فيه إحدى عشرة مسألة : قوله تعالى : " فلما فصل طالوت بالجنود " " فصل " معناه خرج بهم . فصلت الشيء فانفصل ، أي قطعته فانقطع . قال وهب بن منبه : فلما فصل طالوت قالوا له أن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهرا فقال لهم طالوت : إن الله مبتليكم بنهر . وكان عدد الجنود - في قول السدي - ثمانين ألفا . وقال وهب{[2325]} : لم يتخلف عنه إلا ذو عذر من صغر أو كبر أو مرض . والابتلاء الاختبار . والنهَر والنهْر لغتان . واشتقاقه من السعة ، ومنه النهار وقد تقدم{[2326]} . قال قتادة : النهر الذي ابتلاهم الله به هو نهر بين الأردن وفلسطين . وقرأ الجمهور " بنهر " بفتح الهاء . وقرأ مجاهد وحميد الأعرج " بنهر " بإسكان الهاء . ومعنى هذا الابتلاء أنه اختبار لهم ، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك ، ومن غلبته شهوته في الماء{[2327]} وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى ، فروي أنهم أتوا النهر وقد نالهم عطش وهو في غاية العذوبة والحسن ؛ فلذلك رخص للمطيعين في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال وبين أن الغرفة كافة ضرر العطش عند الحزمة الصابرين على شظف العيش الذين همهم في غير الرفاهية ، كما قال عروة :
واحْسُوا قَرَاحَ الماء والماءُ بَارِدُ
قلت : ومن هذا المعنى قوله عليه السلام : ( حسب المرء لقيمات يقمن صلبه ) . وقال بعض من يتعاطى غوامض المعاني : هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها ، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة ، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة .
قلت : ما أحسن هذا لولا ما فيه من التحريف في التأويل والخروج عن الظاهر ، لكن معناه صحيح من غير هذا .
الثانية : استدل من قال أن طالوت كان نبيا بقوله : " إن الله مبتليكم " وأن الله أوحى إليه بذلك وألهمه ، وجعله الإلهام ابتلاء من الله لهم . ومن قال لم يكن نبيا قال : أخبره نبيهم شمويل بالوحي حين أخبر طالوت قومه بهذا ، وإنما وقع هذا الابتلاء ليتميز الصادق من الكاذب . وقد ذهب قوم إلى أن عبدالله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله علي وسلم إنما أمر أصحابه بإيقاد النار والدخول فيها تجربة لطاعتهم ، لكنه حمل مزاحه على تخشين الأمر الذي كلفهم ، وسيأتي بيانه في " النساء " {[2328]} إن شاء الله تعالى .
الثالثة : قوله تعالى : " فمن شرب منه فليس مني " شرب قيل معناه كرع . ومعنى " فليس مني " أي ليس من أصحابي في هذه الحرب ، ولم يخرجهم بذلك عن الإيمان . قال السدي : كانوا ثمانين ألفا ، ولا محالة أنه كان فيهم المؤمن والمنافق والمجد والكسلان ، وفي الحديث ( من غشنا فليس منا ) أي ليس من أصحابنا ولا على طريقتنا وهدينا . قال{[2329]} :
إذا حاولتَ في أسَد فُجورا *** فإني لست منك ولست مني
هذا مهيع{[2330]} في كلام العرب ، يقول الرجل لابنه إذا سلك غير أسلوبه : لست مني .
الرابعة : قوله تعالى : " ومن لم يطعمه فإنه مني " يقال : طعمت الشيء أي ذقته . وأطعمته الماء أي أذقته ، ولم يقل ومن لم يشربه ؛ لأن من عادة العرب إذا كرروا شيئا أن يكرروه بلفظ آخر ، ولغة القرآن أفصح اللغات ، فلا عبرة بقدح من يقول : لا يقال طعمت الماء .
الخامسة : استدل علماؤنا بهذا على القول بسد الذرائع ؛ لأن أدنى الذوق يدخل في لفظ الطعم ، فإذا وقع النهي عن الطعم فلا سبيل إلى وقوع الشرب ممن يتجنب الطعم ؛ ولهذه المبالغة لم يأت الكلام " ومن لم يشرب منه " .
