واختلف في معنى قوله تعالى : " والمستغفرين بالأسحار " فقال أنس بن مالك : هم السائلون المغفرة . قتادة : المصلون .
قلت : ولا تناقض ، فإنهم يصلون ويستغفرون . وخص السحر بالذكر ؛ لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام لبنيه : " سوف أستغفر لكم ربي " {[2937]} [ يوسف : 98 ] : ( أنه أخر ذلك إلى السحر ) خرجه الترمذي وسيأتي . وسأل النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ( أي الليل أسمع ) ؟ فقال : ( لا أدري غير أن العرش يهتز عند السحر ) . يقال سحر وسحر ، بفتح الحاء وسكونها ، وقال الزجاج : السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني ، وقال ابن زيد : السحر هو سدس الليل الآخر . قلت : أصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ينزل الله عز وجل إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ؟ من ذا الذي يسألني فأعطيه ؟ من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر ) في رواية " حتى ينفجر الصبح " لفظ مسلم . وقد اختلف في تأويله ، وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ، ثم يأمر مناديا فيقول : هل من داع يستجاب له ، هل من مستغفر يغفر له ، هل من سائل يعطى ) صححه أبو محمد عبد الحق ، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال ، وأن الأول من باب حذف المضاف ، أي ينزل ملك ربنا فيقول . وقد روى " يُنزل " بضم الياء ، وهو يبين ما ذكرنا ، وبالله توفيقنا . وقد أتينا على ذكره في " الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفاته العلى " .
مسألة : الاستغفار مندوب إليه ، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال : " وبالأسحار هم يستغفرون " {[2938]}
[ الذاريات : 18 ] . وقال أنس بن مالك : أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة . وقال سفيان الثوري : بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد ليقم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر ، فإذا كان عند السحر نادى مناد : أين المستغفرون{[2939]} فيستغفر أولئك ، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم . فإذا طلع الفجر نادى مناد : ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم . وروي عن أنس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض ، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم ) . قال مكحول : إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الأمة بعذاب العامة . وذكره أبو نعيم في كتاب الحلية له . وقال نافع : كان ابن عمر يحيى{[2940]} الليل ثم يقول : يا نافع أسحرنا ؟ فأقول لا . فيعاود الصلاة ثم يسأل ، فإذا قلت نعم ، قعد يستغفر . وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال : سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد يقول : يا رب ، أمرتني فأطعتك ، وهذا سحر فاغفر لي . فنظرت فإذا هو{[2941]} ابن مسعود . قلت : فهذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب . لا ما قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة . والله أعلم . وقال لقمان لابنه : ( يا بني لا يكن الديك أكيس منك ، ينادي بالأسحار وأنت نائم ) . والمختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شداد بن أوس ، وليس له في الجامع غيره ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت - قال - ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة ) . وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد من حديث ابن لهيعة عن أبي صخر عن أبي معاوية عن سعيد بن جبير عن أبي الصهباء البكري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم قال : ( ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كَمَدَبِّ النمل - أو كمَدبِّ الذر - لغفرها الله لك على أنه مغفور لك : اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) .
