قال الحسن : هي الزكاة المفروضة . وقال ابن جريج وسعيد بن جبير : هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع . قال ابن عطية . وهذا صحيح ، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ، ويقوى ذلك في آخر الآية قوله : " والكافرون هم الظالمون " أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال .
قلت : وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه . وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم وحذرهم من الإمساك إلى أن يجيء يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة ، كما قال : " فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق " {[2368]} [ المنافقين : 10 ] . والخلة : خالص المودة ، مأخوذة من تخلل الأسرار بين الصديقين . والخِلالة والخُلالة والخَلالة : الصداقة والمودة ، قال الشاعر{[2369]} :
وكيف تُوَاصِلُ من أصبحت *** خِلالَتُه كأبي مَرْحَبِ
وأبو مرحب كنية الظل ، ويقال : هو كنية عرقوب الذي قيل فيه : مواعيد عرقوب . والخلة بالضم أيضا : ما خلا من النبت ، يقال : الخُلة خبز الإبل والحمض فاكهتها . والخلة بالفتح : الحاجة والفقر . والخَلة : ابن مخاض ، عن الأصمعي . يقال : أتاهم بقرص كأنه فِرْسَنُ{[2370]} خَلّة . والأنثى خلة أيضا . ويقال للميت : اللهم أصلح خَلَّتَه ، أي الثلمة التي ترك . والخَلَّة : الخمرة الحامضة . والخلة ( بالكسر ) : واحدة خِلل السيوف ، وهي بطائن كانت تغشى بها أجفان السيوف منقوشة بالذهب وغيره ، وهي أيضا سيور تلبس ظهر سِيَتي{[2371]} القوس . والخلة أيضا : ما يبقى بين الأسنان . وسيأتي في " النساء " {[2372]} اشتقاق الخليل ومعناه . فأخبر الله تعالى ألا خلة في الآخرة ولا شفاعة إلا بإذن الله . وحقيقتها رحمة منه تعالى شرف بها الذي أذن له في أن يشفع . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " لا بيع فيه ولا خلة ، ولا شفاعة " بالنصب من غير تنوين ، وكذلك في سورة " إبراهيم " " لا بيع فيه ولا خلال " {[2373]} [ إبراهيم : 31 ] وفي " الطور ] " لا لغو فيها ولا تأثيم " {[2374]} [ الطور : 23 ] وأنشد حسان بن ثابت :
ألا طعانَ ولا فُرسان عَاديةٌ *** إلا تَجَشُّؤُكُم عند التَّنَانِيرِ{[2375]}
وألف الاستفهام غير مغيرة عمل " لا " كقولك : ألا رجل عندك ، ويجوز ألا رجل ولا امرأة كما جاز في غير الاستفهام فاعلمه . وقرأ الباقون جميع ذلك بالرفع والتنوين ، كما قال الراعي :
وما صَرَمْتُكِ حتى قلتِ مُعْلِنةً *** لا ناقةٌ لي في هذا ولا جَمَل
ويروى " وما هجرتك " فالفتح على النفي العام المستغرق لجميع الوجوه من ذلك الصنف ، كأنه جواب لمن قال : هل فيه من بيع ؟ فسأل سؤالا عاما فأجيب جوابا عاما بالنفي . و " لا " مع الاسم المنفى بمنزلة اسم واحد في موضع رفع بالابتداء ، والخبر " فيه " . وإن شئت جعلته صفة ليوم ، ومن رفع جمله " لا " بمنزلة ليس . وجعل الجواب غير عام ، وكأنه جواب من قال : هل فيه بيع ؟ بإسقاط من ، فأتى الجواب غير مغير عن رفعه ، والمرفوع مبتدأ أو اسم ليس و " فيه " الخبر . قال مكي : والاختيار الرفع ؛ لأن أكثر القراء عليه ، ويجوز في غير القرآن لا بيع فيه ولا خلة ، وأنشد سيبويه لرجل من مذحج :
هذا لعَمْرُكَم الصَّغَارُ بعينه *** لا أمَّ لي إن كان ذاك ولا أبُ
ويجوز أن تبني الأول وتنصب الثاني وتنونه فتقول : لا رجل فيه ولا امرأة ، وأنشد سيبويه :
لا نسبَ اليوم ولا خلةً *** اتّسعَ الخرقُ على الرَّاقع
ف " لا " زائدة في الموضعين ، الأول عطف على الموضع ، والثاني على اللفظ ، ووجه خامس أن ترفع الأول وتبني الثاني كقولك : لا رجل فيها ولا امرأة ، قال أمية :
فلا لغوٌ ولا تأثيمٌ فيها *** وما فاهوا به أبداً مقيم
وهذه الخمسة الأوجه جائزة في قولك : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وقد تقدم هذا والحمد لله . " والكافرون " ابتداء . " هم " ابتداء ثان ، " الظالمون " خبر الثاني ، وإن شئت كانت " هم " زائدة للفصل و " الظالمون " خبر " الكافرون " . قال عطاء بن دينار : والحمد لله الذي قال : " والكافرون هم الظالمون " ولم يقل والظالمون هم الكافرون .
