الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

قوله تعالى : " فاليوم ننجيك ببدنك " أي نلقيك على نجوة من الأرض . وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق ، وقالوا : هو أعظم شأنا من ذلك ، فألقاه الله على نجوة من الأرض ، أي مكان مرتفع من البحر حتى شاهدوه قال أوس بن حجر يصف مطرا :

فمن بعَقْوتِه كمن بنَجْوَتِه *** والمستكنُّ كمن يمشي بقِرْوَاحِ{[8576]}

وقرأ اليزيدي وابن السميقع " ننحيك " بالحاء من التنحية ، وحكاها علقمة عن ابن مسعود ، أي تكون على ناحية من البحر . قال ابن جريج : فرمي به على ساحل البحر حتى رآه بنو إسرائيل ، وكان قصيرا أحمر كأنه ثور . وحكى علقمة عن عبدالله أنه قرأ " بندائك " من النداء . قال أبو بكر الأنباري : وليس بمخالف لهجاء مصحفنا ، إذ سبيله أن يكتب بياء وكاف بعد الدال ؛ لأن الألف تسقط من ندائك في ترتيب خط المصحف كما سقط من الظلمات والسماوات ، فإذا وقع بها الحذف استوى هجاء بدنك وندائك ، على أن هذه القراءة مرغوب عنها لشذوذها وخلافها ما عليه عامة المسلمين ، والقراءة سنة يأخذها آخر عن أول ، وفي معناها نقص عن تأويل قراءتنا ، إذ ليس فيها للدرع ذكره الذي تتابعت الآثار بأن بني إسرائيل اختلفوا في غرق فرعون ، وسألوا الله تعالى ، أن يريهم إياه غريقا فألقوه على نجوة من الأرض ببدنه وهو درعه التي يلبسها في الحروب . قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي : وكانت درعه من لؤلؤ منظوم . وقيل : من الذهب وكان يعرف بها . وقيل : من حديد ، قاله أبو صخر : والبدن الدرع القصيرة . وأنشد أبو عبيدة للأعشى :

وبيضاء كالنِّهْي موضُونة*** لها قَوْنَسٌ فوق جيب البدن{[8577]}

وأنشد أيضا لعمرو بن معد يكرب :

ومضى نساؤهم بكل مُفَاضَةٍ*** جدلاء سابغةٍ وبالأبدان{[8578]}

وقال كعب بن مالك :

ترى الأبدان فيها مسبغات*** على الأبطال واليَلَبِ الحصينا

أراد بالأبدان الدروع واليلب الدروع اليمانية ، كانت تتخذ من الجلود يخرز بعضها إلى بعض ، وهو اسم جنس ، الواحد يلبة . قال عمرو بن كلثوم :

علينا البيض واليلب اليماني*** وأسياف يقمن وينحنينا

وقيل " ببدنك " بجسد لا روح فيه ، قاله مجاهد . قال الأخفش : وأما قول من قال بدرعك فليس بشيء . قال أبو بكر : لأنهم لما ضرعوا إلى الله يسألونه مشاهدة فرعون غريقا أبرزه لهم فرأوا جسدا لا روج فيه ، فلما رأته بنو إسرائيل قالوا نعم ! يا موسى هذا فرعون وقد غرق ، فخرج الشك من قلوبهم وابتلع البحر فرعون كما كان . فعلى هذا " ننجيك ببدنك " احتمل معنيين : أحدهما - نلقيك على نجوة من الأرض . والثاني - نظهر جسدك الذي لا روح فيه . والقراءة الشاذة " بندائك " يرجع معناها إلى معنى قراءة الجماعة ؛ لأن النداء يفسر تفسيرين : أحدهما - نلقيك بصياحك بكلمة التوبة ، وقولك بعد أن أغلق بابها ومضى وقت قبولها : " آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين " [ يونس : 90 ] على موضع رفيع . والآخر - فاليوم نعزلك عن غامض البحر بندائك لما قلت أنا ربكم الأعلى ، فكانت تنجيته بالبدن معاقبة من رب العالمين له على ما فرط من كفره الذي منه نداؤه الذي افترى فيه وبهت ، وادعى القدرة والأمر الذي يعلم أنه كاذب فيه وعاجز عنه وغير مستحق له . قال أبو بكر الأنباري : فقراءتنا تتضمن ما في القراءة الشاذة من المعاني وتزيد عليها .

