قوله تعالى : " الذين يظنون " ( الذين ) في موضع خفض على النعت للخاشعين ، ويجوز الرفع على القطع . والظن هنا في قول الجمهور بمعنى اليقين ومنه قوله تعالى " إني ظننت أني ملاق حسابيه{[704]} " [ الحاقة : 20 ] وقوله : " فظنوا أنهم مواقعوها{[705]} " [ الكهف : 53 ] . قال دريد بن الصمة :
فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ *** سَرَاتُهُم في الفارسي المُسَرَّد
ربَّ هَمٍّ فرجته بغَرِيم *** وغيوب كشفتها بظنون
وقد قيل : إن الظن في الآية يصح أن يكون على بابه ، ويضمر في الكلام بذنوبهم ، فكأنهم يتوقعون لقاءه مذنبين . ذكر المهدوي والماوردي . قال ابن عطية : وهذا تعسف . وزعم الفراء أن الظن قد يقع بمعنى الكذب ولا يعرف ذلك البصريون . وأصل الظن وقاعدته الشك مع ميل إلى أحد معتقديه ، وقد يوقع موقع اليقين ، كما في هذه الآية وغيرها لكنه لا يوقع فيما قد خرج إلى الحس لا تقول العرب في رجل مرئي حاضر : أظن هذا إنسانا . وإنما تجد الاستعمال فيما لم يخرج إلى الحس بمعنى كهذه الآية والشعر ، وكقوله تعالى " فظنوا أنهم مواقعوها " . وقد يجيء اليقين بمعنى الظن وقد تقدم بيانه أول السورة وتقول : سؤت به ظنا وأسأت به الظن . يدخلون الألف إذا جاؤوا بالألف واللام . ومعنى " ملاقو ربهم " جزاء ربهم . وقيل : إذا جاء على المفاعلة وهو من واحد ، مثل عافاه الله . " وأنهم " بفتح الهمزة عطف على الأول ويجوز " وإنهم " بكسرها على القطع . " إليه " أي إلى ربهم ، وقيل إلى جزائه . " راجعون " إقرار بالبعث والجزاء والعرض على الملك الأعلى .
{ الذين يظنون } من الظن وهو رجحان في اعتقاد مع بقاء منازع من{[2246]} مقابله - قاله الحرالي . {[2247]}{ أنهم ملاقوا ربهم }{[2248]} أي المحسن إليهم ، وعبر بالظن{[2249]} عن العلم{[2250]} تهويلاً للأمر وتنبيهاً على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة في ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف فكيف والأمر متيقن لا مِراء فيه ولا تطرّق للريب إليه ! {[2251]} ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة ، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة .
ولما كانت هذه الجملة مشيرة مع الترهيب لذوي الهمم العلية والأنفة والحمية من الوقوع فيما يلم بعيب أو يوقع في عتب{[2252]} إلى الاستحياء من المحسن الذي ما قطع إحسانه ساعة من الدهر زاد في الترهيب بقوله : { وأنهم إليه } أي وحده{[2253]} { راجعون } ، والرجوع معاد الذاهب على مدارج مذهبه وترقيه على معارج مهبطه - قاله الحرالي .
وعبر بذلك وإن كانوا لم يزالوا في قبضته ، لأن اسمه الظاهر سبحانه يكون في تلك الدار {[2254]}لانقطاع الأسباب{[2255]} في غاية الظهور لا يكون لأحد معه نوع ظهور أصلاً ، لا{[2256]} كهذه{[2257]} الدار التي الغالب فيها معنى اسمه الباطن إلا عند أولي البصائر ؛ وفي الآية تبكيت لأهل الكتاب بأنهم مع تحققهم للبعث يملون عمل من لا يظنه فضلاً عن أنه يعلمه . وقال الحرالي : ولما كان في الصلاة مناجاة لله{[2258]} على الغيب كانت إنما تتيسر على من يظن القبول الذي يشعر به اللقاء لربه بعد موته وذلك حال من رجحت الآخرة على الدنيا في عمله{[2259]} وحاله ، فكان حاله وعمله حال الظان إبقاء على أحوال من دون رتبة اليقين ، ومقصود اللقاء ليس البعث لأنهم هم{[2260]} من المؤمنين بالبعث ولكنه من معنى القبول بعد البعث ، {[2261]}وفيه إشارة إلى حال الموت ويوم البرزخ وهو الجزاء الأول فعطف على المرجع الآخر بعد البعث{[2262]} - انتهى .
وقوله : ( الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون ( الذين اسم موصول في محل جر نعت للخاشعين ، والجملة بعده صلة الموصول لا محل لها من الإعراب ، والظن هنا بمعنى اليقين كما ذهب أكثر أهل العلم وكما ترد كثيرا في القرآن وذلك كقوله : ( ورءا المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ( وقوله : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ( فالظن هنا بمعنى اليقين لا الشك .
هؤلاء الخاشعين الذين لا يثقل عليهم أمر الصبر والصلاة يعتقدون في يقين لا يعتريه شك أنهم ( ملاقوا ربهم ( أي راجعون إليه صائرون الى الحشر بين يديه في يوم عصيب تشخص فيه الأبصار .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.