السادسة : لما قال تعالى : " ومن لم يطعمه " دل على أن الماء طعام وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات الأبدان به فوجب أن يجري فيه الربا ، قال ابن العربي : وهو الصحيح من المذهب . قال أبو عمر قال مالك : لا بأس ببيع الماء على الشط بالماء متفاضلا وإلى أجل ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف . وقال محمد بن الحسن : هو مما يكال ويوزن ، فعلى هذا القول لا يجوز عنده التفاضل ، وذلك عنده فيه ربا ؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن . وقال الشافعي : لا يجوز بيع الماء متفاضلا ولا يجوز فيه الأجل ، وعلته في الربا أن يكون مأكولا جنسا .
السابعة : قال ابن العربي قال أبو حنيفة : من قال إن شرب عبدي فلان من الفرات فهو حر فلا يعتق إلا أن يكرع فيه ، والكرع أن يشرب الرجل بفيه من النهر ، فإن شرب بيده أو اغترف بالإناء منه لم يعتق ؛ لأن الله سبحانه فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد . قال : وهذا فاسد ؛ لأن شرب الماء يطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم انطلاقا واحدا ، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث ، فاعلمه .
قلت : قول أبي حنيفة أصح ، فإن أهل اللغة فرقوا بينهما كما فرق الكتاب والسنة . قال الجوهري وغيره : وكرع في الماء كروعا إذا تناوله بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء ، وفيه لغة أخرى [ كرع ] بكسر الراء يكرع{[2331]} كرعا . والكَرَع : ماء السماء يكرع فيه . وأما السنة فذكر ابن ماجه في سننه : حدثنا واصل بن عبدالأعلى حدثنا ابن فضيل عن ليث عن سعيد بن عامر عن ابن عمر قال : مررنا على بِرْكَة فجعلنا نَكْرَع فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا فيها فإنه ليس إناء أطيب من اليد ) وهذا نص . وليث بن أبي سليم خرج له مسلم وقد ضعف .
الثامنة : قوله تعالى : " إلا من اغترف غرفة بيده " الاغتراف : الأخذ من الشيء باليد وبآلة ، ومنه المغرفة ، والغَرف مثل الاغتراف . وقرئ " غرفة " بفتح الغين وهي مصدر ، ولم يقل اغترافة لأن معنى الغرف والاغتراف واحد . والغرفة المرة الواحدة . وقرئ " غرفة " بضم الغين وهي الشيء المغترف . وقال بعض المفسرين : الغَرفة بالكف الواحد والغُرفة بالكفين . وقال بعضهم : كلاهما لغتان بمعنى واحد . وقال علي رضي الله عنه : الأكف أنظف الآنية ، ومنه قول الحسن :
لا يَدلِفون إلى ماء بآنية *** إلا اغترافا من الغُدران بالرَّاحِ
الدليف : المشي الرويد . قلت : ومن أراد الحلال الصرف في هذه الأزمان دون شبهة ولا امتراء ولا ارتياب فليشرب بكفيه الماء من العيون والأنهار المسخرة بالجريان آناء الليل وآناء{[2332]} النهار ، مبتغيا بذلك من الله كسب الحسنات ووضع الأوزار واللحوق بالأئمة الأبرار ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من شرب بيده وهو يقدر على إناء يريد به التواضع كتب الله له بعدد أصابعه حسنات وهو إناء عيسى ابن مريم عليهما السلام إذا طرح القدح فقال : أُفّ هذا مع الدنيا ) . خرجه ابن ماجه من حديث ابن عمر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب على بطوننا وهو الكرع ، ونهانا أن نغترف باليد الواحدة ، وقال : ( لا يلِغ أحدكم كما يلغ الكلب ولا يشرب باليد الواحدة كما يشرب القوم الذين سخط الله عليهم ولا يشرب بالليل في إناء حتى يحركه إلا أن يكون إناء مُخَمَّرا ومن شرب بيده وهو يقدر على إناء . . . ) الحديث كما تقدم ، وفي إسناده بقية بن الوليد ، قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به . وقال أبو زرعة : إذا حدث بقية عن الثقات فهو ثقة .
التاسعة : قوله تعالى : " فشربوا منه إلا قليلا منهم " قال ابن عباس : شربوا على قدر يقينهم فشرب الكفار شرب الهيم{[2333]} وشرب العاصون دون ذلك ، وانصرف من القوم ستة وسبعون ألفا وبقي بعض المؤمنين لم يشرب شيئا وأخذ بعضهم الغرفة ، فأما من شرب فلم يرو ، بل برح به العطش ، وأما من ترك الماء فحسنت حاله وكان أجلد ممن أخذ الغرفة .