ولما كان الاختلاف على الأنبياء سبباً للجهاد الذي هو حظيرة الدين وكان عماد الجهاد{[12240]} النفقة أتبع ذلك قوله رجوعاً إلى أول السورة من هنا إلى آخرها{[12241]} وإلى التأكيد بلفظ الأمر لما تقدم الحث عليه من أمر النفقة : { يا أيها الذين آمنوا{[12242]} } أي أقروا بألسنتهم بالإيمان { أنفقوا } تصديقاً لدعواكم في جميع أبواب الجهاد الأصغر والأكبر ولا تبخلوا فأي داء{[12243]} أدوأ من البخل{ ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون{[12244]} }[ الحشر : 9 ]
ولما أمر{[12245]} بذلك هونه عليهم بالإعلام بأنه له لا لهم فقال : { مما }{[12246]} أي الشيء الذي ورد القول إلى مظهر العظمة حثاً على المبادرة إلى{[12247]} امتثال الأمر وتقبيحاً بحال من أبطأ عنه فقال : { رزقناكم } {[12248]}بما لنا من العظمة{[12249]} ، وجزم هنا بالأمر لأنه لما رغب في النفقة من أول السورة إلى هنا مرة بعد أخرى في أساليب متعددة صارت دواعي العقلاء في درجة القبول لما تندب إليه من أمرها وإن كان الخروج عما في اليد في غاية الكراهة إلى النفس ، {[12250]}وصرف الأمر بالتبعيض إلى الحلال الطيب ، فمنع احتجاج المعتزلة بها{[12251]} في أن الرزق لا يكون إلا حلالاً لكونه مأموراً به ، وأتبعه بما يرغب ويرهب من حال يوم التناد الذي{[12252]} تنقطع فيه الأسباب التي أقامها سبحانه وتعالى في هذه الدار فقال : { من قبل أن يأتي يوم } موصوف بأنه { لا بيع فيه } موجود { ولا خلة } قال الحرالي{[12253]} : هي مما منه المخاللة وهي المداخلة فيما يقبل التداخل حتى{[12254]} يكون كل واحد خلال الآخر ، وموقع معناها الموافقة في وصف{[12255]} الرضى والسخط ، فالخليل من رضاه رضى خليله وفعاله من فعاله - انتهى .
( ولا شفاعة } والمعنى أنه لا يفدى فيه أسير{[12256]} بمال ، ولا يراعى لصداقة من مساوٍ{[12257]} ولا شفاعة من كبير ، لعدم إرادة الله سبحانه وتعالى لشيء من ذلك ولا يكون إلا ما يريد ، وفي الآية التفات شديد{[12258]} إلى أول السورة حيث وصف المؤمنين{[12259]} بالإنفاق مما رزقهم والإيقان بالآخرة ، وبيان لأن المراد بالإنفاق أعم من الزكاة{[12260]} وأن ذلك يحتمل جميع وجوه الإنفاق من جميع المعادن{[12261]} والحظوظ التي تكسب المعالي وتنجي من المهالك{[12262]} ، وسيأتي في الآيات الحاثّة على النفقة ما يرشد إلى ذلك كقوله تعالى{ إن تبدوا الصدقات{[12263]} }[ البقرة : 271 ] وغيرها وقال الحرالي : فانتظم هذا الانتهاء في الخطاب بما في ابتداء السورة من{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة }[ البقرة : 3 ] إلى قوله{ المفلحون }[ البقرة : 5 ] فلذلك وقع بعد هذا الانتهاء افتتاح آية هي سيدة آي هذه السورة{[12264]} المنتظمة بأولها انتظاماً معنوياً برأس{ الم ذلك الكتاب }[ البقرة : 1 2 ] فكان في إشارة هذا الانتظام توطئة لما أفصح به الخطاب في فاتحة سورة آل عمران ، لما ذكر من أن القرآن مثاني إفهام وحمد . فكان أوله حمداً وآخره حمداً ينثني ما بين الحمدين على أوله ، كما قال " حمدني عبدي ، أثنى عليّ عبدي " فجملته حمد وتفاصيله{[12265]} ثناء - انتهى .