قال الحرالي : ولما وصف تقوى قلوبهم باطناً وأدب مقالهم ظاهراً وصف لهم{[15518]} أحوال أنفسهم ليتطابق ظاهر أمرهم بمتوسطه وباطنه{[15519]} فقال : { الصابرين } فوصفهم{[15520]} بالصبر إشعاراً بما ينالهم من سجن الدنيا وشدائدها{[15521]} ، والصبر أمدح أوصاف النفس ، به تنحبس{[15522]} عن هواها وعما زين من الشهوات المذكورة بما تحقق من الإيمان بالغيب الموجب لترك{[15523]} الدنيا للآخرة فصبروا{[15524]} عن الشهوات ؛ أما النساء{[15525]} فبالاقتصار على ما ملكوه وأما البنون{[15526]} فبمراعاة أن ما تقدم خير مما تأخر ، قال صلى الله عليه وسلم - يعني فيما{[15527]} رواه ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه " لسقط أقدمه بين يدي أحب إليَّ من فارس أخلفه خلفي{[15528]} " وأما الذهب والفضة فبالنظر إليها{[15529]} أصناماً يضر موجودها ، وبالحري{[15530]} أن ينال منها السلامة{[15531]} بنفقة لا يكاد يصل إنفاقها{[15532]} إلى أن يكون كفارة كسبها وجمعها ، فكان الصبر عنها{[15533]} أهون من التخلص منها ؛ وأما الخيل فلما{[15534]} يصحبها من التعزز الممد لخيلاء النفس الذي هو أشد ما على النفس أن تخرج عن زهوها وخيلائها{[15535]} إلى احتمال الضيم{[15536]} والسكون بحب{[15537]} الذل ، يقال : إنه آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرئاسة ؛ وأما الأنعام فبالاقتصار منها على قدر الكفاف ، لأن كل مستزيد{[15538]} تمولاً من الدنيا زائداً على كفاف منه من مسكن أو ملبس أو مركب أو مال فهو محجر على من سواه من عباد الله ذلك الفضل الذي هم أحق به منه ، قال صلى الله عليه وسلم : " لنا غنم{[15539]} مائة لا نريد{[15540]} أن تزيد{[15541]} " الحديث
{ وإن من شيء إلا عندنا خزائنة وما ننزله إلا بقدر معلوم{[15542]} }[ الحجر :21 ] ؛ وأما الحرث فبالاقتصار{[15543]} منه على قدر الكفاية لما يكون راتباً للإلزام ومرصداً للنوائب{[15544]} ومخرجاً للبذر{[15545]} ، فإن أعطاه الله فضلاً أخرجه بوجه من وجوه الإخراج ولو بالبيع ، ولا يمسكه متمولاً{[15546]} لقلبه إلى غيره من الأعيان فيكون محتكراً ، قال عليه الصلاة والسلام كما أخرجه أحمد وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما " من احتكر أربعين يوماً فقد برىء من الله وبرىء الله منه " فبذلك يتحقق الصبر بحبس النفس عما{[15547]} زين للناس من التمولات من الدنيا الزائدة على الكفاف التي هي حظ من لا خلاق له{[15548]} في الآخرة ، ولذلك يحق أن تكون هذه الكلمات معربة بالنصب مدحاً ، لأن الصفات المتبعة للمدح حليتها{[15549]} النصب في لسان العرب ، وإنما يتبع في الإعراب ما كان لرفع لبس أو تخصيص - انتهى .
ولما كان سن{[15550]} التقوى فوق سن الإيمان عطف أمداحهم كلها بالواو إيذاناً بكمالهم في كل وصف منها وتمكنهم{[15551]} فيء بخلاف ما في آية براءة على ما سيأتي إن شاء الله تعالى فقال : { والصادقين } قال الحرالي : في عطف الصفات ما يؤذن بكمال الوصف لأن العرب تعطفها{[15552]} إذا كملت وتتبع{[15553]} بعضها بعضاً إذا تركبت{[15554]} والتأمت ، يعني مثل : الرمان حلو حامض - إذا كان{[15555]} غير صادق الحلاوة{[15556]} ولا الحموضة ، ففي العطف إشعار{[15557]} بكمال صبرهم{[15558]} عن العاجلة على ما عينه حكم النظم{[15559]} ، في الآية السابقة ، ومن شأن الصابر{[15560]} عن الدنيا الصدق ، لأن أكثر المداهنة{[15561]} والمراءاة إنما ألجأ إليها التسبب{[15562]} إلى كسب الدنيا ، فإذا رغب عنها لم يحمله على ترك الصدق حامل{[15563]} ، قيتحقق به فيصدق{[15564]} في جميع أموره ، والصدق مطابقة أقواله وأفعاله لباطن حاله في نفسه وعرفان قلبه - انتهى .
{ والقانتين } أي المخلصين لله في جميع أمورهم الدائمين عليه .
ولما ذكر سبحانه وتعالى العمل الحامل عليه خوف الحق ورجاؤه{[15565]} أتبعه ما الحامل عليه ذلك مع الشفقة على الخلق ، لأن من أكرم المنتمي{[15566]} إليك فقد بالغ في إكرامك فقال : { والمنفقين } أي ما رزقهم الله سبحانه وتعالى في كل ما يرضيه ، فإنه لا قوام لشيء من الطاعات إلا بالنفقة . قال الحرالي : فيه إشعار بأن من صبر نوّل{[15567]} ، ومن صدق أعلى ، ومن قنت جل وعظم قدره ، فنوله{[15568]} الله ما يكون له منفقاً ، والمنفق أعلى حالاً من المزكي ، لأن المزكي يخرج ما وجب عليه فرضاً ، والمنفق يجود بما في يده فضلاً - انتهى .