قوله تعالى : " لتكون لمن خلفك آية " أي لبني إسرائيل ولمن بقي من قوم فرعون ممن لم يدركه الغرق ولم ينته إليه هذا الخبر . " وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون " أي معرضون عن تأمل آياتنا والتفكر فيها . وقرئ " لمن خلفك " ( بفتح اللام ) ، أي لمن بقي بعدك يخلفك في أرضك . وقرأ علي بن أبي طالب " لمن خلقك " بالقاف ، أي تكون آية لخالقك .


[8576]:العقوة والعقاة: الساحة وما حول الدار والمحلة وجمعها عقاء، والقرواح: الأرض البارزة للشمس.
[8577]:البيضاء: الدرع، والنهي (بالفتح والكسر): الغدير وكل موضع يجتمع فيه الماء. والموضة: الدرع المنسوجة. والقونس: أعلى بيضة في الحديد.
[8578]:في ع و هـ: مشى، والمفاضة (بضم أوله: الدرع الواسعة. والجدلاء: الدرع المحكمة النسيج.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ} (92)

ثم أكده - بدل شماتة الأعداء به{[38402]} الذين كانوا عنده أقل شيء وأحقره - بقوله مسبباً عما تضمنه ذلك الإنكار من الإذلال بالإهلاك إشارة إلى أن الماء أحاط به وصار يرتفع قليلاً قليلاً{[38403]} حتى امتد زمن التوبيخ : { فاليوم ننجيك } أي تنجية عظيمة . ولما كان ذلك ساراً وكانت المساءة بما يفهم السرور إنكاء ، قال دالاً على أن ذلك يعد نزع روحه : { ببدنك } أي من غير روح وهو كامل لم ينقص منه شيء حتى لا يدخل في معرفتك لبس { لتكون } أي كوناً هو في غاية الثبات { لمن خلفك } أي يتأخر عنك في الحياة من بني إسرائيل و{[38404]} غيرهم { آية } في{[38405]} أنك عبد{[38406]} ضعيف حقير ، لست برب فضلاً عن أن تكون أعلى ويعرفوا{[38407]} أن من عصى{[38408]} الملك أخذ وإن كان أقوى{[38409]} الناس ، وأكثرهم جنوداً ، وقد ادعى بعض الملحدين إيمانه بهذه الآية إرادة لما يعيذ الله منه من حل{[38410]} العقد الواجب من أن فرعون من أكفر الكفرة بإجماع أهل الملل ليهون للناس الاجتراء على المعاصي ، وادعى أنه لا نص في القرآن على أنه من أهل النار وضل عن الصرائح التي في القرآن في ذلك في غير موضع وعن أن قوله تعالى :

وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين }{[38411]}[ يونس : 83 ] مع قوله تعالى :{ وأن المسرفين هم أصحاب النار }{[38412]}[ غافر : 43 ] قياس قطعي الدلالة بديهي النص على أنه من أهل النار ، والآية - كما ترى - دليل على قوله : { قل أرأيتم{[38413]} إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً } - الآية ، لو كان فرعون مثل قريش ، فكيف ولا نسبة لهم منه في شدة الاستكبار التابعة لكثرة{[38414]} الجموع ونفوذ الكلمة بضخامة الملك وعز السلطان والقوة بالأموال والأعوان ، وقد روي أن جبريل عليه السلام كان أتاه{[38415]} بفتيا في عبد نشأ في نعمة{[38416]} سيده فكفر نعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه ، فكتب فرعون جزاء العبد الخارج عن{[38417]} طاعة{[38418]} سيده الكافر نعماءه أن يغرق في البحر ، فلما ألجمه الغرق ناوله جبريل عليه السلام خطه فعرفه .