ولما حث سبحانه وتعالى على الإنفاق ختم الآية بذم الكافرين لكونهم لم يتحلوا بهذه الصفة لتخليهم من الإيمان وبعدهم عنه{[12266]} وتكذيبهم بذلك اليوم فهم لا ينفقون لخوفه ولا رجائه فقال بدل - ولا نصرة لكافر{[12267]} : { والكافرون{[12268]} } أي المعلوم كفرهم في ذلك اليوم ، وهذا العطف يرشد إلى أن التقدير : فالذين آمنوا يفعلون ما أمرناهم به لأنهم المحقون ، والكافرون { هم } المختصون بأنهم { الظالمون * } أي الكاملون في الظلم لا غيرهم ، ومن المعلوم أن الظالم خاسر وأنه مخذول غير منصور ، لأنه يضع الأمور في غير مواضعها ، ومن كان كذلك لا يثبت له أمر ولا يرتفع له شأن بل هو دائماً على شفا جرف هار ، ولأجل ذلك يختم سبحانه وتعالى كثيراً من آياته بقوله{ وما للظالمين من أنصار }[ البقرة : 270 ] فقد انتفى بذلك جميع أنواع الخلاص المعهودة{[12269]} في الدنيا في ذلك اليوم من الافتداء بالمال والمراعاة لصداقة أو عظمة ذي شفاعة أو نصرة بقوة .
قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون ) يأمر الله بالإنفاق في سبيله بما يشمل كل وجوه الخير التي تتطلب مزيدا من السخاء والعطاء عن طواعية وطيب خاطر ، ويأتي في طليعة هذه الوجوه الجهاد في سبيل الله .
وقوله : ( من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة ) وذلك تحضيض من الله لعباده المؤمنين من أجل المسارعة في الإنفاق قبل أن تفجأهم القيامة . وإذ ذاك تتبدل الحال غير الحال ، فلا بيع حينئذ ولا شراء ولا غير ذلك من تصرفات تعارف عليها الناس في حياتهم الدنيا ، إنه ليس إذ ذاك إلا الهلع والوجل وبلوغ القلوب الحناجر ؛ لفرط الرهب والخوف ولهول المنظر الواقع المشهود .
وكذلك فإنه لا ( خلة ) أي صداقة ومنها الخليل أي الصديق ، والجمع أخلاء . وخلّة بالفتح بمعنى الفقر والحاجة . وتأتي الخُلّة مضمومة أيضا ومعناها ما خلا من النبت . والخِلّة بالكسر بمعنى الخصلة ، أو ما يبقى بين الأسنان . والجمع خلال . والمقصود أنه إذا كانت القيامة فإنه لا تنفع أحدا صداقة صديق إذا أبطأ به عمله ، وكذلك فإنه لا تنفعه شفاعة الشافعين ؛ فلا شفاعة حينئذ إلا لمن جعلت له تشريفا من الله .
وقوله : ( والكافرون هم الظالمون ) ( الكافرون ) مبتدأ . ( هم ) ضمير الفصل . ( الظالمون ) خبر ، وقيل : ( الكافرون ) مبتدأ أول . ( هم ) مبتدأ ثان . ( الظالمون ) خبر المبتدأ الثاني والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول . هذه الجملة غاية في روعة التركيب والمدلول ؛ لما فيها من حصر للمبتدأ في خبره ، فيكون المعنى أنه ليس من ظالم أشد ظلما من الكافر . ومن لطيف ما ورد عن عطاء بن دينار في هذه الآية قوله : الحمد لله الذي قال : ( والكافرون هم الظالمون ) ولم يقل : ( والظالمون هم الكافرون ) ولو قال ذلك لكان كل من ارتكب ظلما كافرا . وذلك غاية في الحرج والعسير .