الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

قوله تعالى : " ولكنا أنشأنا قرونا " أي من بعد موسى " فتطاول عليهم العمر " حتى نسوا ذكر الله أي عهده وأمره نظيره : " فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم " [ الحديد : 16 ] وظاهر هذا يوجب أن يكون جرى لنبينا عليه السلام ذكر في ذلك الوقت ، وأن الله سيبعثه ، ولكن طالت المدة ، وغلبت القسوة ، فنسي القوم ذلك وقيل : آتينا موسى الكتاب وأخذنا على قومه العهود ، ثم تطاول العهد فكفروا ، فأرسلنا محمدا مجددا للدين وداعيا الخلق إليه . وقوله تعالى : " وما كنت ثاويا في أهل مدين " أي مقيما كمقام موسى وشعيب بينهم قال العجاج :

فبات حيث يدخل الثَّوِيُّ

أي الضيف المقيم . وقوله : " تتلو عليهم آياتنا " أي تذكرهم بالوعد والوعيد . " ولكنا كنا مرسلين " أي أرسلناك في أهل مكة ، وأتيناك كتابا فيه هذه الأخبار ، ولولا ذلك لما علمتها .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

ولما كان التقدير : وما كنت من أهل ذلك الزمان الحاضرين لذلك الأمر ، وامتد عمرك إلى هذا الزمان حتى أخبرت بما كنت حاضره ، استدرك ضد ذلك فقال : { ولكنا } أي بما لنا من العظمة { أنشأنا } أي بعد ما أهلكنا أهل ذلك الزمان الذين علموا هذه الأمور بالمشاهدة والإخبار ، كلهم { قروناً } أي ما أخرنا أحداً من أهل ذلك الزمان ، ولكنا أهلكناهم كلهم وأنشأنا بعدهم أجيالاً كثيرة { فتطاول } بمروره وعلوه { عليهم العمر } جداً بتدرج من الزمان شيئاً فشيئاً فنسيت تلك الأخبار ، وحرفت ما بقي منها الرهبان والأحبار ، ولا سيما في زمان الفترة ، فوجب في حكمتنا إرسالك فأرسلناك لتقوم المحجة ، وتقوم بك الحجة ، فعلم أن إخبارك بهذا والحال أنك لم تشاهده ولا تعلمته من مخلوق إنما هو عنا وبوحينا .

ولما نفى العلم بذلك بطريق الشهود ، نفى سبب العلم بذلك فقال : { وما كنت ثاوياً } أي مقيماً إقامة طويلة مع الملازمة بمدين { في أهل مدين } أي قوم شعيب عليه السلام { تتلوا } أي تقرأ على سبيل القص للآثار والأخبار الحق { عليهم آياتنا } العظيمة ، لتكون ممن يهتم بأمور الوحي وتتعرف دقيق أخباره ، فيكون خبرهم وخبر موسى عليه الصلاة والسلام معهم وخبره بعد فراقه لهم من شأنك ، لتوفر داعيتك حينئذ على تعرفه { ولكنا كنا } أي كوناً أزلياً أبدياً نسبته إلى جميع الأزمنة بما لنا من العظمة ، على حد سواء { مرسلين* } أي لنا صفة القدرة على الإرسال ، فأرسلنا إلى كل نبي في وقته ثم أرسلنا إليك في هذا الزمان بأخبارهم وأخبار غيرهم لتنشرها في الناس ، واضحة البيان سالمة من الإلباس ، لأنا كنا شاهدين لذلك كله ، لم يغب عنا شيء منه ولا كان إلا بأمرنا .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ} (45)

قوله : { وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ } أي خلقنا بين زمانك وزمان موسى أمما كثيرة طال عليها العهد فنسوا آيات الله ودلائله ، وعميت عليهم الأخبار بعد أن اندرست الأنباء الصحيحة فعم فيها الخلط والتخريص وشاعت فيهم الأكاذيب والأساطير ، فاقتضت حكمة الله ومشيئته أن تؤتى البشرية المنهج الجديد ، يكون فيه الخبر الصادق اليقين ، ويعيد البشرية إلى المحجة البيضاء ، ويحمل لها قواعد الخير والحق والعدل .

قوله : { وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } { ثَاوِيًا } ، مقيما . والمثوى ، معناه المنزل وجمعه المثاوي . ثوي المكان يثوي به ثواء ؛ أي أطال الإقامة فيه{[3507]} والمعنى : ما كنت يا محمد مقيما في { أَهْلِ مَدْيَنَ } وهم قوم شعيب عليه السلام ، والمؤمنون معه تقرأ عليهم آياتنا حين أخبرت عن نبيها شعيب وما قصه على قومه وما كان من ردهم عليه { وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ } لكنا نحن أرسلناك وقصصنا عليك من أخبارهم وحيا .


[3507]:القاموس المحيط 1637