قوله تعالى : " قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي " أي أفلا أنهاكم عن الضلال ؟ ! وهذا كله يدل على أنهم قالوه على وجه الحقيقة ، وأنه اعتقادهم فيه . ويشبه هذا المعنى قول اليهود من بني قريظة للنبي صلى الله عليه وسلم حين قال لهم : ( يا إخوة القردة ){[8828]} فقالوا : يا محمد ما علمناك جهولا ! .
مسألة : قال أهل التفسير : كان مما ينهاهم عنه ، وعذبوا لأجله قطع الدنانير والدراهم ، كانوا يقرضون من أطراف الصحاح لتفضل لهم القُرَاضة ، وكانوا يتعاملون على الصحاح عَدًّا ، وعلى المقروضة وزنا ، وكانوا يبخسون في الوزن . وقال ابن وهب قال مالك : كانوا يكسرون الدنانير والدراهم ، وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين كسعيد بن المسيب ، وزيد بن أسلم وغيرهما ، وكسرهما ذنب عظيم . وفي كتاب أبي داود عن علقمة بن عبد الله عن أبيه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس ، فإنها إذا كانت صحاحا قام معناها ، وظهرت فائدتها ، وإذا كسرت صارت سلعة ، وبطلت منها الفائدة ، فأضر ذلك بالناس ؛ ولذلك حرم . وقد قيل في تأويل قوله تعالى : " وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون{[8829]} " [ النمل : 48 ] أنهم كانوا يكسرون الدراهم ، قاله زيد بن أسلم . قال أبو عمر بن عبد البر : زعموا أنه لم يكن بالمدينة أعلم بتأويل القرآن من زيد بن أسلم بعد محمد بن كعب القرظي .
مسألة : قال أصبغ قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث العتقي : من كسرها لم تقبل شهادته ، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر ، وليس هذا بموضع عذر ، قال ابن العربي : أما قوله : لم تقبل شهادته فلأنه أتى كبيرة ، والكبائر تسقط العدالة دون الصغائر ، وأما قوله : لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد ، وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه ، أو خفي وجه الصدق فيه ، وكان الله أعلم به من العبد كما قال مالك .
مسألة : إذا كان هذا معصية وفسادا ترد به الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك ، ومر ابن المسيب برجل قد جلد فقال : ما هذا ؟ قال رجل : يقطع الدنانير والدراهم ، قال ابن المسيب : هذا من الفساد في الأرض ، ولم ينكر جلده ، ونحوه عن سفيان . وقال أبو عبدالرحمن النجيبي : كنت قاعدا عند عمر بن عبد العزيز وهو إذ ذاك أمير المدينة{[8830]} فأتى برجل يقطع الدراهم{[8831]} وقد شهد عليه فضربه وحلقه ، وأمر فطيف به ، وأمره أن يقول : هذا جزاء من يقطع الدراهم ، ثم أمر أن يرد إليه ، فقال : إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ذلك قبل اليوم ، وقد تقدمت في ذلك فمن شاء فليقطع . قال القاضي أبو بكر بن العربي : أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه ، وأما حلقه فقد فعله عمر ، وقد كنت أيام الحكم [ بين الناس ]{[8832]} أضرب وأحلق ، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يرى شعره عونا له على المعصية ، وطريقا إلى التجمل به في الفساد ، وهذا هو الواجب في كل طريق للمعصية ، أن يقطع إذا كان غير مؤثر في البدن ، وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر من فصل السرقة ، وذلك أن قرض الدراهم غير كسرها ، فإن الكسر إفساد الوصف ، والقرض تنقيص للقدر ، فهو أخذ مال على جهة الاختفاء ، فإن قيل : أليس الحرز أصلا في القطع ؟ قلنا : يحتمل أن يكون عمر يرى أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها ، وحرز كل شيء على قدر حاله ، وقد أنفذ ذلك ابن الزبير ، وقطع يد رجل في قطع الدنانير والدراهم . وقد قال علماؤنا المالكية : إن الدنانير والدراهم خواتيم الله عليها اسمه ، ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله كان أهلا لذلك ، أو من كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب ، وخاتم الله تقضى به الحوائج فلا يستويان في العقوبة . قال ابن العربي : وأرى أن يقطع في قرضها دون كسرها ، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم ، إلا أني كنت محفوفا بالجهال ، فلم أجبن{[8833]} بسبب المقال للحسدة الضلال فمن قدر عليه يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى .
قوله تعالى : " ورزقني منه رزقا حسنا " أي واسعا حلالا ، وكان شعيب عليه السلام كثير المال ، قاله ابن عباس وغيره . وقيل : أراد به . الهدى والتوفيق ، والعلم والمعرفة ، وفي الكلام حذف ، وهو ما ذكرناه ، أي أفلا أنهاكم عن الضلال ! وقيل : المعنى " أرأيتم إن كنت على بينة من ربي " أتبع الضلال ؟ وقيل : المعنى " أرأيتم إن كنت على بينة من ربي " أتأمرونني{[8834]} بالعصيان في البخس والتطفيف ، وقد أغناني الله عنه{[8835]} . " وما أريد أن أخالفكم " في موضع نصب ب " أريد " . " إلى ما أنهاكم عنه " أي ليس أنهاكم عن شيء وأرتكبه ، كما لا أترك ما أمرتكم به . " إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت " أي ما أريد إلا فعل الصلاح ، أي أن تصلحوا دنياكم بالعدل ، وآخرتكم بالعبادة ، وقال : " ما استطعت " لأن الاستطاعة من شروط الفعل دون الإرادة . و " ما " مصدرية ، أي إن أريد إلا الإصلاح جهدي واستطاعتي . " وما توفيقي " أي رشدي ، والتوفيق الرشد . " إلا بالله عليه توكلت " أي اعتمدت . " وإليه أنيب " أي أرجع فيما ينزل بي من جميع النوائب . وقيل : إليه أرجع في الآخرة . وقيل : إن الإنابة الدعاء ، ومعناه وله أدعو .
