الله قبل وبعد . وإنما نبه بذكر ذلك في يوم القيامة على زوال ما كان منها إلى الملوك في الدنيا .
ولما كان هذا الختم مؤذناً بالعذاب وكان إتيان{[9173]} العذاب من محل تتوقع{[9174]} منه الرحمة أفظع وكان {[9175]}أنفع الأشياء السحاب لحمله{[9176]} الغيث والملائكة الذين هم خير{[9177]} محض وكان الذين شاهدوا العذاب من السحاب {[9178]}الذي هو مظنة الرحمة ليكون أهول{[9179]} عاداً وبني إسرائيل وكان عاد{[9180]} قد مضوا فلا يمكن عادة سؤالهم وكان من زل بعد هذا البيان قد أشبه بني إسرائيل في هذا الحال{[9181]} فكان جديراً{[9182]} بأن يشبههم في المآل فيما صاروا إليه من ضرب الذلة والمسكنة وحلول الغضب والوقوع في العطب قال تعالى : { هل ينظرون } أي ينتظرون إذا زلوا . سائقاً له في أسلوب الإنكار ، وصيغة{[9183]} الغيبة مجردة عن الافتعال تنبيهاً على أن الزالين{[9184]} في غاية البعد عن مواطن الرأفة{[9185]} والاستحقاق بمظهر الكبر والنقمة{[9186]} بإعراض السيد عن خطابهم وإقباله من عذابهم على ما لم يكن في حسابهم { إلا أن يأتيهم الله{[9187]} } أي مجد{[9188]} الذي لا يحتمل شيء تجلى{[9189]} عظمته وظهور جلاله ، كائناً مجده { في ظلل من الغمام } ظلة في داخل ظلة ، وهي ما يستر{[9190]} من الشمس{[9191]} فهي{[9192]} في غاية الإظلام{[9193]} والهول والمهابة{[9194]} لما لها من الكثافة التي تغم{[9195]} على الرائي ما فيها وتدمر ما أتت{[9196]} عليه - إلى غير ذلك من أنواع المجد الذي لا يقدره حق قدره{[9197]} إلا{[9198]} الله { والملائكة } أي ويأتي{[9199]} جنده{[9200]} الذين لا يعصون الله ما أمرهم{[9201]} ، هذا على قراءة الجماعة ، وعلى قراءة أبي{[9202]} جعفر بالخفض ، المعنى وظلل من الملائكة أي جماعات{[9203]} يملؤون الأقطار ليتبادروا{[9204]} إلى امتثال أوامره ؛ وهل ينتظرون{[9205]} من القوي المحكم لما يفعل العزيز الذي يعلو أمره كل أمر إلا إتيانه{[9206]} بالبأس إذا غضب بعد طول الحلم{[9207]} وتمادي الأناة فلا يرد بأسه ولا يعارض أمره وهو المراد من قوله : { وقضى } أي والحال أنه قد قضي { الأمر } أي نفذ بإهلاكهم{[9208]} سريعاً فرجعوا إلى الله سبحانه وتعالى بأسرهم لا يملكون لأنفسهم شيئاً { وإلى الله } {[9209]}الذي له الإحاطة الكاملة{[9210]} وحده { ترجع الأمور } كلها دنيا وأخرى ، فإن حكمه{[9211]} لا يرد وقدرته لا تحد{[9212]} .
قال الحرالي : وإتيان الله في محل الإيمان أمر مبهم لا يناله علم العالمين ويقف دونه{[9213]} إيمان المؤمنين ، لا يأخذونه بكيف{[9214]} ولا يتوهمونه بوهم ، وإتيان الله في أوائل فهم الفاهمين بدو أمره وخطابه في{[9215]} محل ما من السماء والأرض أو العرش أو الكرسي أو{[9216]} ما شاء من خلقه ؛ فهو تعالى يجل أن يحجبه كون ، فحيث ما بدأ خطابه كفاحاً لا{[9217]} بواسطة فهناك هو{ وناديناه من جانب الطور الأيمن }[ مريم : 52 ] إلى :{ إني{[9218]} أنا الله{[9219]} }[ طه : 14 ] وفي الكتاب الأول : جاء الله من سيناء - انتهى . وتمامه : وشرق{[9220]} من جبل ساعير{[9221]} وظهر لنا من جبال{[9222]} فاران ؛ والمراد بالأول نبوة موسى عليه الصلاة والسلام وهو واضح ، وبالثاني{[9223]} نبوة عيسى عليه الصلاة والسلام ، فإن جبل ساعير هو جبل الجليل{[9224]} وهو الذي بين طبرية{[9225]} ومرج بني{[9226]} عامر ، وبالثالث نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فإن فاران هي{[9227]} مكة المشرفة .
قوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) ذلك تهديد من الله للمعاندين المستنكفين عن عبادة الله الناكبين عن دينه فهو سبحانه يقول لهم : ما ينتظر هؤلاء إلى أن يأتيهم أمر الله وحكمه بما وعدهم من الحساب والعذاب ، وذلك في ظلل من الغمام والملائكة ، وذلك كله كائن يوم القيامة إذ يأتي أمر الله ويبعث على الخليقة ظللا من الغمام . والظلل جمع مفردة ظُلة ، والغمام معناه السحاب . وتقدير المعنى أن ظللا من السحاب تغشى الناس يوم القيامة مع ما يرافق ذلك من إتيان الملائكة ، وإذ ذاك تفنى الحياة والأحياء وتذهب الدنيا ومن عليها لتقوم الساعة ويرجع الأمر كله لله ، فيرث الله الدنيا والآخرة جميعا . وفي ذلك يقول سبحانه في الآية نفسها : ( وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ) .