ولما لم يعمل فرعون وآله بمقتضى ما رأوا من الآيات ، كان حكمهم حكم الغافلين عنها ، فكان التقدير : و{[38419]} لقد غفلوا عما جاءهم من الآيات { وإن كثيراً } أكده لأن مثله ينبغي - لبعده عن الصواب - أن لا يصدق أن أحداً يقع فيه { من الناس } أي وهم من لم يصل إلى حد{[38420]} أول أسنان أهل الإيمان لما عندهم من النوس - وهو الاضطراب - والأنس بأنفسهم { عن آياتنا } أي على ما لها من العظمة { لغافلون } والإصلاح : تقويم العمل على ما ينفع بدلاً مما يضر ؛ وإحقاق الحق : إظهاره وتمكينه بالدلائل الواضحة حتى يرجع الطاعن عنه حسيراً والمناصب له مفلولاً{[38421]} ؛ والإسراف{[38422]} : الإبعاد في مجاوزة الحق ؛ والفتنة : البلية ، وهي معاملة تظهر الأمور الباطنة ؛ والنجاة : الخلاص مما فيه المخافة ، ونظيرها{[38423]} السلامة ، وعلقوا النجاة بالرحمة لأنها إنعام على المحتاج بما تطلع إليه نفوس العباد ، فهو على أوكد ما يكون من الدعاء إلى الصلاح ؛ والوحي : إلقاء المعنى إلى النفس في خفاء ، والإيحاء والإيماء والإشارة نظائر ، ولا يجوز أن تطلق الصفة بالوحي إلا لنبي ؛ وتبوأ{[38424]} : اتخذ ، وأصله الرجوع ، فالمتبوأ : المنزل ، لأنه يرجع إليه للمقام فيه : والطمس : محو الأثر فهو تغير إلى الدثور والدروس ؛ والإجابة : موافقة الدعوة فيما طلب بها لوقوعها على تلك الصفة ؛ والدعوة : طلب الفعل بصيغة الأمر ، وقد تكون بالماضي ؛ والمجاوزة : الخروج عن الحد من إحدى{[38425]} الجهات ؛ والبحر : مستقر الماء الواسع بحيث لا يدرك طرفيه من كان في وسطه ، وهو مأخوذ من الاتساع ؛ والاتباع : اللحاق بالأول ؛ والبغي : طلب الاستعلاء بغير حق ؛ والآن : فصل{[38426]} الزمانين الماضي والمستقبل ، ومع أنه إشارة إلى الحاضر ، ولهذا بنى كما بنى " ذا " ؛ والبدن : مسكن روح الحيوان على صورته .


[38402]:زيد من ظ.
[38403]:زيد من ظ.
[38404]:في ظ: أو.
[38405]:في ظ: أي.
[38406]:زيد من ظ.
[38407]:من ظ، وفي الأصل: تعرفوا.
[38408]:في ظ: أخذ.
[38409]:من ظ، وفي الأصل: أقرب.
[38410]:في ظ: جعل.
[38411]:سورة 10 آية 83.
[38412]:سورة 40 آية 43.
[38413]:من ظ والقرآن الكريم آية 50، وفي الأصل: أرأيتكم.
[38414]:من ظ، وفي الأصل: الكثرة.
[38415]:في ظ: أتا.
[38416]:في ظ: عبادة.
[38417]:من ظ، وفي الأصل: على.
[38418]:زيد من ظ.
[38419]:زيد من ظ.
[38420]:من ظ، وفي الأصل: أحد.
[38421]:في ظ: مغلولا.
[38422]:زيدت الواو بعده في ظ.
[38423]:من ظ، وفي الأصل: تطهيرها.
[38424]:من ظ، وفي الأصل: تبوأوا.
[38425]:في الأصل وظ: أحد.
[38426]:في ظ: فضل.