العاشرة : قوله تعالى : " فلما جاوزه هو " الهاء تعود على النهر ، و " هو " توكيد . " والذين " في موضع رفع عطفا على المضمر في " جاوزه " يقال : جاوزت المكان مجاوزة وجوازا . والمجاز في الكلام ما جاز في الاستعمال ونفذ واستمر على وجهه . قال ابن عباس والسدي : جاز معه في النهر أربعة آلاف رجل فيهم من شرب ، فلما نظروا إلى جالوت وجنوده وكانوا مائة ألف كلهم شاكون في السلاح رجع منهم ثلاثة آلاف وستمائة وبضعة وثمانون ، فعلى هذا القول قال المؤمنون الموقنون بالبعث والرجوع إلى الله تعالى عند ذلك وهم عدة أهل بدر : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . وأكثر المفسرين : على أنه إنما جاز معه النهر من لم يشرب جملة ، فقال بعضهم : كيف نطيق العدو مع كثرتهم فقال أولو العزم منهم : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " . قال البراء بن عازب : كنا نتحدث أن عدة أهل بدر كعدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا - وفي رواية : وثلاثة عشر رجلا - وما جاز معه إلا مؤمن .
الحادية عشرة : قوله تعالى : " قال الذين يظنون " والظن هنا بمعنى اليقين ، ويجوز أن يكون شكا لا علما ، أي قال الذين يتوهمون أنهم يقتلون مع طالوت فيلقون الله شهداء ، فوقع الشك في القتل .
قوله تعالى : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة " الفئة : الجماعة من الناس والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف وفأيته أي قطعته . وفي قولهم رضي الله عنهم : " كم من فئة قليلة " الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه .
قلت : هكذا يجب علينا نحن أن نفعل ، لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة ، وذلك بما كسبت أيدينا . وفي البخاري : قال أبو الدرداء : إنما تقاتلون بأعمالكم . وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم ) . فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة . قال الله تعالى : " اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله " {[2334]} [ آل عمران : 200 ] وقال : " وعلى الله فتوكلوا " {[2335]} [ المائدة : 23 ] وقال : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " {[2336]} [ النحل : 128 ] وقال : " ولينصرن الله من ينصره " {[2337]} [ الحج : 40 ] وقال : " إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " {[2338]} [ الأنفال : 45 ] . فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا ! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره ، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا ، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم .
ولما كان التقدير : فأتاهم التابوت على الصفة المذكورة فأطاعوا نبيهم فيه فملكوه وانتدبوا معه فخرج بهم إلى العدو وفصل بالجنود من محل السكن ، عطف عليه قوله : { فلما فصل{[11795]} } من الفصل وهو انقطاع{[11796]} بعض من كل ، وأصله : فصل نفسه أو جنده - أو{[11797]} نحو ذلك ، ولكنه كثر حذف المفعول للعلم{[11798]} به فصار يستعمل استعمال اللازم { طالوت } أي الذي ملكوه { بالجنود } أي التي اختارها وخرجوا للقاء من سألوا لقاءه لكفره بالله مع ما قد أحرقهم به من أنواع القهر .
