قوله تعالى : " ويقول الذين كفروا لست مرسلا " قال قتادة : هم مشركو العرب ، أي لست بنبي ولا رسول ، وإنما أنت متقول ، أي لما لم يأتهم بما اقترحوا قالوا ذلك . " قل كفى بالله " أي قل لهم يا محمد : " كفى بالله شهيدا بيني وبينكم " بصدقي وكذبكم . " ومن عنده علم الكتاب " وهذا احتجاج على مشركي العرب لأنهم كانوا يرجعون إلى أهل الكتاب - من آمن منهم - في التفاسير . وقيل : كانت شهادتهم قاطعة لقول الخصوم ، وهم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وسلمان الفارسي وتميم الداري والنجاشي وأصحابه ، قاله قتادة وسعيد بن جبير .
وروى الترمذي عن ابن أخي عبد الله بن سلام قال : لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان : ما جاء بك ؟ قال : جئت في نصرتك ، قال : أخرج إلى الناس فاطردهم عني ، فإنك خارج خير لي من داخل ، قال{[9440]} فخرج عبد الله بن سلام إلى الناس فقال : أيها الناس ! إنه كان اسمي في الجاهلية فلان{[9441]} ، فسماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله ، ونزلت في آيات من كتاب الله ، فنزلت في : " وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين " [ الأحقاف : 10 ] ونزلت في : " قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب " الحديث . وقد كتبناه بكماله في كتاب " التذكرة " . وقال فيه أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . وكان اسمه في الجاهلية حصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله . وقال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير " ومن عنده علم الكتاب " ؟ قال : هو عبد الله بن سلام . قلت : وكيف يكون عبد الله بن سلام وهذه السورة مكية{[9442]} وابن سلام ما أسلم إلا بالمدينة ؟ ! ذكره الثعلبي .
وقال القشيري : وقال ابن جبير السورة مكية وابن سلام أسلم بالمدينة بعد هذه السورة ، فلا يجوز أن تحمل هذه الآية على ابن سلام ، فمن عنده علم الكتاب جبريل ، وهو قول ابن عباس . وقال الحسن ومجاهد والضحاك : هو الله تعالى ، وكانوا يقرؤون " ومن عنده علم الكتاب " وينكرون على من يقول : هو عبد الله بن سلام وسلمان ؛ لأنهم يرون أن السورة مكية ، وهؤلاء أسلموا بالمدينة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " ومن عنده علم الكتاب " وإن كان في الرواية ضعف ، وروى ذلك سليمان بن أرقم عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وروى محبوب عن إسماعيل بن محمد اليماني أنه قرأ كذلك - " ومِن عنده " بكسر الميم والعين والدال " علم الكتاب " بضم العين ورفع الكتاب . وقال عبد الله بن عطاء : قلت لأبي جعفر بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم زعموا أن الذي عنده علم الكتاب عبد الله بن سلام فقال : إنما ذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وكذلك قال محمد ابن الحنفية . وقيل : جميع المؤمنين ، والله أعلم . قال القاضي أبو بكر بن العربي : أما من قال إنه علي فعوَّل على أحد وجهين : إما لأنه عنده أعلم المؤمنين وليس كذلك ، بل أبو بكر وعمر وعثمان أعلم منه . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم . ( أنا مدينة العلم وعلي بابها ) وهو حديث باطل{[9443]} ، النبي صلى الله عليه وسلم علم وأصحابه أبوابها ، فمنهم الباب المنفسح ، ومنهم المتوسط ، على قدر منازلهم في العلوم . وأما من قال إنهم جميع المؤمنين فصدق ؛ لأن كل مؤمن يعلم الكتاب ، ويدرك وجه إعجازه ، ويشهد للنبي صلى الله عليه وسلم بصدقه .
قلت : فالكتاب على هذا هو القرآن . وأما من قال هو عبد الله بن سلام فعوَّل ، على حديث الترمذي ، وليس يمتنع أن ينزل في عبد الله بن سلام شيئا ويتناول جميع المؤمنين لفظا ، ويعضده من النظام أن قوله تعالى : " ويقول الذين كفروا " يعني قريشا ، فالذين عندهم علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى ، الذين هم إلى معرفة النبوة والكتاب أقرب من عبدة الأوثان . قال النحاس : وقول من قال هو عبد الله بن سلام وغيره يحتمل أيضا ؛ لأن البراهين إذا صحت وعرفها من قرأ الكتب التي أنزلت قبل القرآن كان أمرا مؤكدا ، والله أعلم بحقيقة ذلك .
ولما تقدم قوله تعالى : { ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية } عطف عليه - بعد شرح ما استتبعه - قوله : { ويقول الذين كفروا } أي أوجدوا الكفر ولو على أدنى الرتب ، قولاً على سبيل التكرار : { لست مرسلاً } لكونك لا تأتي بمقترحاتهم مع أنه لم يقل يوماً : إنه قادر عليها ، فكأنه قيل : فما أقول لهم ؟ فقال{[44463]} : { قل كفى } والكفاية : وجود الشيء على مقدار الحاجة ؛ ومعنى الباء في { بالله } أي الذي له الإحاطة الكاملة - التأكيد ، لأن الفعل لما جاز أن يضاف إلى غير فاعله إذا أمر به أزيل هذا الاحتمال من وجهين : جهة الفاعل وجهة صرف الإضافة { شهيداً } أي بليغ العلم في شهادته بالاطلاع على ما ظهر وما بطن { بيني وبينكم } يشهد بتأييد رسالتي وتصحيح مقالتي بما أظهر لي من الآية وأوضح من الدلالة بهذا الكتاب ، ويشهد بتكذيبكم بادعائكم القدرة على المعارضة وترككم لها عجزاً ، وهذا على مراتب الشهادة ، لأن الشهادة قول يفيد غلبة الظن بأن الأمر كما شهد به ، والمعجزة فعل مخصوص يوجب{[44464]} القطع بأن ما جاءت لأجله كما هو { ومن عنده علم الكتاب } مما أنزله{[44465]} فيه من الأصول والفروع والخبر عما كان و{[44466]} يكون على نحو{[44467]} من الأساليب ونمط من المناهيج أخرس الفصحاء ، وأبكم البلغاء ، وأبهت الحكماء ، وهو الله تعالى ، تأييداً وتحقيقاً لدعواي ، ويؤيد أن المراد به " الله " قراءة { من } على أنها جارة{[44468]} ، وفي سوقه هكذا على طريق الإبهام من ترويع{[44469]} النفس بهزّها إلى تطلب المتصف بهذا الوصف ما ليس في التعيين ، فهو إذن كدعوى الشيء{[44470]} مقروناً بدليله ، فقد انطبق هذا الآخر على أول السورة في أن المنزل حق من عنده وأنهم لا يؤمنون - والله الموفق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.