الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (89)

قوله تعالى : " قال قد أجيبت دعوتكما " قال أبو العالية : دعا موسى وأمن هارون ؛ فسمي هارون{[8564]} وقد أمن على الدعاء داعيا . والتأمين على الدعاء أن يقول آمين ، فقولك آمين دعاء ، أي لا رب استجب لي . وقيل : دعا هارون مع موسى أيضا . وقال أهل المعاني : ربما خاطبت العرب الواحد بخطاب الاثنين ، قال الشاعر :

فقلت لصاحبي لا تُعجلانا *** بنزع أصوله فاجتز شِيحَا

وهذا على أن آمين ليس بدعاء ، وأن هارون لم يدع . قال النحاس : سمعت علي بن سليمان يقول : الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى عليه السلام " ربنا " ولم يقل رب . وقرأ علي والسلمي " دعواتكما " بالجميع . وقرأ ابن السميقع " أجبت دعوتكما " خبرا عن الله تعالى ، ونصب دعوة بعده . وتقدم القول في " آمين " في آخر الفاتحة{[8565]} مستوفى . وهو مما خص به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وهارون وموسى عليهما السلام . روى أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله قد أعطى أمتي ثلاثا لم تعط أحدا قبلهم السلام وهي تحية أهل الجنة وصفوف الملائكة وآمين إلا ما كان من موسى وهارون ) ذكره الترمذي الحكيم في نوادر الأصول . وقد تقدم في الفاتحة{[8566]} .

قوله تعالى : " فاستقيما " قال الفراء وغيره : أمر بالاستقامة . على أمرهما والثبات عليه من دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان ، إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة . قال محمد بن علي وابن جريح : مكث فرعون وقومه به هذه الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا . وقيل : " استقيما " أي على الدعاء ؛ والاستقامة في الدعاء ترك الاستعجال في حصول المقصود ، ولا يسقط الاستعجال من القلب إلا باستقامة السكينة فيه ، ولا تكون تلك السكينة إلا بالرضا الحسن لجميع ما يبدو من الغيب . " ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون " بتشديد النون في موضع جزم على النهي ، والنون للتوكيد وحركت لالتقاء الساكنين واختير لها الكسر ؛ لأنها أشبهت نون الاثنين . وقرأ ابن ذكوان بتخفيف النون على النفي . وقيل : هو حال من استقيما ، أي استقيما غير متبعين ، والمعنى : لا تسلكا طريق من لا يعلم حقيقة وعدي ووعيدي .


[8564]:من ع و ك و هـ.
[8565]:راجع ج 1 ص 127.
[8566]:راجع ج 1 ص 127.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ} (89)

ولما أخبر{[38383]} سبحانه عن دعائه عليه السلام أخبر بإجابته بقوله مستأنفاً : { قال } ولما كان الموضع{[38384]} محل التوقع للإجابة ، افتتحه بحرفه فقال : { قد أجيبت دعوتكما } والبناء للمفعول أدل على القدرة وأوقع في النفس من جهة الدلالة على الفاعل بالاستدلال ، وثنى للإعلام بأن هارون عليه السلام مع موسى عليه السلام في هذا الدعاء ، لأنه معه كالشيء الواحد لا خلاف منه له أصلاً وإن كان غائباً ، وذلك كما بايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان رضي الله عنه في عمرة الحديبية فضرب بإحدى يديه على الأخرى وهو غائب في حاجة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذا ضرب له في غزوة بدر بسهمه وأجره وكان غائباً .

ولما كانت الطاعة وانتظار الفرج وإن طال زمنه أعظم أسباب الإجابة ، سبب عن ذلك قوله : { فاستقيما } أي فاثبتا على {[38385]}التعبد والتذلل{[38386]} والخضوع لربكما كما أن نوحاً عليه السلام ثبت على ذلك وطال زمنه جداً واشتد أذاه{[38387]} ولم يضجر ؛ ولما كان الصبر شديداً . أكد قوله : { ولا تتبِّعان } بالاستعجال أو الفترة عن الشكر { سبيل الذين لا يعلمون* }


[38383]:في ظ: أخبرنا.
[38384]:زيد من ظ.
[38385]:في ظ: التذلل والتعبد.
[38386]:في ظ: التذلل والتعبد.
[38387]:من ظ، وفي الأصل: داوه ـ كذا.