قال الحرالي{[11799]} : وهو جمع جند وهم أتباع يكونون نجدة للمستتبع { قال } أي ملكهم { إن الله } أي الذي لا أعظم منه وأنتم خارجون في مرضاته { مبتليكم بنهر } من الماء الذي جعله{[11800]} سبحانه وتعالى حياة لكل شيء ، فضربه{[11801]} مثلاً للدنيا التي من ركن إليها ذل ومن صدف{[11802]} عنها عز . قال الحرالي : فأظهر الله على لسانه ما أنبأ{[11803]} به نبيّهم في قوله
{ وزاده بسطة في العلم }[ البقرة : 247 ] - انتهى . { فمن شرب منه } أي ملأ بطنه { فليس مني }{[11804]} أي كمن انغمس في الدنيا فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون { ومن لم يطعمه{[11805]} فإنه مني } كمن {[11806]}عزف عنها{[11807]} بكليته ثم تلا هذه الدرجة العلية التي قد{[11808]} قدمت للعناية بها بما يليها من الاقتصاد فقال مستثنياً من{[11809]} { فمن شرب } : { إلا من اغترف } أي تكلف الغرف { غرفة بيده } ففي قراءة فتح الغين إعراب عن معنى إفرادها أخذة{[11810]} ما أخذت من قليل أو كثير ، وفي الضم إعلام بملئها ، والغرف بالفتح الأخذ بكلية اليد ، والغرفة الفعلة{[11811]} الواحدة منه ، وبالضم اسم ما حوته الغرفة ، فكان في المغترفين من استوفى الغرفة ومنهم من لم يستوف - قاله{[11812]} الحرالي وقال : فكان فيه إيذان بتصنيفهم ثلاثة أصناف : من لم يطعمه البتة وأولئك الذين ثبتوا وظنوا أنهم ملاقو الله ، ومن شرب منهم وأولئك الذين افتتنوا وانقطعوا عن الجهاد في سبيل الله ومن اغترف غرفة وهم الذين ثبتوا وتزلزلوا حتى ثبتهم الذين لم{[11813]} يطعموا . ولما كان قصص بني إسرائيل مثالاً لهذه الأمة كان مبتلى هذه الأمة بالنهر ابتلاهم بنهر الدنيا الجاري خلالها ، فكانت جيوشهم بحكم هذا الإيحاء الاعتباري{[11814]} إذا مروا بنهر أموال الناس وبلادهم وزروعهم وأقطارهم في سبيلهم إلى غزوهم ، فمن أصاب{[11815]} من أموال الناس ما لم ينله الإذن من الله انقطع عن ذلك الجيش ولو حضره . فما كان{[11816]} في بني إسرائيل عياناً يكون وقوعه في هذه الأمة استبصاراً سترة لها{[11817]} وفضيحة لأولئك ، ومن لم يصب منها شيئاً بتاً كان أهل{[11818]} ثبت ذلك الجيش الثابت المثبت ، قيل لعلي رضي الله تعالى عنه : يا أمير المؤمنين ! ما بال فرسك لم يكب بك قط ؟ قال : ما وطئت به زرع مسلم قط . ومن أصاب{[11819]} ما له فيه ضرورة من منزل ينزله أو غلبة عادة تقع منه ويوده أن لا يقع{[11820]} فهؤلاء يقبلون التثبيت من الذين تورعوا كل الورع ، فملاك هذا الدين الزهد في القلب والورع في التناول باليد ، قال صلى الله عليه وسلم :
" إنما تنصرون بضعفائكم " وفي إلاحة هذا التمثيل والاعتبار أن أعظم الجيوش جيش يكون فيه من أهل الورع بعدد الثابتين من أصحاب طالوت الذين بعددهم كان أصحاب {[11821]}رسول الله{[11822]} صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر عدد المرسلين من كثرة عدد النبيين ، قال{[11823]} : وفي إفراد اليد إيذان بأنها غرفة اليد اليمنى {[11824]}لأنها اليد الخاصة للتعريف ، ففي اعتباره أن الأخذ من الدنيا إنما يكون بيد لا بيدين لاشتمال اليدين على جانبي {[11825]}الخير والشر{[11826]} - انتهى . فعرض لهم النهر كما أخبرهم به { فشربوا{[11827]} منه } مجاوزين حد الاقتصاد { إلاّ قليلاً منهم } فأطاعوا فأرواهم{[11828]} الله وقوى قلوبهم ، ومن عصى في شربه غلبه العطش وضعف عن اللقاء فبقي على شاطىء النهر . قال الحرالي : وفيما يذكر أنه قرىء{[11829]} بالرفع وهو إخراج