ولما اتهموه بالقطيعة والسفه ، شرع{[39980]} في إبطال ما قالوا ونفي التهمة فيه وأخرج مخرج الجواب لمن كأنه قال : ما أجابهم به ؟ فقيل : { قال يا قوم } مستعطفاً لهم بما بينهم من عواطف القرابة منبهاً لهم على حسن النظر فيما ساقه على سبيل الفرض والتقدير ليكون أدعى إلى الوفاق والإنصاف { أرءيتم } أي أخبروني { إن كنت } أي كوناً هو في غاية الثبات { على بينة } أي برهان { من ربي } الذي أحسن إليّ بما هو إحسان إليكم ، وعطف على جملة الشرط المستفهم عنه قوله : { {[39981]}و } قد { رزقني } وعظم الرزق بقوله : { منه رزقاً حسناً } جليلاً ومالاً جماً حلالاً لم أظلم فيه أحداً ، والجواب محذوف لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ويمكن أن يقال فيه : هل يسع عاقلاً أن ينسبني إلى السفه بتبذير المال بترك الظلم ، أو يسعني أن أحلم عمن عبد غيره وأترك دعاءكم إلى الله ، فقد بان بهذا أني ما أمرتكم بما يسوءكم من ترك ما ألفتم وتعرضت لغضبكم كلكم ، وتركت مثل أفعالكم إلا خوفاً من غضبه ورجاء لرضاه ، فظهر أن لا تهمة في شيء من أمري ولا خطأ ، ما فعلت قط ما نهيتكم عنه فيما مضى { وما أريد } أي في وقت من الأوقات { أن أخالفكم } أي{[39982]} بأن أذهب وحدي { إلى ما أنهاكم عنه } في المستقبل ، وما نقص مال بترك مثل أفعالكم ، فهو إرشاد إلى النظر في باب :
لا تنه عن خلق وتأتي بمثله *** عار عليك إذا فعلت عظيم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها *** فإذا انتهيت عنه فأنت حكيم
وقد نبهت هذه الأجوبة الثلاثة{[39983]} على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتي ويذر أحد حقوق ثلاثة أهمها وأعلاها حق الله وثانيها حق النفس وثالثها حق العباد على وجه الإخلاص في الكل{[39984]} فثبت{[39985]} ببعده عن التهمة مع سداد الأفعال وحسن المقاصد - حلمه صلى الله عليه وسلم ورشده ، فلذلك أتبعه بما{[39986]} تضمن معناه مصرحاً به فقال : { إن } أي ما { أريد } أي شيئاً من الأشياء { إلا الإصلاح } وأقر بالعجز فقال : { ما استطعت } أي مدة استطاعتي للاصلاح وهو كما أردت فإن مالي - مع اجتنابي ما أنتم عليه - صالح ، ليس بدون مال أحد منكم ، فعلم ، مشاهدة أن لا تبذير في العدل ، وأما التوحيد{[39987]} فهو - مع انتفاء التهمة عنى{[39988]} فيه - دعاء إلى القادر على كل شيء الذي لا خير إلا منه ولا محيص عن الرجوع إليه ؛ ثم تبرأ من الحول والقوة ، وأسند الأمر إلى من هو له فقال : { وما توفيقي } إي فيما استطعت من فعل الإصلاح { إلا بالله } أي الذي له الكمال كله ؛ ثم بين أنه الأهل لأن يرجى فقال مشيراً إلى محض التوحيد الذي هو أقصى مراتب العلم بالمبدأ { عليه } أي وحده { توكلت } ولما طلب{[39989]} التوفيق لإصابة الحق فيما يأتي ويذر من{[39990]} الله والاستعانة به{[39991]} في مجامع أمره وأقبل عليه بكليته وحسم أطماع الكفار عنه وأظهر الفراغ عنهم وعدم المبالاة بهم ، وكان في قوله { ما استطعت } إقرار بأنه محل التقصير ، أخبر بأنه لا يزال يجدد التوبة لعظم الأمر ، وعبر عن ذلك بعبارة صالحة للتحذير من يوم البعث تهديداً لهم فقال منبهاً على معرفة المعاد ليكمل الإيمان بالله واليوم الآخر : { وإليه } أي خاصة { أنيب* } أي أرجع معنى سبقي{[39992]} للتوبة وحساً تيقني{[39993]} بالبعث بعد الموت ؛ والتوفيق : خلق قدرة ما هو وفق الأمر من الطاعة ، من الموافقة للمطابقة ؛ والتوكل على الله : تفويض الأمر إليه على الرضاء بتدبيره مع التمسك بطاعته{[39994]} .