ولما ذكر هذه الأعمال الزاكية الجامعة العالية أتبعها الإشارة إلى أن الاعتراف بالعجز عن الوفاء بالواجب هو العمدة في الخلاص : { والمستغفرين } أي من نقائصهم{[15569]} مع هذه الأفعال والأحوال التي هي نهاية ما يصل إليه الخلق من الكمال { بالأسحار * } التي هي أشق الأوقات استيقاظاً عليهم ، وأحبها راحة{[15570]} لديهم ، وأولاها بصفاء القلوب ، وأقربها إلى الإجابة المعبر عنها في الأحاديث بالنزول كما يأتي بيانه في آية التهجد في سورة الإسراء . قال الحرالي : وهو جمع سحر ، وأصل معناه التعلل عن الشيء بما يقاربه ويدانيه ويكون منه بوجه{[15571]} ما ، فالوقت من الليل الذي يتعلل فيه بدنو الصباح هو السحر ، ومنه السحور{[15572]} ، تعلل{[15573]} عن الغداء{[15574]} ؛ ثم قال : وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال سبحانه وتعالى :{ كانوا قليلاً من الّيل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون{[15575]} }
[ الذاريات : 17 ، 18 ] فهم يستغفرون من حسناتهم كما يستغفر{[15576]} أهل السيئات من سيئاتهم تبرؤاً{[15577]} من دعوى الأفعال ورؤية الأعمال التئاماً{[15578]} بصدق{[15579]} قولهم في الابتداء : { ربنا إننا{[15580]} آمنا } وكمال{[15581]} الإيمان بالقدر خيره وشره ، فباجتماع{[15582]} هذه الأوصاف السبعة{[15583]} من التقوى والإيمان والصبر والصدق{[15584]} والقنوت والإنفاق والاستغفار كانت الآخرة خيراً لهم من الدنيا{[15585]} وما فيها{[15586]} ، وقد بان{[15587]} بهذا محكم آيات الخلق{[15588]} من متشابهها بعد الإعلام بمحكم آيات الأمر ومتشابهها ، فتم{[15589]} بذلك منزل الفرقان{[15590]} في آيات الوحي المسموع والكون المشهود - انتهى .
ولعله سبحانه وتعالى أشار بهذه الصفات الخمس المتعاطفة إلى دعائم الإسلام الخمس ، فأشار بالصبر إلى الإيمان ، وبالصدق إلى الزكاة المصدقة لدعواه ، وبالقنوت الذي مدار مادته على الإخلاص إلى الصلاة التي هي محل{[15591]} المراقبة ، وبالإنفاق إلى الحج الذي أعظم مقوماته المال ، وبالاستغفار إلى الصيام الذي مبناه التخلي من أحوال البشر والتحلي{[15592]} بحلية الملك لا سيما في القيام ولا سيما في السحر ؛ وسر ترتيبها أنه لما ذكر ما{[15593]} بين العبد والخالق في التوحيد الذي{[15594]} هو العدول أتبعه ما بينه وبين الخلائق في الإحسان ، ولما ذكر عبادة القلب والمال ذكر عبادة البدن الدالة على الإخلاص في الإيمان ، ولما ذكر عبادة البدن مجرداً بعد عبادة{[15595]} المال مجرداً{[15596]} ذكر عبادة ظاهرة مركبة{[15597]} منهما ، شعارها{[15598]} تعرية{[15599]} الظاهر ، ثم أتبعه{[15600]} عبادة بدنية خفية ، عمادها تعرية الباطن ، فختم بمثل ما بدأ به ، وهو ما لا يطلع {[15601]}عليه حق الاطلاع إلا الله سبحانه وتعالى .
أما قوله ( الصابرين ) من الصبر ، وهو حبس النفس عن الجزع ، والمراد بالصابرين في الآية الذين صبروا في البأساء والضراء وحين البأس ، أو الذين صبروا عن المعاصي والشهوات وصبروا على طاعة الله تعالى .
وقوله : ( والصادقين ) الذين يصدقون مع الله في نياتهم وأقوالهم سرا وعلانية ، وقبل غير ذلك .
وقوله : ( والقانتين ) يعني المطيعين .
وقوله : ( والمنفقين ) من الإنفاق ، وهو بذل المال ونحوه في وجه من وجوه الخير طلبا لمرضاه الله ، فهم المؤتون زكوات أموالهم وواضعوها على ما أمرهم الله وبإتيانها ، والمنفقون في أموالهم في الوجوه التي أذن الله لهم جل ثناؤه بإنفاقها فيها{[424]} .
وقوله : ( والمستغفرين بالأسحار ) الأسحار ، جمع ومفرده سحر ، وهو آخر الليل قبيل الفجر ، والمستغفر ، من الغفر وهو التغطية . استغفر الله لذنبه أي طلب منه أن يستر ذنبه ويغطيه ، وتخصيص هذا الوقت للاستغفار ؛ لما فيه من قرب الإجابة من الله ؛ لما في خصوص هذا الوقت من امتحان للنفس إذ يشدها ثقل الكرى دون النهوض للصلاة في همة ونشاط ، فضلا عما يغشى النفس في هذه الساعة الحانية الودود من تخشع وسكون ، وما يغمرها من لطائف الإيناس الرفيق إذ تستيقظ فيها الفطرة تماما لتكون عل غاية من البهجة والاستئناس والحبور .