لهم من الشاربين بالاتباع كأن الكلام{[11830]} مبني{[11831]} عليه حيث صار تابعاً وإعرابه مما أهمله النحاة فلم يحكموه وحكمه{[11832]} أن ما بني على إخراج اتبع وما لم يبن على إخراجه{[11833]} وكأنه إنما انثنى{[11834]} إليه بعد مضار الكلام الأول قطع ونصب - انتهى . وكان المعنى في النصب أنه لما استقر الفعل للكل رجع الاستثناء إلى البعض ، وفي الاتباع نوى الاستثناء من الأول فصار كالمفرغ{[11835]} وهذه القراءة عزاها الأهوازي{[11836]} في كتاب الشواذ إلى الأعمش وعزاها السمين في إعرابه إلى عبد الله وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما ، وعقد سيبويه رحمه الله تعالى في نحو نصف كتابه لاتباع{[11837]} مثل هذا باباً ترجمه{[11838]} بقوله : باب ما يكون فيه إلاّ وما بعده وصفاً بمنزلة غير{[11839]} ومثل ، ودل عليه بأبيات كثيرة منها :
وكل أخ مفارقه{[11840]} أخوه *** لعمر أبيك إلا الفرقدان
قال{[11841]} كأنه قال : وكل أخ غير الفرقدين ، وسوى{[11842]} بين هذا وبين آية
{ لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر{[11843]} }[ النساء : 95 ] بالرفع
{ وغير المغضوب عليهم }[ الفاتحة : 7 ] ، وجوز في ما قام{[11844]} القوم إلا زبد ، - بالرفع البدل والصفة ، قال الرضي تمسكاً بقوله : وكل أخ - البيت ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " الناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم " وقال السمين : والفرق بين الوصف بإلا والوصف بغيرها {[11845]}أن لا{[11846]} يوصف بها المعارف والنكرات{[11847]} والظاهر والمضمر ، وقال بعضهم : لا يوصف بها إلا النكرة{[11848]} والمعرفة بلام الجنس فإنه في قوة النكرة .
ولما ذكر فتنتهم بالنهر أتبعه فتنة اللقاء ببحر الجيش وما فيه من عظيم الخطر المزلزل للقلوب حثاً على سؤال العافية وتعريفاً بعظيم{[11849]} رتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم يوم عرض نفسه الشريفة على أهل الطائف ومسه منهم من عظيم الأذى ما مسه : إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي ولكن هي أوسع لي ! فقال سبحانه وتعالى : { فلما جاوزه } أي النهر من غير شرب ، من المجاوزة مفاعلة من الجواز وهو العبور من عدوة دنيا إلى عدوة قصوى { هو والذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان وجاوزوا { معه } وتراءت الفئتان { قالوا } أي معظمهم .
قال الحرالي : رد{[11850]} الضمير مرداً{[11851]} عاماً إيذاناً بكثرة الذين اغترفوا وقلة الذين لم يطعموا{[11852]} كما آذن{[11853]} ضمير شربوا بكثرة الذين شربوا منه{[11854]} - انتهى . { لا طاقة } مما{[11855]} منه الطوق{[11856]} وهو ما{[11857]} استقل به الفاعل ولم يعجزه { لنا اليوم } أي{[11858]} على ما نحن فيه من الحال { بجالوت وجنوده } لما هم فيه من القوة والكثرة . قال الحرالي : ففيه من نحو قولهم { ولم يؤت سعة من المال } اعتماداً على أن النصر بعدة مال أو قوة ، وليس إلا بنصر الله ، ثم قال : فإذا نوظر هذا الإنباء منهم والطلب أي{[11859]} كما يأتي في { ربنا أفرغ } بما تولى الله من{[11860]} أمر هذه الأمة في جيشهم الممثول لهذا الجيش في سورة الأنفال من نحو قوله{ إذ يغشيكم النعاس أمنة منه{[11861]} }[ الأنفال : 11 ] - الآيات ، علم عظيم فضل الله على هذه الأمة واستشعر بما يكون لها في خاتمتها مما هو أعظم نبأ وأكمل عياناً فلله الحمد على ما أعظم من فضله ولطفه{[11862]} - انتهى .
