الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (15)

قوله تعالى : " ويتوب الله على من يشاء " القراءة بالرفع على الاستئناف لأنه ليس من جنس الأول ولهذا لم يقل ( ويتب ) بالجزم لأن القتال غير موجب لهم التوبة من الله جل وعز وهو موجب لهم العذاب والخزي وشفاء صدور المؤمنين وذهاب غيظ قلوبهم ونظيره : " فإن يشأ الله يختم على قلبك " [ الشورى : 24 ] تم الكلام . ثم قال : " ويمح الله الباط{[7878]}ل " [ الشورى : 24 ] . والذين تاب الله عليهم مثل أبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وسليم بن أبي عمرو ، فإنهم أسلموا . وقرأ ابن أبي إسحاق " ويتوب " بالنصب . وكذا روي عن عيسى الثقفي والأعرج ، وعليه فتكون التوبة داخلة في جواب الشرط ؛ لأن المعنى : إن تقاتلوهم يعذبهم الله . وكذلك ما عطف عليه . ثم قال : " ويتوب الله " أي إن تقاتلوهم . فجمع بين تعذيبهم بأيديكم وشفاء صدوركم وإذهاب غيظ قلوبكم والتوبة عليكم . والرفع أحسن ؛ لأن التوبة لا يكون سببها القتال ، إذ قد توجد بغير قتال لمن شاء الله أن يتوب عليه في كل حال .


[7878]:راجع ج 16 ص 24 فما بعد.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (15)

ولما كان الشفاء قد لا يراد به الكمال ، أتبعه تحقيقاً لكماله قوله : { ويذهب غيظ قلوبهم } أي يثبت بها من اللذة ضد ما لقوا{[35752]} منهم من المكروه ، وينفي عنها من الألم بفعل من يريد سبحانه{[35753]} من أعدائهم وذل الباقين ما كان قد برح بها ، ولقد وفى سبحانه بما وعد به ، فكانت الآية من ظواهر الدلائل .

ولما كان التقدير : قاتلوهم فإنكم إن قاتلتموهم كان كذا ، عطف سبحانه على أصل هذه الجملة قوله : { ويتوب الله } أي الملك الذي له صفات الكمال { على من يشاء } أي منهم فيصيروا إخواناً لكم أولياء ، والمعنى قاتلوهم يكن القتال سبباً لهذه الخمسة الأشياء ، وأما التوبة فتارة تسبب عنه وتارة عن غيره ، ولأجل احتمال تسببها{[35754]} عنه قرئ شاذاً بالنصب على أن{[35755]} الواو للصرف ؛ ولما كان ما تضمنه هذا الوعد الصادق يدور على القدرة والعلم ، وكان -{[35756]} العلم يستلزم القدرة ، فكان التقدير : فالله على كل شيء قدير ، عطف عليه قوله { والله } أي الذي له الإحاطة بكل شيء علماً وقدرة { عليم } أي بكل شيء وبمن يصلح للتوبة ومن لا يصلح وما في قلوبكم من الإقدام والإحجام لو برز إلى الخارج كيف كان يكون { حكيم* } أي أحكم جميع أموره ، ولم يعلق الأحكام الشرعية من أفعالكم الكسبية إلا بما تعلق العلم به في حال ظهوره .


[35752]:في ظ: لقوا.
[35753]:زيد في ظ: من أعدائه.
[35754]:زيد من ظ.
[35755]:سقط من ظ.
[35756]:زيد من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (15)

قوله : { و يتوب الله على ما يشاء والله عليم حكيم } يتوب مرفوع على الاستئناف ؛ لأن ذلك ابتداء كلام وإخبار من الله بان بعض أهل مكة سوف يتوب عن كفره وقد تحقق ذلك في الواقع ؛ فقد اسلم أناس منهم وحسن إسلامهم كأبي سفيان وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما { والله عليم حكيم } فهو سبحانه أعلم بما سيكون وهو كذلك أعلم بما قد كان . وهو سبحانه { حكيم } لا يصدر عنه إلا ما اقتضته الحكمة{[1735]} .


[1735]:الكشاف جـ 2 ص 178 وتفسير الرازي جـ 6 ص 4.