ولما أخبر عنهم بهذا القول نبه على أنه لا ينبغي {[11863]}أن يصدر{[11864]} ممن يظن أن أجله مقدر لا يزيد بالجبن والإحجام ولا ينقص بالجرأة والإقدام وأنه يلقى الله فيجازيه على عمله وأن النصر من الله لا بالقوة والعدد فقال : { قال الذين يظنون } أي يعلمون ولكنه عبر بالظن لما ذكر { أنهم ملاقوا الله } {[11865]}أي الذي له الجلال والإكرام{[11866]} إشارة إلى أنه يكفي في الخوف من الله والرجاء له الظن لأنه يوجب فرار العقل مما يظن أنه يكرهه سبحانه وتعالى إنقاذاً لنفسه من الهلاك بذلك كما أسرف{[11867]} هؤلاء {[11868]}في الشرب{[11869]} لظن الهلاك بعدمه ورجعوا لظن الهلاك باللقاء ؛ ويجوز{[11870]} أن يكون الظن على بابه ويأول اللقاء بالحالة الحسنة{[11871]} { كم من فئة{[11872]} قليلة } كما كان في هذه الأمة في يوم بدر { غلبت فئة كثيرة } ثم نبه على أن سبب النصر الطاعة والذكر لله بقوله : { بإذن الله } أي بتمكين{[11873]} {[11874]}الذي لا كفوء له{[11875]} ، فلا ينبغي لمن علم ذلك أن يفتر{[11876]} عن ذكره ويرضى بقضائه{[11877]} . ثم بين أن ملاك ذلك كله الصبر بقوله : { والله } أي الملك الأعظم { مع الصابرين * } ولا يخذل{[11878]} من كان معه .
قوله تعالى : ( فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) . لما خرج طالوت ببني إسرائيل لملاقاة العدو وأخبر قومه أنه مختبرهم بشيء من امتحان ؛ ليستبين فيهم الصابر الذي يحتمل الشدة ، وهي هنا العطش ، وكذلك الذين يسقطون في أول الطريق ولم يقووا على احتمال البلاء وهم بذلك أحرى ألا يصبروا في الحرب عند ملاقاة العدو . وفي هذا يحدث الله عن ملكهم طالوت إذا أعلمهم أن الله ممتحنهم بنهر سيجاوزونه ، لكنهم ليس لهم أن يشربوا منه ، فمن ضعف وشرب منه ( فليس مني ) أي ليس من أصحابي في هذه الحرب .
ولا يراد بذلك خروجهم من الإيمان أو الملة ، بل خروجهم عن تمام الالتزام وعن كمال الإيمان ، كقوله في الحديث : " من غش فليس منا " أي ليس على طريقنا وهدينا ، وليس على كمال الإيمان وتمام الالتزام .
وقوله : ( ومن لم يطعمه فإنه مني ) أي سيكون على طريقي وهديي ، أو سيجاوز النهر معي من لم يطعم النهر . ويطعم معناه يذوق ، لم يقل يشرب ؛ كيلا يكون في ذلك تكرار ، بل قال يطعم وهو أقوم تعبيرا وأصح حديثا ، ثم استثنى وقال : ( إلا من اغترف غرفة بيده ) الغرفة منها الفعل غرف يغرف ومنها المغرفة . والغرف باليدين ملؤهما بالماء بعد ضمهما معا ، لكن أكثر القوم سقطوا في الامتحان وانهارت عزائمهم لما رأوا الماء ، فما احتملوا وما صبروا ، فما لبثوا أن شربوا من النهر حتى ارتووا مخالفين أمر قائدهم ، ولم يستقم منهم إلا قليل ممن آمنوا وصبروا وثبتوا على الحق ولم تتزعزع هممهم وعزائمهم أمام فتنة الماء البارد العذب حين العطاش الحارق الشديد ، ولقد جاوز طالوت النهر ومعه القلة من المؤمنين حتى إذا رأوا جحافل العدو الكثيف الزاحف أمامهم ارتعدت قلوب فريق منهم وغشيهم الجزع ونادوا خائفين : ( لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ) أي لا نقدر على الثبات في وجه هذا العدو الكثيف القوي ، لكن الفئة الباقية الأخرى من المؤمنين الصابرين الثابتين على الحق تصدّوا لجالوت وجنوده ، ومكثوا أمامه صامدين أقوياء ، وهم في ذلك يستمدون العون والنصر من الله هاتفين في ثقة ويقين واستبسال ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ) وهي حقيقة لا شك فيها . حقيقة تصدق على المؤمنين العاملين المخلصين المحتسبين الذين يمضون على طريق الله وعلى منهجه الحق في ثبات لا يتزعزع ، وعزيمة مكينة صلبة لا تفتر . أولئك هم جنود الله من المؤمنين في كل زمان ومكان يظلون سائرين على صراط الله ، لا يضرهم من خالفهم ، وهم في ذلك صابرون حتى يكتب الله لهم النصر أو الشهادة .